; المجتمع الثقافي.. عدد 1656 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1656

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2005

مشاهدات 56

نشر في العدد 1656

نشر في الصفحة 50

السبت 18-يونيو-2005

صلاح حسن رشيد (*) 

(*) خدمة مركز الإعلام العربي القاهرة

«أطياف» الشاعر السعودي الراحل عبد الله بن زيد ﺁل داود

في أشعار شاعر المملكة العربية السعودية عبد الله زيد آل داود التي صدرت بعد رحيله بعنوان «أطياف»، هذا العام بالمملكة، والتي جمعها شقيقه الكاتب الصحفي عبد العزيز آل داود، مدير تحرير مجلة الحرس الوطني، ما يفجع الأمة ويكلم القلب ويدمي الفؤاد ولديه من الهموم واللواعج والغموم ما ينفر من الواقع البئيس ويشحذ القوى نحو العلا والمجد.

أغنيات المجد

وتحت هذا العنوان الدال المعبر عن آمال الشاعر الرحيبة في غد أفضل لبني قومه ودينه يقول بحسه الإيماني الاستشرافي: 

ما رأت عيناي في الدنيا فتى                  

                                              يستحق الخلد إلا المسلما 

كم رأه الكون والدنيا معاً

                                            بعنان الدهر يمضي قدما 

وسما للمجد حتى خلته

                                    قد تخطى للمعالي الأنجما 

يشرق الكون إذا حل به

                             وإذا ما غاب عنه أظلما 

وللقدس وللأرض الإسلامية السليبة المنتهبة من الصهاينة يقول الشاعر عبد الله

ابن زید آل داود

هذي فلسطين نجوى الراكضين على 

                                       درب القصيد تلاحين وتذكار

وملعب المجد فيها مقفر وفم الـ 

                                      أيام في صمته القتال محتار

شامير يا ذنب الشيطان لا ضحكت

                                لك الليالي.. زمان الذل دوار 

هذي الحجارة أبيات القصيد وذي

                                    أيدي الأباة مزامير وأوتار 

فما هب قومنا لنجدتها، وما أغاثها المغيثون. بل تخلى عن نجدتها العرب والمسلمون

لكن شاعرنا المكلوم بآلام أمته ومآسيها المدوية سواء في فلسطين أو في أفغانستان أو في العراق يعاوده الحنين لاستعادة الانتصارات والمجد

 

إنها أمة الخلود وشعب 

                    مستباح من المجد يعاني 

ملعب العز لا يريد جبانا 

                            وربي القدس لا تريد الأماني

فما صنعت الأماني والكلمات الجوفاء وسياسات التسليم بالأمر الواقع سوى الذل والهزائم.

الرماح والدماء

وينادي شاعرنا «يرحمه الله» أبناء أمته من خلال الرماح كنموذج للتحرير والفتح والظفر كما كانت أيام الأوائل البواسل:

اشربي من دم العلا يا رماح 

                     واملئي الكون بالشذى يا جراح 

واجعليني قصيدة ربة الشعر 

                             ليشدوا بها الردى والكفاح 

ناوليني الطروس تنظم شعري

                                 أسهم الثأر جهرة والرماح 

وانقليني على جناحك هذي

                          سفني حطمت وهيض الجناح 

سافري بي رياح نجد ففي

                              الروح صلاء ولوعة يا رياح 

وقفي بي على شواطئ حيفا

                                    حيث يتلو نشيدهن الصباح 

فيزيد هناك في سهل حطين 

                              وعمرو وخالد وصلاح

ضحك الذل ملء شدقيه لما 

                               ملئت من خنوعنا الأقداح

حين ضاعت هوية الناس طرا 

                                 نسبتنا إلى المعالي الرماح 

ويسرد الشاعر عبد الله بن زيد آل داود تاريخ الإسلام المجيد وفتوحاته الكبرى في الشرق والغرب التي خرجت من مكة والمدينة:

 

