العنوان أدب: المجتمع (418)
الكاتب محمد هدى قاطرجي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1978
مشاهدات 73
نشر في العدد 418
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 31-أكتوبر-1978
مع الأديب الإسلامي
محمد ماجد عِتر ومجموعته القصصية:
- الرجل الذي يسير على حدود الأشياء..
والأديب الذي سنتحدث عنه ونحاور مجموعته القصصية واحد من أدباء قلائل اتخذت المادة الأدبية الواحدة في فنه أشكالًا عدة، ولعل من يدرس النتاج الفني لماجد عتر سيقف على تداخل العناصر الفنية وتمازج أشكالها المختلفة في العمل الأدبي الواحد، ولعل بداياته كأديب مسرحي تجعل سمات الفن المسرحي لا تنفك عن أعماله الأدبية، سواء أكانت شعرًا أم قصة أم أقصوصة، وإذا كان الأديب محمد ماجد ينفي أن ينقل الإحساس أو المعنى الواحد عن طريق أي من الأنواع الأدبية، فإن نقل الإحساس أو المعنى الواحد يمكن أن يحصل عن طريق أي من أنواع الأدب وأشكاله، ما دام وجدانه الفني اعتاد التعامل معها، ولعلي لا أجانب الصواب إن ضربت بالأستاذ محمد ماجد عتر مثلًا لذلك. وهو الذي استطاع أن ينقل المواقف الشعرية ذات الانفعالات الخاصة إلى مجموعته القصصية التي سنحاول محاورتها بعد هنيهة، وقبل أن ننتقل إلى الرجل الذي يسير على حدود الأشياء يجمل بنا أن نذكر بعض أعمال الأستاذ محمد ماجد.
لقد بدأ أديبنا حياته الفنية مسرحيًّا إسلاميًّا ملتزمًا، أنتج عدة مسرحيات ذات فصول عديدة، أبرزها: تيمورلنك، والشيطان والكاتب، وهما مسرحيتان رمزيتان التزم فيهما قضايا أمته المسلمة، وصراعاتها مع المتناقضات الداخلية التي تعيش أزماتها كل يوم مع الحاكم ومع رجال السلطة، ومع المنافقين والوصوليين وأصحاب المبادئ الانتهازية، ولعل هاتين المسرحيتين صقلتا وجدان أديبنا برمزية تلقائية محببة، امتدت سماتها فيما بعد إلى أشكاله الأدبية الأخرى، وللأستاذ محمد ماجد ملحمة شعرية مطولة، وقصائد شعرية حلوة رشيقة لم ترَ أسنان المطبعة بعد.
والمجموعة القصصية- الرجل الذي يسير على حدود الأشياء- هي المجموعة الأولى للأستاذ العتر، ضمت بين جناحيها سبع أقاصيص، استمد موضوعاتها من الواقع الذي يعيش فيه، وسكب عليها من وجدانه الشاعر خصبًا وثراء، أما الالتزام فلعل عنوانات الأقاصيص تبوح به، وأقاصيصه هي – العملية – مصرع رامي رشاش- شبح قارع الطبول- الرجل الذي يسير على حدود الأشياء- الإعدام- الطائر الفضي- النار والهشيم-. والطريف أن القاص قدم لمجموعته بتقدمة موجزة لم تتجاوز خمس صفحات ضمَّنها بعض رؤاه النقدية الجديرة بالبحث، وقد كشف بذلك عن أصالته الفنية التي ترتكز على نضج وثقافة واسعين.
أما المسألة الفنية الجديدة في أقاصيص المجموعة، فهو البروز الشاعري المنفعل فيها جميعًا، الذي جعل الكاتب يخرج على دنيا الأدب الإسلامي بنموذج جديد للقصة القصيرة، ذلك هو الذي يمكن أن نسميه: القصة القصيرة، كما كان يتردد على لسان الكاتب نفسه ومنشئ هذا النموذج الفني.
