العنوان بمزيد من الاغتيالات.. جريمة قتل الشيخ الخزنوي تتعرض للطمس
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 09-يوليو-2005
مشاهدات 56
نشر في العدد 1659
نشر في الصفحة 28
السبت 09-يوليو-2005
عملية طمس الجريمة تدل على احتراف من يمارس هذه اللعبة طوال أربعين عامًا داخل سورية وخارجها.
جمعية حقوق الإنسان السورية: السُّلطات لم تنشر أي قوائم بأسماء المفقودين في أحداث الثمانينات رغم مرور 25 عامًا وذلك يتسبب في مزيد من العذاب للعائلات.
ما معنى أن يتعرّض شهود مقتل الشيخ محمد معشوق الخزنوي إلى القتل واحدًا تلو الآخر؟ ما معنى أن ترفض السُّلطات السورية إشراك محققين محايدين من الحقوقيين السوريين أو ممثلي المجتمع المدني، أو أطراف عربية أو دولية لتحقيق الشّفافية المطلوبة في جريمة سياسية يراد تقزيمها وتحويلها إلى جريمةٍ جنائية عادية؟
ومتى كانتْ الرّوح الإنسانية البريئة حتى في الجريمة العادية تهون على المسؤولين والأطراف ذات العلاقة؟ وما معنى اضطراب الرواية الرسمية في الزعم أولًا أنّ الشيخ الخزنوي راح ضحية خلاف مالي «عائلي»، ثم الانتقال إلى الزعم بأن ذلك خروج على الطريقة الصوفية والاشتغال بالسياسة، لكان السياسة حِكْر للحزب الحاكم إلى «الأبد»، يتكفل باستمراره بعض أبناء الأسرة السورية الواحدة ضدّ إخوتهم وأشقائهم؟
آخر مبتكرات القمع
الجدير بالذّكر أنّ آخر مبتكرات القمع الأمني اصطناع عملاء مدنيين «ميليشيات الحزب الحاكم الشبيبة- اتحاد الطلبة- مواطنين مغررين...» أو رجال أمن وشرطة بالبسة مدنية لقمع الحراك الشعبي المدني في شوارع دمشق وحلب والقامشلي وبقية المحافظات السورية، كما قمعتْ اعتصامات المعارضة في ساحة يوسف العظمة بدمشق أكثر من مرة هذا العام، وساحة عرنوس ٢٠٠٤/٦/١٢م وأمام البرلمان في دمشق ٢٠٠٤/١٢/٩م، وتظاهرات طلاب كلية الهندسة في حلب ۲۰۰٤/٥/٢٤م، وتظاهرات الإخوة الأكراد في مدينة القامشلي في مارس ٢٠٠٤م وما بعده مرات، إنّها إعادة إنتاج الحرب الأهلية في سورية، سواء بسواء بالفوضى الأمريكية الخلاقة في الشرق الأوسط.
للعلم فإنّ الدكتور الشيخ محمد معشوق الخزنوي مولود في قرية «تل معروف» في منطقة القامشلي القريبة من الحدود السورية العراقية التركية، والمسافة بين القرية والقامشلي ٣٥ كم، هي نفس المسافة بين القامشلي والحدود التركيّة، وتبعد عن الحدود العراقية ٥٥كم.
و«تل معروف» هي مكان انطلاق الطريقة الخزنوية النقشبندية، وهي إحدى الطرق الصوفية المعروفة المنتشرة بقوة في بلاد المشرق العربي ومصر وتركيا، لكن الشيخ- رحمه الله- لم يلتزم بالطريقة الصوفية، وكان من أعلام الفكر الإسلاميّ على النهج السلفي.
كان له حضور فاعل في عدد من المنابر المحلية والإقليمية والعالمية، وهو في الوقت نفسه من الشخصيات الإسلامية القليلة المهتمة بالشأن السوري العام، ينتقد السياسة السورية تجاه حقوق الأكراد السوريين، يضاف إلى ذلك أنه قبل اختطافه بقليل في ٢٠٠٥/٥/١٠م من وسط العاصمة دمشق.. عاد من جولة أوروبية، حيث التقى في شباط «فبراير» الجاليات الكردية والسورية، كما التقى المراقب العام الجماعة الإخوان المسلمين في سورية علي صدر الدين البيانوني، واتّفق معه على إصدار بیان باسم الجماعة، يوضح فيه موقف الجماعة مفصلًا في حل المسألة الكردية السورية واستجاب لطلبه.