من هنا من أرضنا المعطاء من شبه الجزيرة 

حمل النور أبو بكر وسعد والمغيرة 

فعلت الله أكبر.. فعلت الله أكبر 

ومضت نجد تناغي الشام في أطهر سيرة 

وبخاري أنفس ظمأى لأضواء المسيرة 

وببغداد عن النور أحاديث مثيرة 

وانطلقنا موكبا للفجر من هذي الجزيرة 

فإذا أم القرى تغدو لظمآن غديرة 

فعلت الله أكبر... فعلت الله أكبر

ثم يستنطق شاعرنا المتيم بعبق الإسلام صفحات تاريخنا الزاخر بالفخار والسؤدد

والرفعة عندما كنا سادة الدنيا وأساتذة العالم

قلب صحائف عزنا فالكون ينتظر الخبر 

واكتب بماء التبر ما نسج الزمان وما ذكر 

وانقل لهذا الجيل من قصص البطولة ما اندثر 

فلعل إنسانا يرى درب الهداية أو يسر 

حدثهمو عن خالد وأبي عبيدة عن عمر

 أيام كنا سادة الدنيا وأقطاب البشر

فالجيل ظمآن لنهل الخير من تلك السير

ويدلل على كلامه السالف بمواقف السلف الصالح وبطولاته

أوما رأيت طليحة الأسدي فينا إذ زأر؟ 

إذ جاء حادينا يقول لنا على الفرس الظفر 

أبشر أمين المؤمنين الحق في الأرض انتشر

 وبكي فؤادي عندما تبدو له تلك الصور

 فالقلب مشدود لماضينا وتاريخي الأغر

 هذا حديثك يا زمان فكيف همسك يا قمر؟

ويمتلئ الديوان بالتأكيد على معاني الفضيلة والأخلاق والدعوة إلى توحيد

الصفوف وجمع الكلمة، وضرورة مواجهة قوى الاحتلال الغاشمة بجسد الأمة العليل في فلسطين وفي العراق وأفغانستان. 

 

واحة الشعر

د.سعيد شوارب

ألق عصاك

في الفطرة.. كل الفطرة.. زوجان

ليل.. ونهار

وأنا .. عمري ليلان

ليل يسدله الله سكينة قلب تحت

ستور أمان

يفتح فيه عرى الظلمات فتنبض

نجما .. نجما

والآخر.. ليل يشعله الشيطان

يفخخ فيه حقول الضعفاء

يفجرها لغما .. لغما!!

لا يستحيي أحداً فرعون ولا هامان

هامان يشيد الصرح كما يهوى

فرعون

فتهب سماسرة الآفاق، ويحشر

يحشر كل الكون!!

فرعون الأوحد يرقى فوق الفوق

سماء !!

صمت الأشجار خشوع مذعور

وضجيج الدهماء!!

وعيون العس.. فنون الدس

ترانيم الكهان تلف الساحة

طوق!!

فرعون العالي فوق الفوق.. يزمجر

أين إلهك يا موسى؟

ما في الكون إله غيري

وأنا .. ربكم الأعلى

أشرعتي تزحم كل محيطات الدنيا

وأنا .. الربان!!

أشير.. تهب الريح رخاء

أشير.. تدوي عاصفة الصحراء

أشير.. يهب المقتول إلى نعلي قاتله

معتذرا

أرهقه بالعظم الملعون خلال الذبح

أشير.. يكون الصفح

أجل من أجل الحب يكون الصفح

ونشرب نخب سلام الشجعان!!

...

نظر القرصان إلى الأعيان.... 

اندلعت عاصفة الميدان

يحيا ، فرعون، ويحيا العدل!!

يحيا ، فرعون، ويحيا العدل!!

فرعون القرصان يسوي عطفيه.

يشير:

اكتب:

خبر عاجل

جاء الحق وزهق الباطل

لم أركم من رأيي إلا العدل

من ظن إلها غيري.. فهو أبو جهل!!

...

وتغنى الكل على إيقاع الكاهن والشاعر

الساحر.. يتلوى.. يتلون

ينفث كالحيات خيوط دخان

أفواج حبال السحرة.. خبص.. خبص

ويصيح الشاعر هذا يوم الزينة

رقص .. رقص!!

الساحة.. كل الساحة

رقص .. رقص!!

وأنا .. أشلاء سؤال، خانته القدمان!!