أما أقصوصته: الرجل الذي يسير على حدود الأشياء، والتي أطلق اسمها على المجموعة كلها، فهي تصوير للمجتمع الضائع وسط متناقضات العصر، ذلك المجتمع الذي لا يمكن أن تسطع في سمائه بارقة من أمل؛ بسبب الإرهاب السلطوي والحجر الفكري الذي تمارسه السلطة، الأمر الذي جعل بطل قصته هذه كتلة من الصراعات، إنه يتساءل بينه وبين نفسه: أهذه حياه تطاق؟ ويأتي الجواب دائمًا بالإيهام والغموض والتشويش، ليشعره بالوحشة والوحدة وقتامة الواقع البشع، التي كانت تنعكس على وجهه قبحًا وإظلامًا كلما فكر فيه، وقد حالف النجاح الكاتب عندما حاول تصوير الحجر الفكري الذي تمارسه السلطات الثورية في البلدان العربية، فبطله يريد أن يغير من واقعه الأسود التعيس بالكتابة للصحف والمجلات، ولكنه كان يشعر بالعجز دائمًا، لأنه لا يستطيع أن يقول كل شيء، فحرمات السلطة قد امتدت بشكل عجيب، وتسربت کأیدی أخطبوط بشع إلى مناطق كثيرة، كان يشعر معها بالضيق والحصار، فلا يتاح له التجول إلا في رقعة صغيرة فقيرة، لا يستطيع تجاوزها هو أو غيره، لِما ضرب حولها من أسوار، وأقيم من أشواك، ويصور الكاتب رغبة بطله الجامحة إلى هذا التغيير، بيد أن أسوار السلطات ومسلاته الحديدية كانت أقوى منه، لذلك فليس له إلا أن يكبت جموحه، ويتمسك بشيء سماه الاعتدال؛ فبدأ يسير على حدود هذه الجدران والأسوار دون أن يتجاوزها، ويسهب الشاعر في وصف الصراع بين البطل وواقعه بأسلوب رمزي نابع من وجدان الأقصوصة نفسها، فالأب الذي حاول الاعتدال وبدأ يسير على حدود الأشياء وفق منهجه الجديد، أراد أن يعلم ابنه طريقته تلك- السير على حدود الأشياء- وتلقى الصغير.. فبدأ يجلس على حافة الكرسي.. ويستند إلى حافة الطاولة.. ويسير على حافة سياج الدرج. إن مرارة الواقع ومحاولة الانفلات منه جعلت الأب ينقل خبرته إلى ولده، إلا أن ذلك كان يجيء في نهاية الأمر كارثة للرجل، حيث قدم ولده فريسة الاعتدال، فحدود الأشياء لا يمكن أن تؤدي إلى النهاية بسلامة واطمئنان، فالولد الذي تعلم السير عليها، لم يجد ما يحميه عندما امتدت إليه يد أخطبوطية كالحة، وضربته- بينما كان على شرفة العمارة وفي الطابق السادس- وعندما سقط الولد من الشرفة لم تتلقَّه يد لينة، وإنما تلقاه حرف الرصيف في الشارع ليفلق رأسه فلقين مرعبين مرة واحدة، وهنا يعلن الكاتب يأسه من المجتمع الذي أفقره التناقض، وذلك على لسان بطله الذي ساءل نفسه في ختام الأقصوصة: هل كؤوس الماء القليلة التي أريقها كل أسبوع كافية لأن تجعل هذه الصحراء الجرداء جنة خضراء وارفة الظلال؟
وفي أقصوصة الإعدام يعرض الكاتب للنهاية المأساوية التي تعرض لها شبابنا المسلم وهم في سجون العدو ورهن التحقيقات والمعتقلات. إن النهاية هي الموت والإعدام لكل من لم يكن عبدًا ناطقًا بما يريده السجان "الإسرائيلي" الحاقد على هذه الأمة، ويصور الكاتب في أقصوصته الوحشية واللاإنسانية التي يتصف بها اليهود، أولئك الذين لا يألون جهدًا أو ينسون آلة في تعذيبهم المضني الذي يؤدي بالسجين إلى حد الهستيريا والجنون، ولكن الشيء الهام الذي صوره الكاتب ضمن أقصوصته هذه صراع الانتماءات المختلفة بين الشباب العربي نفسه، والمشاكل الاجتماعية الناتجة عن المشكل السياسي وتعدد الحزبيات الثورية، وغيرها مما استورده الحكام المتعاقبون على سلطان هذه الأمة البائسة، وهذا موضوع طريف وجديد يلمس واقعه كل من يعيش في مجتمعات الشباب في هذا العصر، ويسحب الكاتب على عباراته مسحة من الرمزية الشفافة التي توصل المعاني المقصودة إلى القارئ دونما جهد أو عناء، وإذا كان المفهوم الإسلامي الذي يدفع بالشاب المسلم إلى مقارعة العدو وقتاله هو النصر أو الشهادة، فإن بطل هذه الأقصوصة يقدم روحه رخيصة وهو يصعد على منصة الإعدام، لأنه رأی بعد طول صراع أن الخضوع لمطالب العدو داخل السجن سيؤدي إلى كارثة تشمل الكثير من المجاهدين وإذا تأخر عليه النصر فلا بأس من الشهادة، وعلى منصة الإعدام، تنفتح عينا الباطل.