اكتشاف جثته
وبعد مضيْ عشرين يومًا على اختطافه تعلن السلطات السورية عن اكتشاف جثته مقتولًا خنقًا في مقبرة بمدينة دير الزور وحين سلمت جثته لذويه رفضوا تسلمها ما لم تعرض على طبيب شرعي للاشتباه بأنّ اختطافه ومقتله الغامضين ينطويان على بعد سياسي، كما أفاد ابنه مراد، وكما تذهب إليه مؤسسات حقوق الإنسان السورية والدولية، والمجتمع المدني التي دأبت منذ ساعات اختطافه الأولى، على التّنديد بالسُّلطان الرسمية، محملة إيّاها مسؤولية الاختطاف، لأنّها مكلفة بحماية المواطنين جميعًا، ولأنّها دولة أمنية لها تاريخ عريق في حرفة الاغتيال السياسي داخل القطر وخارجه، وقد ذكرتْ «منظمة العفو الدولية» أنّ الشيخ الخزنوي «سادس كردي يقضي في السجن بسبب التعذيب، أو سوء المعاملة منذ مارس ٢٠٠٤م» وقد قال «نيل ساموندر» الباحث في الشؤون السورية في منظمة العفو الدولية: «ينبغي على السلطات السورية أن تباشر تحقيقًا فوريًا، ومستقلًا في وفاة الشيخ محمد معشوق الخزنوي في الحجز» وأضافَ أنّ «النتائج يجب أن تنشر على الملأ، وأنّ المسؤولين عن تعذيب يجب أن يُقدموا إلى العدالة».
وبسبب اختطاف الشّهيد الخزنوي خرجت أكثر من مظاهرة شعبية بعشرات الآلاف في مدينة القامشلي مسقط رأس الشيخ إيام اختطافه، ثم يوم تشييع جثته في ٢٠٠٥/٦/٥، وصدرتْ بيانات الأحزاب السورية المعارضة، ولاسِيما أحزاب الإخوة الأكراد - وفاعليات المجتمع المدني السوري، كلها تطالب بتشكيل لجنة تحقيق محايدة مستقلة تتمتع بشفافية كاملة لكشف الجناة الحقيقيين، وإنهاء ملف الاغتيالات السياسية والاختطافات الغامضة، التي طالت عددًا من المعارضين السوريين، قبل اختطاف الشيخ الخزنوي وبعده، من بيوتهم أو من المطار أو من الشوارع، مثل اختطاف نزار رستناوي في ٢٠٠٤/٤/٨م النّاشط في حقوق الإنسان- الذي لم تعترف السلطات باعتقاله في مدينة «حماة إلا حين عثر على سيارته على باب أحد الأجهزة الأمنية، واختطاف المحامي محمد رعدون «رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سورية» في ٢٠٠٥/٥/٢٢م.
وفي تقريرٍ لمنظمة حقوقية دولية ذكرتْ اثنتين وعشرين حالة اختفاء قَسْرِي في سورية موثَّقةً بالأسماء والوقائع، نموذجًا لهذا النّهج الهمجي، وعلَّقت على ذلك بالقول: «تأخذ ظاهرة الاختفاء القسري في سورية شكل الانتهاك المنظم والمستمر، مما يجعلها- وفقًا لإعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري- جريمة ضد الإنسان السوري، يحميها إعلان حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية، ويشجعها حلول الأجهزة الأمنية محل الأجهزة القضائية في المحاسبة، وتجاهل القوانين الوطنية، وعدم الأَخْذ بالمواثيق الدولية، خاصة تلك التي صادقت عليها سورية وأصبحت جزءًا من قانونها الوطني» «موقع الرأي- حزيران».
