العنوان سؤال تفرضه الأحداث.. ماذا لو تمكن الاحتلال من تصفية قيادة حماس؟
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003
مشاهدات 70
نشر في العدد 1569
نشر في الصفحة 20
السبت 20-سبتمبر-2003
مرت بحماس فترات عصيبة وتقلبات سياسية وأمنية ودخل قادتها المعتقلات واستشهد بعضهم ورغم ذلك استمرت في التقدم والنجاح
هذا السؤال يطرح نفسه بقوة هذه الأيام في ظل حرب الاغتيالات التي يشنها الاحتلال ضد القيادة السياسية لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» والتي طالت جميع الشخصيات القيادية في الحركة وكان آخرها محاولة اغتيال د. محمود الزهار الذي نجا بعد عملية قصف منزله وتدميره بالكامل، وبهذا يصبح الزهار القيادي الثالث الذي ينجو من الاغتيال خلال أسبوع، حيث فشلت محاولة اغتيال زعيم ومؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين والقيادي إسماعيل هيئة فيما نجح الاحتلال باغتيال إسماعيل أبو شنب، ود إبراهيم المقادمة، والقائد صلاح شحادة رحمهم الله وتقبلهم في الشهداء.
وأمام هذه المعطيات يمكن تخيل السيناريو الأسوأ فيما لو نجحت جميع عمليات الاغتيال وفقدت الحركة قيادتها، وعليه يقفز العديد من التساؤلات إلى الساحة: إلى أي مدى يمكن أن تتأثر الحركة في حال غابت قيادتها السياسية والرمزية؟ وهل يعني ذلك شل الحركة السنوات؟ وإلى أي مدى استعدت الحركة لأسوأ الاحتمالات، بناء على التجارب السابقة.
جذور حماس: عند البحث عن إجابة للتساؤلات السابقة ينبغي التطرق إلى تركيبة وجذور حركة حماس بالإشارة إلى البعد الإسلامي والحركي لها كونها امتدادًا لحركة الإخوان المسلمين في فلسطين، الأمر الذي يعني أن هناك جماعة في أكثر من قطر تضع على رأس أولوياتها القضية الفلسطينية إلى جانب الامتداد الخارجي لحماس من خلال مكتبها السياسي وقيادات الشتات أمثال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي، ود. موسى أبو مرزوق، وأسامة حمدان ممثل الحركة في لبنان، ومحمد نزال عضو المكتب السياسي، وعماد العلمي ممثل الحركة في طهران سابقًا إلى جانب العديد من القيادات السياسية الأخرى.
ويقوم المكتب السياسي للحركة في الخارج بدور موازٍ لمجلس شورى الحركة «القيادة السياسيةً والتاريخية في قطاع غزة» وعليه يبدو واضحًا أن هناك بدائل قيادية للحركة في حال غابت قيادة الحركة في غزة.
الهيكلية والتنظيم
من ناحية أخرى حرصت حماس طوال الأعوام الماضية على تنفيذ سياسة الحركة المتمثلة في فصل الجناح العسكري للحركة عن باقي الأطر التنظيمية، الأمر الذي جعل للجناح قيادة عسكرية مستقلة تستطيع ممارسة العمل وإصدار القرارات في حال انقطعت عن القيادة السياسية، وهو ما تم بالفعل على مدار تاريخ الحركة حيث تواصل العمل العسكري في ظل غياب القيادة السياسية في سجون الاحتلال أو الإبعاد. والتطور الأخير الذي ظهر خلال انتفاضة الأقصى هو تشكيل جهاز المقاومة الشعبية وهو جناح عسكري مسلح يشكل رافدًا أساسيًّا للقوة الضاربة للحركة. وربما يكون هذا الجهاز مرشحًا أيضا للاستقلال التنظيمي في عمله فيما إذا تواصلت حرب الاغتيالات.
أما جهاز العمل الجماهيري والإعلامي وبرغم ما قد يصيبه من ضعف في حال ضُربت قيادة الحركة إلا أنه يمكن إعادة توجيهه وتفعيله بسهولة في حال خرجت قيادة جديدة لأنه لا يحتاج لإمكانات وإعداد كبير.