أما أقصوصة الطائر الفضي فهي دفقة وجدانية منفعلة تستعرض صورة طيار أقسم على الجهاد والشهادة في سبيل الله، وأبرّ قسمه وسط رؤوس الخيانات الهاربة من ساحة المعركة، وبطل القصيدة محمد عادل نقيب طيار خرج في مهمة عسكرية مع ثلاثة من الطيارين ليذهب بلا مقابل، ذلك أن سلطات بلده لم تهتم بمحاربة العدو قدر اهتمامها بالخلاص من المجاهدين الصادقين، ويصور الكاتب شخصية بطله الثانية أمام مراوغة العدو، مبينًا أن العقيدة الإسلامية أقوى وأثبت من غربان العدو، فالشهيد كان يردد دائمًا: وما ضر لو كنت شهيدًا؟ وكان والداه يسمعان هذه العبارة القوية منه دائمًا، ومع ذلك فإنه بعدما استشهد خرج الطيران الصديق يبحث عن الطائر المفقود، لقد بحث في كل مكان إلا المكان المناسب.. لقد مات الطيار مهملًا، مات دون أن يرى ابتسامة رقيقة ولا يدًا ودودة، مات لم يضمد له جرح، ولم تمر على وجهه السمح كف حنونة، وهذا حال المقاتلين المخلصين من أبناء الأمة. لقد نجح الأستاذ محمد ماجد عتر باختيار الشخصيات لأحداث قصصه، وجعلها تتحرك بالأسلوب الذي مكن لفنه أن يبدع القصة القصيرة بين دفتي مجموعته: الرجل الذي يسير على حدود الأشياء.
وهذا الأسلوب الجديد يعود إلى سيكولوجية فنية خاصة تميز بها الأستاذ محمد ماجد، تلك التي مكنته من المزج الفني بين عناصر الأشكال الأدبية المختلفة، ولعل قارئ مجموعته القصصية هذه سيقف على انفعال الكاتب في مواضيعه انفعالًا وجدانيًّا جعله يعبر عن أحداثها بتعبير الشعر وانفعاله ضمن الإطار الفني الخاص بالأقصوصة الحديثة، وسيقف أيضًا على طبيعة القصة القصيرة. ضمن اتجاهين خاصين بالانفعال والمعاناة: الأول: توسع الكاتب في مظاهر الصورة المعبرة عن إحساسه الشعري الملحاح، الذي لا يتأتى التعبير عنه إلا من خلال وقفة شعرية انفعالية، حتى تكون تلك الصورة كالقصة، والثاني: تشديد الكاتب على إحساسه وانفعاله حتى تكون الصورة المنبثقة عن إحساسه كالقصيدة، وتبرز هذه الطبيعة الفنية للقصة القصيرة بشكل جلي وواضح في جميع أقاصيص المجموعة، والتي كانت أولاها في الكتابة أقصوصة: شبح قارع الطبول، تلك التي كانت تحمل وجدانًا شاعريًّا فياضًا لعبت بلب الشاعر الإسلامي عبد الله عيسى السلامة، فاقتبس فكرتها في قصيدته الشبح المثبتة في ديوانه: الظل والحرور .
أما الموضوعات التي عالجتها أقاصيص المجموعة، فجميعها مستمد من واقع هذه الحياة، وواقع الصراع بين الأمة وأعدائها كما يراه الأديب الإسلامي الملتزم، ولا سيما الصراع الذي تعاني منه الأمة مع مسلكيات القادة البيروقراطيين، وفي قصة: مصرع رامي رشاش يعرّض الأستاذ محمد ماجد بمفهوم الحرب عند القادة، عندما يخطب الملازم الذي يمثل القيادة في جنوده موضحًا أن الحرب إنما هي ضد الاستعمار والرجعية والإمبريالية، كان ذلك في يوم حرب الخامس من حزيران التي عادت على الأمة بالخسران والوبال، حيث كان القادة يزعمون أن العدو إنما يستهدف أنظمتهم لا غير، وقلبوا مفهوم الجهاد والدفاع عن الكرامة والأرض، بحيث اعتبروا أن الدفاع عن عروشهم وثوراتهم هو النصر بذاته، وهنا حاول الكاتب تصوير واقع الانهزامية التي اتصف بها من نسبوا أنفسهم إلى الثورة من الحكام، حيث لم يجدوا خيرًا من الفرار في ذلك اليوم الذي دخل العدو فيه إلى أعماق الأرض العربية، أما بطل الأقصوصة فهو النموذج الحي لكل محارب مجاهد يسعى إلى الجهاد من أجل الخلاص والحرية والكرامة، ويستوحي القارئ للأقصوصة أن هذا النموذج كاد ألّا يرى اليوم، سواء أكان ذلك بين القادة العسكريين أو بين الأفراد، وهنا يطل الكاتب بلمحات وجدانية يائسة، جعلت قصته تصور الانتشار الانهزامي في صفوف المحاربين بسبب شكهم بقياداتهم المنهزمة التي لا تهتم إلا ببقائها هي، ومن أجل ذلك- وفي هذا الواقع- يموت رامي الرشاش بعد أن هرب جميع صحبه ومساعديه، يموت ضحية القيادة المهزومة، تلك التي حولت مدافعها إلى صدور أبناء الشعب، ويموت أيضًا لأنه على طول الجبهة العربية الممتدة ألوف الأميال لم ينطق رشاش واحد، لم تفرد طلقة واحدة.