; الإسلام المكافح هل ينقذ الأمة؟ | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام المكافح هل ينقذ الأمة؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

مشاهدات 60

نشر في العدد 1129

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

غريب أن ينبذ الغريق منقذه، ويقطع حبل النجاة غريب أن يريق العليل دواءه الشافى وعقاره المعافى، وأغرب منه أن يترك الطريق ويلقى بنفسه من شاهق، ويترك الشهد ويشرب السموم. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على انتحار أكيد، ويشير إلى هلاك محتم، والسؤال الذي يطرح نفسه، أي شيء زين له هذا؟

وأي قوة دفعته إلى تلك؟

وهذه النكسات تصاحب الأمم في حالات الشرود والوهن وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الأمراض فقال سبحانه: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ (فاطر: 8)

وقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (الكهف:103)

وهناك كثير من الأمم مرت بتلك الفترات العجاف وسارت على نفس الدرب الهالك ﴿َوأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) فصلت: 17) إنه الانحراف والضياع، والتيه، والضلال، والهبوط، والوهن، والفتن، والظلام، وجاء الإسلام من أربعة عشر قرنًا من الزمان؛ فأحق الحق، وأبطل الباطل، وهدى من الضلالة، وأحيا من موات، وطهر من رجس، وأبصر من عماية، وعلم من جهالة، ورفع من خسة، وجمع من شتات، وفتح الله به أذانا صمًا، وقلوبًا غلفًا، وأسمع الآفاق، وطوع الممالك وحطم الأصنام، وأزال الطواغيت، وجعل الناس سواسية، وأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر وأتى بشريعة ما زالت في سمع الزمان و بصره عاشت به البشرية زمنًا ما ذاقت أفضل منه ولا أشهى، وعاش العالم الإسلامي نحو ثلاثة عشر قرنًا ملتزمًا بمبدأ واحد، ومنهج متفرد لا يحتكم إلا إليه، ولا يعول إلا عليه، ولا يستفتي في شئون حياته غيره، ولا يفكر فى حل لمشكلاته إلا على أساسه، وإلا بالاستمداد منه، يتقرب به إلى الله، ويجنى من ورائه كل خير وأمن واستقرار، فكان سر قوته، وينبوع سعادته، وصانع حضارته، ورافع ذكره في العالمين، كل نصر أحرزه، وكل فتح أصابه، وكل خير أدركه، إنما هو الاستمساك به، لم يفكر حاكم من الحكام طوال هذه القرون الأربعة عشر أن يرفض الالتزام بمبدأ الإسلام والاحتكام إلى شرعه، وإن بلغ من الاستبداد والطغيان ما بلغ، لأن الاعتزاز بهذا المنهج وهذا النظام كان جزءًا من مبدأ، ومثلا لعقيدة، يقر في كل فرد مسلم يغالی به ویزدهى ويعلم أنه الحق وما عداه ضلال متمثلًا قول ربه ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ (يونس: 32). 

كان يؤمن أن في إسلامه لكل داء دواء، ولكل معضلة علاجًا، ولكل عقدة حلًا، لا يدانيه علاج آخر يضعه البشر لأنفسهم، أو يستمدونه من أديان منسوخة ومبادئ ضالة، ثم خلف من بعدهم خلف بعدوا عن الإسلام الصحيح فهمًا وتطبيقًا، وفكرًا وسلوكًا؛ فتخلفوا في العلم وجمدوا في التفكير، وركدوا في الفقه والتشريع، وقصروا في التربية والتوجيه، وفسدوا في الحكم والإدارة، وزحف عليهم عدوهم الذي ارتشف منهم، فحفظ وضيعوا، وعمل وبددوا وتفوق عليهم في كل شيء، فبهر أبصارهم، وخلب ألبابهم، وبدأ العدو الزاحف يخطط للاستيلاء على تلك الشعوب وهذه العقول المبهورة، فاستعمرها أرضًا وفكرًا، وربى جيلًا مشبوهًا مشوهًا حرکه بعد رحيله، ووجهه بعد سفره، وكان له العقل المخطط والفكر المنفذ، فأفسد بهم التعليم، ونسف بهم العقائد، وخرب بهم الأسر، وعلمهم الشرود ولم يعطهم الحقيقة، وبث فيهم الأقوال ولم يورثهم الأعمال، وقدم إليهم القشور وحجب عنهم اللباب، ووجههم إلى الثرثرة ومنعهم البحث ودربهم على السفسطة، وأذهلهم عن الاختراع، أوصى إليهم أن الحرية ضياع، ووسوس إليهم أن الإلحاد انطلاق، وأن البذاءة فلسفة والتحلل مدنية والرذيلة فن والجاهلية فلكلور وتراث وثقافة فأصبح التعليم أخلاطًا من السموم، وأنواعًا من العلل، وأصبح الترقي فيه أثقالًا على كواهل الأمم، وإحياءً للمشاكل وحلقة مفرغة، وصرخة في واد.

ولا عجب إذ ترى أن من هذه الأمم من أخذ بأسباب هذا العلم من سبعين عامًا أو يزيد وبلغت فيه ما تظنه الغاية، وهي الآن لا تستطيع أن تصنع عربة للخيول أو مغزلًا تنسج به ما يواري عورتها، أو رصاصة تدافع بها عن نفسها، ونظنها لو لم تتعلم، لفعلت ذلك وربما تفوقت فيه.وقد صرحت المبشرة أنا ميلجان بالهدف من التعليم في بلاد العرب والمسلمين فقالت: إن المدرسة أقوى قوة لجعل الناشئين تحت تأثير التعليم الإلحادي، وهذا التأثير سيستمر حتى يشمل أولئك الذين سيصبحون يومًا ما قادة أوطانهم، ثم تتحدث عن كلية البنات الخاصة بالقاهرة فتقول: في كلية البنات في القاهرة بنات أباؤهن «باشوات وبكوات» وليس ثمة مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي، وليس ثمة طريق إلى دحض الإسلام أقصر من هذه المدرسة» ويقول المبشر جون تكلى يجب أن نشجع إنشاء المدارس وأن نشجع التعليم الغربي، وإن كثيرًا من المسلمين قد زعزعت عقائدهم حينما تعلموا هذا التعليم ولن تمضي فترة حتى يكون الاعتقاد بكتاب شرقي مقدس أمرًا صعبًا للغاية!!.وكلما هبطت التوقعات الاستعمارية وأخفقت في تحقيق النتيجة المرجوة بالسرعة المقررة بفعل الصحوة الإسلامية واليقظة الإيمانية، كلما طار صواب الاستعمار وأعوانه حتى نراهم الحين في كل دولة، يحاربون الحجاب في دور التعليم بدءًا ببعض البلاد الإسلامية التي تأتمر بأمرهم، ومرورًا بالبلاد الأوروبية التي تدعى حرية الأديان، والإسلام يدافع في المعركة وحده هؤلاء وهؤلاء، ويرفع رايته ويحفظ هويته رغم السدود والقيود، وينشر تعاليمه ويربى شبيبته رغم تربص عدوه وسطوته وانهزام بنيه وخيبتهم، مناديًا 

﴿وَقُل لِلَّذينَ لا يُؤمِنونَ اعمَلوا عَلى مَكانَتِكُم إِنّا عامِلونَ وَانتَظِروا إِنّا مُنتَظِرونَ﴾ (هود:121.122)

﴿ وَسَيَعلَمُ الَّذينَ ظَلَموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبونَ﴾ (الشعراء:227)!!..

 

الرابط المختصر :