ويبقى جهاز الدعوة في حماس الإطار الأوسع الذي يشكل الرافد الرئيس للحركة ومنه تخرج الصفوف القيادية التي يمكنها أن تقود الحركة رغم ما قد يلم بها من ضربات.
من ضربة ٨٩ إلى الإبعاد
هناك مرحلتان مرت بهما حماس، تعرضت خلالهما القيادة لضربات أشبه بما تواجهه اليوم في حرب الاغتيالات التي تتعرض لها:
المرحلة الأولى: كانت في عام ١٩٨٩ عندما تعرضت الحركة «وهي فتية» لأولى الضربات القاسية وخلالها تم اعتقال كل قيادات حماس وعلى رأسها الشيخ أحمد ياسين والهيئة التأسيسية الأولى للحركة أمثال الشيخ صلاح شحادة، ود عبد العزيز الرنتيسي، ود. إبراهيم المقادمة، وباقي القيادة التأسيسية والسياسية للحركة.
في تلك الأيام فوجئت القيادات والكوادر داخل المعتقل بصدور البيان الشهري لحماس والذي كان يعني صمود الحركة وتسلم قيادة جديدة زمام الأمور خلال أسابيع بجدارة أيضًا.
المرحلة الثانية: عندما قرر الاحتلال عام ۱۹۹۲ إبعاد ٤١٥ من قيادات الحركة السياسية -الصف الأول -وكوادر من مختلف الأجهزة والصفوف القيادية إلى مرج الزهور في جنوب لبنان في حين كانت بقية القيادة لاتزال تقبع في سجون الاحتلال، ورغم ذلك شكلت حادثة الإبعاد نقطة تحول في انتشار الحركة ونشر فكرها وأصبحت لاعبًا رئيسًا على الساحة السياسية الفلسطينية رغم ما عانته نتيجة لهذه الضربة وغياب القيادة السياسية خلال عامين عن أرض المعركة في فلسطين.
وبالإضافة إلى هاتين المرحلتين فإنه لم تكن يومًا قيادات حماس جميعها مجتمعة خارج الأسر إلا بعد إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين وعليه فقد مرت بالحركة فترات عصيبة وتقلبات سياسية وأمنية ورغم ذلك استمرت في التقدم والنجاح.
كما أن تجربة حماس في الضفة الغربية كانت قاسية خلال انتفاضة الأقصى، ورغم أن حجم الضربات كان مؤلمًا لها وتمثل في اعتقالات بالمئات للحركة واغتيال لأبرز الخبراء العسكريين والقادة السياسيين إلا أن الحركة بقيت الأبرز في عمليات التفجير الاستشهادية التي تميزت بها، ولعل ذلك يعود لأسباب أهمها:
1- بنية الحركة التنظيمية المرنة المتوسعة بعد الضربات - وليس العكس كما قد يتوقع البعض- نتيجة ازدياد تعاطف الشارع الفلسطيني معها وتقدير مواقفها وخاصة اعتقال كوادرها.
2- انضمام العديد من أبناء التنظيمات الأخرى المدربين عسكريًّا إلى جهاز الحركة العسكري وترك تنظيماتهم العلمانية أو اليسارية.
3- انتشار الخبرة العسكرية بين أبناء الحركة والاستفادة من القدرات الذاتية وتعزيزها بالتجارب الخارجية وتوظيف تقنيات الاتصال الحديثة.
4- التعلم من أخطاء سابقة من اقتصار العمل على المطاردين المعروفين، وتوريث خبرات الحركة إلى أجيال أصغر وغير معلنة.
5- بقاء جنوب الضفة الغربية معافى من الضربات وتأكد حضوره وفاعليته اليوم بعد إثخان الشمال، وسواء أكان هذا نتاج تقسيم تنظيمي أو تبادل عفوي فإن النتائج أبقت الحركة متمتعة بريادة العمل العسكري.