مأساة.. سقطت فوق رصيف الحزن

ودوت في الأزمان!!

وعيون تبحث عن موسى!!

من أوجس خيفته.. لم يظهر في

الميدان!!

يا موسى!! لا تعجل عن قومك!!

البيت الأقدس يا موسى تلتف عليه

أفاعي الليل

يبيض على منبره الشيطان!!

فرعون رمى أوراق التوت

فرعون ينازع ربك في الملكوت!!

صوتي يا موسى مبحوح

وأنا بركان جروح

السحر استرهب كل الأعين يا موسى

حتى ما عادت في رأسي عينان!!

في خاصرتي يا موسى خنجر

هذا زمن يا موسى تخرق فيه عيون

الصبح 

وتحرق فيه حقول القمح

ويهتف للبرجر !!

هل تعرف يا موسى مثله؟؟

الطيب فيه يا موسى يدعى الأبله

وتنادى فيه سالومي، سيدة القصر!!

والعصر

إن الإنسان لفي خسر!! إن الإنسان لفي خسر!!

آه يا موسى للإنسان!!

الله يريد يمن على الضعفاء، فهم يا

موسى ملح الإنسان!!

لكن خفافيش الظلمات تسلل من كل

الفتحات

تجيد العس.. تزيد القص... تريد المص

تخاتل كي تنصبهم كالأوثان!!

اسلك يا موسى في هذا الدرب المظلم

كفك

تخرج بيضاء!!

أخبرهم أن البحر سيصبح رهواً مأنوساً

وطريق نجاء!!

يا موسى ألق عليهم ثوب النهر.. الزهر

وروح الماء!!

وغادر بهم يا موسى درب العطش

العريان!!

بشرهم يا موسى، أن الجنة قد علمت

موت سليمان!!

والآن!!

من يملك نبضة موسى رغم ظلام التيه

سيملك مثل عصاه!!

يقهره فرعون ويتحداه!!

ستكون عصاتك يا موسى حقاً يتجلى

يدنو... يتدلى مثل الغيث

ويخرج من كل الأغصان!!

وسيخرج يوسف من ظلمات السجن

يغيث الناس، ويزرع صحراء الإنسان!!

لكن يا موسى، ألق عصاك الآن.. الآن!!

يا موسى ألق عصاك

ألق عصااااك! 

د. حلمي محمد القاعود

لغة عصام الغزالي الشعرية (٥من٥)

المسرح الشعري

ولا ريب أن عصام الغزالي، يستطيع عن طريق الدراما، وخاصة المسرح الشعري أن يثري واقعنا الشعري والأدبي بصفة عامة، فهو كما رأينا في قصيدة «الكلاب، وغيرها على امتداد مجموعاته الشعرية، يملك طاقة درامية متوهجة ويمكنه أن يوظفها توظيفاً جيداً من خلال المسرح الشعري، سواء المستمد من التاريخ أو التراث أو المعتمد على أحداث الواقع أو المجتمع، فالمسرح الشعري من يخاطب جمهرة عريضة من الناس وفي الوقت ذاته يخلص الشاعر من الغنائية المسرفة، والتكرار الرتيب، ويساعده على الإضافة والابتكار.

(۵)

يمتد عصام الغزالي، حسًا موسيقيًا مرهقًا، يعود إلى هيمنته على اللغة وتطويعها لأغراضه المختلفة، ولأنه مستوعب جيدا لموسيقى البحور الشعرية، فقد ساعدته اللغة على تحقيق ما يعرف بالموسيقى الداخلية التي تتجاوز سلامة العروض إلى ما يمكن تسميته سلامة الإيقاع وهو ما تجلى من ناحية أخرى في استخدام قافية نادرة أو صعبة.

وبصفة عامة يمكن رصد بعض الظواهر الموسيقية لدى الشاعر أبرزها الاعتماد على مجزوءات البحور في كثير من قصائده، ولا شك أن المجزوءات تحقق قدرًا أكبر من تدفق الإيقاع وحركيته «ديناميته».. كما تنفي عن القصيدة كثيرًا من الحشو والفضلات لأن الشاعر في هذه الحال يحرص على أن تكون الكلمات على قدر المعنى، وأن مجال الحشو أمامه في المجزوءات يضيق. ويتلاشى أحيانًا.