أمّا مجموع أعداد المفقودين في سجون الرَّأي الذين يعدون بالآلاف فقد أشارتْ إلى مشكلتهم «جمعية حقوق الإنسان في سورية» في تقريرها عن عام ٢٠٠٤م فقالتْ: «إنّ السُّلطات لم تقُمْ حتى تاريخه بنشر أي قوائم تلقي الضوء على أسماء المفقودين بسبب أحداث الثمانينات وما تلاها- علماً بأنّ عدم نشر مثل هذه القوائم- بعد مرور حوالي ٢٥ عامًا - قد يسبب إشكالات وعذابات، إضافةً إلى فقدان المعنى، مثل عدم إمكان التصرف بالإرث للورثة الشرعيين، وعدم معرفة الزوجة بوصفها أهي أرملة أم ما تزال زوجة، فضلًا عن العذاب النفسي لعدم معرفة مصير المفقود» «التقرير - ص ٣».
ربع مليون كردي
فاختطاف الشيخ معشوق الخزنوي حلقة من سلسلة، أولها في قمة جبل «قاسيون» ونهايتها في مدينة القامشلي، ولا أدل على ذلك من حرمان ربع مليون مواطن كردي من حق المواطنة والجنسية طوال أربعين عامًا، ومن قمع حركاتهم المطلبية السِّلمية العادلة بالحديد والنار وبالمواعيد العرقوبية.
وإليكم آخر وقائع الطَّمْس المنظم لجريمة اغتيال الشيخ الخزنوي التي تدلّ على احتراف من مارس هذه «اللعبة» طوال أربعين عامًا داخل سورية وخارجها- فقد أفادت مصادر «إيلاف» يوم ٢٠٠٥/٦/٢٠م بأنّ سعيد هديلة- وهو أحد المتهمين الخمسة باغتيال الشيخ الكردي محمد معشوق الخزنوي نائب رئيس مركز الدراسات الإسلامية بدمشق- وجد مقتولًا بحادث سيارة مجهولة في مدينة حلب الشمالية دون أن تعرف هوية قاتله، واعتبرت المصادر أن هناك جهات تريد إخفاء الحقيقة عن الرأي العام من خلال التصفيات المتكررة للمجموعة التي ألقت قوات الأمن القبض على إثنين منها.. إلى ذلك وجدت عائلة مدير أعمال الشيخ محمد الخزنوي الشقيق الأكبر لمعشوق الخزنوي قبره فارغًا، ولم تعثر فيه على أي جثة حيث كان من المفترض نقل جثمانه إلى دير الزور، حيث مسقط رأسه، وأعلن عن موت مدير أعمال محمد الخزنوي بعد حوالي عشرة أيّام من اختطاف معشوق الخزنوي، وتردد أنّه قتل تحت عجلات قطار، إلا أنّ شهود عيان رجحوا أنّ الذي دهسه القطار كان مقتولًا بطلق ناري قبل إلقاء جثته هناك، ووجدت معه بطاقة شخصية باسم محمد خلف الواوي، وكان بحوزته ۱۱ ألف ليرة سورية «مرآة سورية اليوم ٢٠٠٥/٦/٢٠».
الجدير بالذكر أنّ «اللجنة العربية لحقوق الإنسان- باريس» سبق لها أن حذرتْ من عملية طمس تتعرض لها قضية اغتيال الشيخ الخزنوي، فقالتْ: «وقد طلب عدد من ذوي المتهمين مباشرة تدخل اللجنة العربية لحماية المتهمين من مسرحية محاكمة سريعة تنتهي بإعدامهم لإخفاء الحقيقة!!».
إنها جريمة قتل سياسيّة منظمة تضاف إلى سجل انتهاك حقوق الإنسان السوري، فمن سيطوي هذا السجل وإلى الأبد؟
مع شُكرِنا لمنظمات حقوق الإنسان السّوري والعربية والدولية، فإنّنا مع المواطن السوري نقول بالنتيجة:
«ما حك جلدك مثل ظفرك
فتول أنت جميع أمرك».