غزة.. المفاعل التنظيمي
ويبدو واضحًا أن تركيز الهجمة على قيادة حماس في قطاع غزة جاء بعد التأكد من أن مركز العمليات والقيادة السياسية للحركة يتركز في القطاع بعد حملة السور الواقي في الضفة الغربية حيث بقيت قيادة الحركة في غزة تشكل المفاعل التنظيمي الذي يعيد وصل وتفعيل الخلايا في الضفة الغربية ولذلك أكد شارون وكذلك كل أركان جيشه أن الحملة العسكرية على غزة تستهدف بشكل خاص حركة حماس وقيادتها.
وتدعي الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن قيادة حماس في غزة تقوم بدور في توجيه عمليات المقاومة في الضفة الغربية، وهم يرون أن كل ضربة لحماس في غزة ستؤثر بشكل سلبي على «حماس» في الضفة الغربية وعملياتها العسكرية. وفي الوقت نفسه يرون أن «حماس» قطاع غزة تنفرد من بين جميع فصائل المقاومة بقصف التجمعات السكانية اليهودية داخل الأرض المحتلة عام ١٩٤٨م وفي المستوطنات بصواريخ «القسام» وقذائف «الهاون»؛ الأمر الذي يشكل تهديدًا إستراتيجيا يطال دائرة كبيرة من المستوطنات اليهودية.
والصهاينة يرون أيضًا أن الحملة العسكرية على قطاع غزة من شأنها أن تسهم في القضاء على البنية التحتية للتسليح والإنتاج الوسائل القتالية التي تنفرد حماس باستخدامها.
وكما يرى وزير الثقافة الجنرال المتقاعد «متان فلنائي» فإن ضرب حماس في غزة يحدّ من قدرة حماس على السيطرة على الشارع، ويساهم أيضًا في تهيئة الظروف أمام تسليم مقاليد الأمور القيادة فلسطينية بديلة.
أما في حماس فيرون أن ما يفكر به الصهاينة مجرد وهم، وعن ذلك يقول إسماعيل هنية القيادي في حماس: «هذا وهم؛ لأن حماس لیست تنظيمًا وليست قيادات، فإذا اغتيل الشيخ أحمد ياسين فسيخرج مائة أحمد ياسين، وإذا اغتيل قيادي فسيخرج بدلًا منه ألف، حماس حقا حماس إرادة، حماس قضية، حماس إرث، وحماس في كل بيت وفي كل زقاق وفي كل شارع؛ ولذلك واهم من يتصور أن النيل من قيادات حماس يعني النيل من هذه الحركة».
وحول التوجه للعمل السري يرى د. محمود الزهار القيادي السياسي في الحركة أن منظمة حماس سرية، وقال: «يجب ألا نعطي فرصة للنيل من أحد لأن أي خسارة هي خسارة للشارع الفلسطيني، وحماس ممتلئة بالقيادات وتستطيع تكوين قيادة حكيمة وفاعلة بسرعة فائقة».
وكان د. عبد العزيز الرنتيسي أحد أبرز قيادات حركة حماس قد أشار إلى أن الحركة جاهزة لأن تتسلم قيادة سرية زمام الأمور في حال تم تصفية عدد من قياداتها.
التصفية لن تقضي على الحركة
من ناحية أخرى استبعد باحث وأكاديمي فلسطيني أن ينجح الاحتلال في القضاء على حماس ونشاطاتها المختلفة من خلال تصفية قادتها السياسيين، مؤكدًا في الوقت ذاته أن الاحتلال سيكون الخاسر الأكبر في حال تولت قيادة سرية زمام الأمور في الحركة.
ويشير الدكتور عاطف عدوان أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية بغزة إلى أنه مهما بلغت قوة الضربة التي يمكن أن تتعرض لها «حماس» الآن فلن تكون بمستوى الضربات التي تعرضت لها على مدار تاريخها بالأخص في عهد الاحتلال المباشر لغزة.
وقال عدوان «إن حماس منظمة تستند إلى عقيدة معينة، وبالتالي فلن تنتهي لأنها عقيدة الإسلام والقرآن، فكل إنسان لديه هذه العقيدة لا ينتظر أن يكون لديه قائد أو مسؤول يطلب منه القيام بعمل ما، وفي هذه الحالة فإن القيادة تعتبر ذاتية. عندها آلية للعمل وتتحرك بشكل تلقائي لإنتاج قيادة من داخل الغيورين في الحركة وهم كثر».