بحر جديد

ومن الظواهر الموسيقية التي يسعى الشاعر للانفراد بها محاولته النظم على بحر جديد يرى أن أحدًا لم ينظم عليه من قبل، وتفعيلاته:

مستفعلن مستفعلن مستفعلن فعلن

 مستفعلن مستفعلن مستفعلن فاعي

وقد نظم عليه قصيدته تركة تاجر مسك في ديوانه، أهددكم بالسكوت.. يقول في ختامها: 

ما زال ريح المسك ملء البيت يا أبتي

                          والخط في الأوراق من نور وسلسال 

والعطر في الأركان والآذان أجمعها 

               والمصحف المفتوح في المحراب أوحى لي

البيت بيت العلم والقرآن يا ولدي

                        يا والدي والرد في صمتي وإجلالي

غربلت ما للخير من ذكراك يا أبتي 

                           فاهنأ.. أقل الشر لم يفرزه غربالي

والعرق في الأحفاد، والآمال تطمعني 

                               أن يجلس المولود في كرسيك الخالي 

وتفعيلات هذا البحر تقوم على تفعيلات الرجز النام «مستفعلن ست مرات». وقد أضاف إليها الشاعر تفعيلة، فاعلن مخبونة في العروض «فعلن» ومقبوضة في الضرب «فاعي» حيث حذف الخامس الساكن، وقام بتسكين الرابع

ولا أزعم أني طالعت شعرًا على هذا الوزن الذي نظم عليه عصام الغزالي وهو في كل الأحوال محاولة مشكورة لأنها تسعى إلى الإضافة الجادة من خلال وعي حقيقي بقيمة الموسيقى وأهميتها في البناء الشعري بصفة عامة، وقد رأينا شعراء التفعيلة يحاولون من قبل المزاوجة بين التفعيلات، وإطلاق عدد التفعيلات في البيت الواحد وتطوير البيت المدور إلى ما يسمى بالقصيدة المدورة ... إلى غير ذلك من محاولات لا ريب أنها تصب في إثراء الموسيقى الشعرية وإغنائها.

القافية النادرة

ومن الظواهر الموسيقية الملحوظة استخدام الشاعر للقافية النادرة أو القافية الصعبة، وهو ما يعود مرة أخرى إلى سيطرة الشاعر على لغته وقدرته على تطويعها واللعب بها بالطريقة التي تروقه ويقدم بها نصوصه الشعرية المتناغمة. إنه مثلاً يستخدم قوافي غير مطروقة من قبل الشعراء إلا نادراً، مثل قافية الفاء، والزاي، والطاء. والضاد والقاف والحاء... وهي إن دلت . كما قلت على تمكنه اللغوي، فإنها تأتي سهلة لينة كأنها مطروقة تأمل مثلاً قصيدته «مأساة القرش المزيف» وانظر قافيتها «الفائية»، وكيف جاءت طبيعية عفوية:

 قرش تطارده العيون مزيف

أكلت ملامحه أكف خوف

نحاه في العد الورى واستأنفوا

ويظل يلحقه سؤال يقذف

من زيف القرش الذي لا يصرف؟ (1) 

ثم تأمل قافية الذال التي نادرًا ما يطرقها الشعراء، وانظر كيف استطاع توظيفها بسهولة وسلاسة للتعبير عن معناه الشعري:

 هيئ يراعك واشحذ واسمع قصيدتي واحتذ 

أفديك لو جادت عليك يد القصيد بمأخذ 

إن كان ثمة شاعر فوق اللحاق.. أنا الذي

 وأنا الذي جبت البحور قلاعي الكلم الشدي 

ومددت مائدة الجمال تضم كل محبذ

 ودخلت وجدان الأحبة، والمسامع منفذي. (۲) 

ويلاحظ أن الشاعر حريص على «التصريع» في معظم قصائده أي تقفية شطري البيت الأول من القصيدة، بهدف تعميق الإيقاع الموسيقي.... وإذا أضفنا إلى ما سبق ما ذكرناه عن اهتمامه أيضًا بحسن التقسيم، فإننا بلا شك أمام شاعر يعطي الموسيقى بوصفها أداة رئيسة اهتمامه الكبير الذي يجعل شعره متميزًا بين أقرانه وجيله.

