; البعث العربي.. أو البعث الإسلامي؟! | مجلة المجتمع

العنوان البعث العربي.. أو البعث الإسلامي؟!

الكاتب محمد الحسني

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1978

مشاهدات 70

نشر في العدد 422

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 05-ديسمبر-1978

حكم التاريخ شاهد عدل على أن العرب لم ترتفع له راية إلا في ظل الإسلام الذي تمكن من العقول والقلوب وسيطر على الضمائر والأرواح

لا تطمسوا التاريخ

 الإسلام _لا العرب_ هو الذي كيف الحياة.. وأرسى القواعد.. ووجه الأحداث.. والدعوة الإسلامية هي التي أظهرت العرب على مسرح القيادة العالمية..

يقولون: إن البعث العربي هو البعث الإسلامي: ولا تعارض بينهما، وأن البعث العربي هو قبول أقدار وقيم وتجارب وحوادث مرت بها الأمة العربية، ومن بينها _الإسلام_ خلال رحلتها الفكرية والاجتماعية عبر القرون والأجيال، ويقولون: إن الإسلام أقوى تجربة عرفها الشعب العربي، وأعظم رصيد حضاري في تاريخه، وأكبر عامل في تكوينه بلا شك: ولكنه على كل حال «تجربة» تجربة اجتماعية تاريخية لا تعنى إبطال غيرها من القيم والأقدار والفضائل، وهدم ما بناه الأوائل، بل إن الإسلام هو في الواقع امتداد طبيعي للعوامل الاجتماعية في الأمة العربية، وإن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإنتاج الطبيعي والثمرة اليانعة للحضارة العربية والتجرية العربية و «العمل العربي التاريخي» ولذلك فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو مفخرة كل عربي ونموذج رائع لحيوية الشعب العربي، واكتماله ونضوجه وتطوراته، ومظهر الروح العربية الثورية المتحفزة المتقدمة، المنطلقة دائمًا إلى الأمام.

إنها فكرة نادي بها زعماء البعث العربي، وقد يبدو أنها فكرة بريئة تقدمية، لا تمس مبادئ العقيدة، ولا تغير وضع الدين، ولا تجرح روح الإسلام، وواضحة سهلة يسيغها العقل المتحرر والروح العربية الثائرة، وقد وقع في هذه »الشبكة» عدد وجيه من الشباب الذكي ورجال الفكر في العالم العربي.

 أما الرأي بأنها فكرة ثورية بريئة لا تمس روح الإسلام فإنه لا يصح مطلقًا، لأنه يقطع الصلة بالنبوة والوحي والغيب، ويعطي أساسًا أخر، هو أساس التجربة العربية والواقع العربي، فهو عندها الأم التي خلفت عدة بنات وبنين يحملون طبائع مختلفة ولكنهم على كل حال أولادها وأفلاذ أكبادها وعصارتها وانعكاسها، أما القول بأنها واضحة صريحة منطقية، فإنها أبعد من الوضوح والصراحة والمنطق أكثر من أي شيء أخر، لأنها تجاهلت التاريخ الإسلامي المبني على النبوة والوحى والغيب والرسالة السماوية الأخيرة، ولم تميز بين فضائل الإسلام وفضائل ما قبل الإسلام، وأقامت نظرية كاملة ودستورًا مسطورًا، وأنشأت حزبًا على «افتراض» ‎‏ وخيال لا صلة له بالواقع، وفي هذه المناسبة أكتفى بنقطتين مهمتين:

أولًا: الزعم بأن «الواقع العربي» هو أم الحوادث، والتجربة العربية هو الأساس الذى تدور حوله القيم والأقدار، والأهداف، والغايات، والمصائر والمعالم، يقضى على ضرورة النبوة والوحى والهدي السماوي والدستور الإلهي والتشريع الإسلامي، ويجعله «تابعًا» يدور في فلك التجربة العربية ورحلتها الاجتماعية الفكرية، وتقدمها الطبيعي عبر القرون، كما يتقدم الولد في السن، ويدخل من دور إلى دور ويكتمل نموه، وتنضج عقليته على مر الأيام.