ويضيف «هذه القيادة التي يهددون باغتيالها وتصفيتها أتصور أنها يمكن أن تكون حلقة في حلقات القيادات التي يمكن أن تأتي، والتي ربما تكون أكثر فاعلية وأكثر نجاحًا في مواجهة الأوضاع الراهنة»
ويشير الباحث في شؤون حركة «حماس» إلى أن القيادة السياسية للحركة الموجودة حاليًا، كانت في مرحلة من المراحل في المعتقل وفي الإبعاد في «مرج الزهور» وكانت «حماس» آنذاك فعالة بشكل قوي، وقال «إذا لم تحسب الدولة العبرية وأجهزتها الأمنية مثل هذه الحسابات أتصور أن رؤيتهم ستكون ضعيفة، لأن تسلم قيادة سرية لحماس سيعقد الأمور أكثر بالنسبة للدولة العبرية، لأنه ستأتي قيادة كل همها الانتقام للقيادة السياسية التي ذهبت وسيكون عليها واجب أخلاقي لأن الشعب الفلسطيني لن يقبل بقيادة هزيلة لحركة كبيرة كحماس وستضاعف جهودها كثيرًا للوصول إلى قلب الدولة العبرية».
وأكد أنه لا يمكن لحركة حماس أن تعمل دون قيادة سياسية، بالأخص في ظل القاعدة
العريضة للحركة، وقال «إن القيادة السياسية نظل ضرورة لأي تنظيم حتى وإن كانت هذه القيادة لها صبغة عسكرية، حيث لابد أن يكون لهذا الجسم الكبير رأس يقوده، والآن رأس حماس سياسي لا علاقة له بالعمل العسكري، لكن نتصور غدًا لو تحولت هذه القيادة إلى مجموعة من العسكريين فستجد «إسرائيل» صعوبة في أن تكسرهم لأنهم لا يستطيعون أن يتفاهموا إلا من خلال البندقية أو العمل العسكري».
ووصف عدوان المرحلة القادمة بأنها ستكون «مرحلة كسر العظم»، معربًا عن اعتقاده أن الاحتلال سيكون خاسرًا على كل الجبهات.
واعتبر ما يقوم به الكيان الصهيوني من نشر صور قادة «حماس» على أوراق اللعب للتصفية بأنه ينصب في إطار الحرب الإعلامية والنفسية، مشيرًا إلى أن هذه القيادات لن تكون لقمة سائغة بالأخص بعد أخذ الاحتياطات الأمنية اللازمة لها بعد اغتيال أبو شنب، إلى جانب أن القيادة السياسية للحركة في الخارج ستأخذ دورها.
وحول رؤيته للتدخل الأمريكي في الحرب ضد «حماس» قال الأكاديمي الفلسطيني إن الرئيس بوش يضع نفسه في المجريات اليومية في أزمة من أكبر وأطول الأزمات وأعمقها في الصراع العربي «الإسرائيلي»، وبمثل هذا التدخل الفج يؤكد أن سلوكه يصب في خانة أحد المسؤولين الإسرائيليين وليس أحد المسؤولين الأمريكان فنحن نعرف أن بوش هو رئيس الولايات المتحدة وليس رئيس وزراء إسرائيل».
وأضاف «إن الخطوة التي يقوم بها تقع في إطار الحرب النفسية التي تقوم بها أمريكا في إطار ما تسميه الحرب على الإرهاب» حيث يعتبر أن «حماس» منظمة إرهابية، وهي امتداد لضرب المقاومة في العراق وفي الوقت نفسه هي جزء من حرب إسرائيل ضد المقاومة الفلسطينية»
ومن خلال هذا العرض لا يبدو أن هناك دلائل على أن حملة «الاجتثاث الجذري» التي تستهدف بها قوات الاحتلال «حماس» قد وصلت إلى نهايتها، وقد لا تصل إلى نهايتها مطلقًا في حال ما إذا ظلت حكومة الاحتلال متمسكة بهدف القضاء على «حماس» قضاء مبرمًا.. فلن تتمكن من ذلك أبدًا إن شاء الله.