مزالق نثرية

ومع هذا كله، فإن الشاعر بحكم انفعالاته أحيانًا، أو المناسبة في أحيان أخرى يقع في بعض مزالق النثرية، وهي بصفة عامة قليلة في شعره لحسن الحظ، ومنها هذا المقطع في قصيدته أبي التي كتبها على نمط شعر التفعيلة، يقول:

ولكنني رغم خوفي الشديد ورغم الحذر

سأعبر حين يشاء القدر

وحتماً أأوب (۳)

إن كلمة ، رغم في ذاتها، تستخدم استخدامًا خاطئًا، وقد شاعت في لغة الصحافة، وهي هنا أطفات الموسيقى والشعرية معاً، ورفعت صوت الشاعر دون داع.

وبعد: فإن الشاعر عصام الغزالي، بإنتاجه الغزير، وشاعريته المتميزة، وانتمائه إلى هوية الأمة وروحها، وتمسكه بقضايا الوطن والدين يجعل منه مع قلة من جيله، نماذج مشرقة للمقاومة الحقيقية التي تواجه الهيمنة والاستلاب والتغريب، ويبقي في الوقت نفسه جذوة الشعر الأصيل مشتعلة في قلب الرماد والإحباط والتينيس، ويبشر بالغد الجميل المضيء بالنور والأمل والظفر.

الهوامش

(۱) الإنسان والحرمان ص ۲۰

(۲) أهددكم بالسكوت، ص ۱۹.

(۳) هوى الخمسين، ص ٩٥

 

أ.د. حامد بن محمود آل إبراهيم

اللغة العربية وحرفها.. لغة حضارة

إن النهضة الحضارية التي ينشدها العالم العربي، لا يمكن أن تتم بواسطة استيراد التقنية العلمية، لأن استيراد الآلة لا يستطيع أن ينشئ حضارة.

والتربية الخصبة التي تستطيع أن تستقبل بذور التقنية العلمية الحديثة، وتمنحها المتطلبات الأساسية للنمو، يجب أن تكون تربة صالحة للاستزراع، أي أن تكون تربة علمية، ولن يتأتى ذلك إلا بنشر العلم بين أبناء الأمة. واستخدام اللغة العربية والتعريب هو السبيل الوحيد لنشر العلم بين سواد الناس وعامتهم.

ووجود العلم بلغة أجنبية يقيم حاجزًا هائلًا بين الأمة وبينه، والوصول إليه يستلزم بالضرورة اجتياز هذا الحاجز، وهو أمر إن تيسر لفئة محدودة من الأفراد، فهو لا يتوافر للقوة العاملة في مجالات الحياة المختلفة التي تمثل الانطلاق الحضاري والتي تظل على هامش التقدم إذا لم تزود بلغة العلم.

وتعتبر الجامعات المسؤول الأول الذي يمكنه تيسير نشر العلم بلغة الناس ألا وهي اللغة العربية، ففي تاريخ مدينة دمشق (ج ۲۱ / ص ٤٠٧) قام النبي : يجر رداءه حتى دخل المسجد ثم نودي أن الصلاة جامعة وقال النبي : «يا أيها الناس.. إن الرب واحد والأب واحد .. وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي».

 ونتناول في هذه السلسلة من المقالات حول اللغة اللغة العربية.. الرد على الذين يظنون أن اللغة العربية عاجزة عن الأخذ بأسباب الحضارة، ونقل التقدم العلمي وإنمائه مع توضيح الأسباب التي أدت إلى عدم تعريب العلوم حتى الآن والتي وقفت عائقًا أمام ذلك.

ثم تتولى هذه المقالات وضع تصور عام للخطوات التي يجب أن تتخذ لكي يصير استخدام اللغة العربية والتعريب والتدريس باللغة العربية حقيقة واقعة. 