إنه يعنى أن الإسلام مرحلة من مراحل الحياة العربية ولكنها مرحلة هامة تستحق الإعجاب، ولها دور كبير في تكوين العقلية العربية، وأنه لا يعامل ولا ينظر إليه إلا على أساس أنه جزء من أجزاء الفكر العربى، وتجربة من تجارب الأمة العربية، لا على أساس أنه وحى منزل من الله ودستور سماوي خالد للبشر، لا يقبل التغير والتعديل، ولا يحتاج إلى ‎«زيادات»‏ وملحقات لتساير الزمن، فإنه يسابق الزمن، وينظر بنور الله العليم البصير، القدير العزيز، الحكيم الواسع، لا بنظرة الإنسان المحدودة القاصرة.

إن معناه محاولة قطع صلة الشعب العربي عن معين النبوة الصافي الفياض، وقطع صلته عن السماء، لأن الإسلام الذى لا يكيف الحياة بل تكيفه الحياة والإسلام الذى لا يوجه الأحداث بل توجهه الأحداث، والإسلام الذى لا يكون الشعور والعقلية ونظرة الشعب إلى الحياة والأشياء بل يكونه شعور الشعب الأصيل المتزايد ونظرته إلى الحياة والأشياء، هو الإسلام الذى لا حاجة لنا به، وهو ليس الإسلام المطلوب من البشر، وهو ليس الإسلام الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فغير به اتجاه العالم ونفسيته وعقليته، ووضع له أساسًا خالدًا واضحًا معلومًا، لا حاجة له إلى غيره ولا نجاة له في غيره.

إلا إنه لا قيمة للإسلام في كونه مجرد تجربة هامة، أو كونه سهمًا كبيرًا رائعًا من الأسهم الكثيرة في تشييد الحضارة العربية واكتمالها الطبيعي، ونضوجها العقلي، إن قيمته أنه مُنزل من الله، ودستور إلهي للبشر، على اختلاف قومياته وأزمانه، فإذا هدم هذا الأساس الأبدي الخالد الوحيد، وقطعت هذه الصلة الحقيقية، أو أضعفت، فتحت ثغرات واسعة، بل فتح الباب على مصراعيه للإلحاد والمادية وحكم الإنسان للإنسان، ولم تقف في وجهه قوة تدفع بها إلى الوراء وتقاومها مقاومة فعالة، وظهرت في العالم العربي _مهد الرسالات السماوية والحارس الأمين للرسالة الإلهية الأخيرة _الإسلام_ فتنة عمياء يذهب بها لُب الرجل الحازم ويصعب فيه على باحث الحق، التمييز بين الحق والباطل والنور والظلام.

ثانيًا: إنها فكرة لم تقم على دراسة الإسلام ودراسة أدواره وتاريخه، فحكم التاريخ شاهد عدل على أن العرب لم ترتفع لهم راية إلا فى ظل الإسلام، وأنهم لم يحقوا كل هذه المعجزات والانتصارات إلا بقوة الإسلام، وبعد ظهور الإسلام وانتشاره واستيلائه، وتمكنه في العقول والقلوب والضمائر والأرواح.‏

الفضائل الإنسانية العامة مثل الجود والسخاء، والشجاعة والمروءة والكرم،

ورجاحة العقل والشهامة والطموح، وغيرها ليست أساس انتعاش الأمة العربية، بل أساس انتعاشها وظهورها على مسرح القيادة العالمية، هو دعوتها ورسالتها التي حملتها وتفانت في سبيلها وتقدمت بها إلى غيرها من الشعوب لأنها فضائل تشترك فيها جيع الشعوب في العالم، وهى طبائع يولد بها الإنسان، إن الإسلام بصفته دينًا إلهيًا وتشريعًا سماويًا وبصفته دين الفطرة، أبقى على هذه الفضائل، لكنه غير اتجاهها ووضعها في خدمة الإسلام والرسالة السماوية، فالكرم و الشجاعة والمروءة والحرية لا تحمل قيمة ولا تحمل معنى، بل تصبح عذابًا وتصبح وبالًا إذا لم تستوح الإسلام ولم تقتبس من نوره، ولم تضطلع بروحه وأهدافه ومراميه، إذن فالإسلام هو الأساس الوحيد لكل فضيلة وهو الذى جعل الفضيلة فضيلة والرذيلة رذيلة، أو في تعبير آخر منحها معنى وهدفًا وقيمة واتجاها خاصًا.

الرذائل أو الفضائل لا تحمل قيمة بنفسها، وهى ليست محمودة أو مذمومة بذاتها، بل إن الرضا الإلهي والسخط الإلهي هو الذى يمنحها الحسن أو يوصمها بالعار، ويكتسب لها الخزي فى الدنيا والآخرة، وتلك نقطة يجب أن لا تفوتنا للحظة واحدة.

فالفضائل التي عرف بها العرب والحوادث التي مروا بها في تاريخهم والتجارب التي كونت شخصيتهم أو ساعدت في اكتمال الشخصية كانت فضائل ضائعة أو فضائل «هدامة»‏ ولا مؤاخذة على هذا التعبير، أو فضائل غير مقبولة عند الإسلام، والرسالة المحمدية هي التي منحتها الهدف وهيأت لها الميدان، وصقلتها وهذبتها، وأنارتها بنور الله.

وهنا نقطة أخيرة لابد من الإشارة إليها في هذه السطور السريعة، الدين _في كل زمان ومكان_ لا يخلق الفضائل، بل إنه يوجه الفضائل، إنه لا يخلق الصفات، ولا يأتي بها من العدم إلى الوجود، بل إنه يستخدمها في سبيلها ويصرف فيها حسب رغباته، إنه لا يقطع شأفة الرذائل مثل الغضب، والانتقام، والشهوة، والتنافس والحسد، ولا يزيلها، بل يميلها ويوجهها من الشر إلى الخير، فيصبح الغضب محمودًا في وجه الباطل، ويصبح الانتقام محمودًا في سبيل الحق، وتكون الشهوة مباحة في أوجه الحلال، ويكون التنافس مرحبًا به في مواضع الخير، وبصبح الحسد غبطة في الخيرات، وسباقًا في الحسنات.

فالمسألة ليست مسألة فضائل أو مسألة صفات أو مسألة مقومات، إنما المسألة مسألة عقيدة ورسالة، ودعوة وهدف، والإسلام هو الأساس الذى قامت عليه هذه العقيدة والرسالة، وظهرت منه هذه الدعوة، وهو الذى وضع للعرب خاصة، وللعالم الإنساني عامة أهدافًا محمودة معلومة خالدة، ودستورًا كاملًا لجميع نواحي الحياة الإنسانية، على اختلاف ظروفها وأوضاعها، وعلى تباين أقطارها وبلادها، وعلى تعدد مطالبها وحاجاتها.

فالبحث عن أسس جديدة لنهضة العرب واعتبار الإسلام عاملًا من العوامل التاريخية، وتجربة من التجارب القومية، ومرحلة ضرورية هامة من مراحل النمو الشعبي الطبيعي، ورغبته في تحقيق الذات، ليس إلا إحباطًا للجهود، وقتلًا للمواهب، وإضاعة للوقت، إذا كان عن حسن نية، ومؤامرة ضد الإسلام وتبييتًا لاغتياله في الظلام، إذا كان عن خبث في النيات ومكر في الصدور، وعرض شخصية النبي الكريم _صلى الله عليه وسلم_ كنموذج للحضارة العربية العامة الغارقة في المقرون، وإنتاج رائع من إنتاجها ليس إلا محاولة كريهة خبيثة لإدخاله _صلى الله عليه وسلم_ في صف الأبطال والزعماء، وتجريده من النبوة والكرامة التي أشرق بها الكون، واستنارت بها الإنسانية، ودعوة للعالم العربي إلى أن يعود إلى عهد الظلام، ويؤثر هذا التخبط والفوضى الفكرية على ذلك النور الذى جاء به الإسلام، فكان صبحًا صادقًا للإنسانية، ودستورًا خالدًا للبشرية،

«جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» (سورة المائدة: 15-16)

  (نقلًا عن مجلة (الاعتصام) المصرية)

الرابط المختصر :