ثم نختتم هذه المقالات بوضع بعض الأفكار التي تعين على ترجمة المصطلحات وتعريبها وتصل للنتيجة التي حار فيها الداعون لاستخدام اللغة العربية بالرغم من الجهود المضنية، والأعمال الكثيرة، والمساعي الجادة ليتبين أن السبب هو القرار السياسي، وأن جميع الغبش الذي يثار هنا وهناك لا أساس له. وقد ذللت جميع العقبات تذليلًا.

لكن قبل البدء في الموضوع يجدر بنا أن نسوق المقدمة التالية بادئ ذي بدء أود أن أوضح حقيقة بين يدي القارئ الكريم، حتى يتسنى له أخذ قضية استخدام اللغة العربية وتعريب التدريس والعلوم مأخذها الجاد، فهي ليست بالقضية الثانوية. وذلك لأننا إذا أمعنا النظر في النتائج الحقيقية للبحث العلمي يمكننا أن نقول دون تجن على الحقيقة إن اللغة هي المستفيد الأول من البحث العلمي، حيث إن البحث العلمي ينتج حقائق، وهذه الحقائق تؤدي إلى إثراء اللغة واستخدام اللغة العربية بكلام حقيقي يطابق الواقع، ولذا فإننا نجد أن اللغات الأجنبية التي تهيمن على البحث العلمي تستنزف في الحقيقة أوقات الباحثين العرب وأعمارهم هؤلاء الذين يدلون بعلمهم لرفع شأن اللغة الأجنبية، تاركين لغتهم الأصلية العربية وبالتالي شعوبهم المطحونة دون رواء (1)

وإني لأرجو أن تجيب هذه المقالات عن التساؤلات وتنفي الشبهات، وتوضح الحقيقة الغائبة. 

إن هذه المقالات لم تكتب لأصحاب اللغة والأدب، فهم أدرى بها، ولا للحاقدين على هذه الأمة الشامتين بلغتها، لأنهم أقل من أن يعتد بهم في هذه المقالات، ولكن هذا العمل أريد به أساتذة العلوم، ورواد الإعلام، من الصحافيين والعاملين في التلفاز والفضائيات، وكل من يحيون هذه الأمة ويؤمنون بلغتها العربية ويريدون لها دورًا مبرزًا في خدمة الأمة، والعلم وتطورهما.

هل اللغة العربية عاجزة عن الوفاء بحاجات هذا العصر؟

إن ترديد بعض المقولات يتحول مع الزمن وكثرة التداول إلى شبه حقيقة وقد شاع بين أساتذة العلوم وأساتذة الجامعات، وبعض الإعلاميين أن اللغة العربية تعجز عن تحمل عبء التطورات الحضارية وتدريس العلوم حتى أوشك ذلك أن يكون حقيقة لدى البعض ووقر في بعض النفوس أن التدريس بالعربية على وجه الخصوص، عبء صعب ليس باليسير، بل يوشك أن يكون مستحيلًا، ولهذا الأمر أسبابه التي تستلزم بحثًا قائمًا بذاته يغوص في تاريخ هذه الأمة، ويكشف اللثام عن أصحاب هذه الدعوى، ويوضح العلاقة الماثلة بين هذا الأمر والاستعمار الذي أراد وما زال يريد أن يربط هذه الأمة به، فتظل كالتابع الذليل لا يملك فكاكاً ولا ينطق إلا بما يراد له. هناك بحث تاريخي لشبهة عجز اللغة العربية عن الوفاء بحاجات العصر، وتتبع مسار هذه الشبهة والمروجين لها، عبر الزمان والمكان ولكننا لن نخوض في هذا المسار في هذه المقالات وسيكون له عمل آخر. إن شاء الله.

ولكننا سنعالج الجانب العلمي لهذه القضية والذي من خلاله نستطيع أن نتعرف على مدى قدرة اللغة العربية أو عجزها عن متطلبات العصر، ومن الجانب العلمي نستطيع أن نثبت قدرة اللغة أو عجزها، وسوف نستعرض ذلك الجانب في المقال القادم إن شاء الله.

الهامش

 

(1) من مناقشة مع سعادة الأستاذ الدكتور محمد عبد الفتاح هدارة أستاذ علم التشريح بكلية الطب جامعة الملك سعود

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل