; وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين | مجلة المجتمع

العنوان وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين

الكاتب أمين محمد عثمان

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1975

مشاهدات 80

نشر في العدد 241

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 18-مارس-1975

● ثلاثة أصول أساسية تقوم عليها الأديان السماوية. ● الوحدانية، مكارم الأخلاق، البعث يوم القيامة. ● كيف زيَّف اليهود التوراة، ولماذا زيف النصارى الإنجيل؟ ● أخطأ ثلاثة تردى فيها رجال الكنيسة لا يمكن أن يغفرها لهم التاريخ. ● خرافة التثليث، واحتقارهم للمرأة، واضطهادهم للعلماء. ● محمد -صلى الله عليه وسلم- يعيد بناء الحضارة على أساس جديد دعائمه التوحيد. ● إلى دعاة التقارب بين الأديان. رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى العالم بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، أرسله الله «سبحانه» ليخرج عباده من عبادة الطغيان إلى عبادة الله وحده، وليخرج الناس جميعًا من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ (الأعراف:157). إن دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم تكن لأمة دون أمة، ولا لوطن دون وطن، ولكن دعوته كانت للنفس البشرية، وللضمائر الإنسانية جمعاء. وكانت أم القرى والجزيرة العربية- لموقعها الجغرافي، ومركزها السياسي- خير مركز لرسالته، وكانت الأمة العربية بخصائصها النفسية، ومزاياها الإنسانية خير محل لدعوته، وخير داعية لرسالته وصدق الله إذ يقول ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) إن الأديان السماوية إن اختلفت في بعض الفروع مراعاة لظروف المجتمع، فإنها تتفق على أصول ثلاثة: ١- الوحدانية ٢- مكارم الأخلاق ٣- البعث والحساب يوم القيامة ١- الوحدانية: إن الإسلام يبني حقائقه ومُثُلَه وتشريعه على كلمة «لا إله إلا الله» نعني أن لا معبود إلا الله، وبين «لا وإلا» بين النفي والإثبات في العبارة، بين هاتين الدفتين تقع العقيدة كلها. إن «لا» تنفي الألوهية عن كل شيء، عن كل ما نعبد عن مشتهيات الدنيا، عن المال والدنيا، وعن المال والجاه والسلطان واللذات، وترف العيش، وعن النساء الباهرات، والعز الفاره، لكل هذا نقول «لا» لا نعبدك، لست إلهًا. ثم نقول «لا» أيضًا لأنفسنا التي تشتهي تلك الأشياء، لأن الإنسان يعبد هواه في العادة ويعبد ذكاءه ومواهبه وشهرته، ويتصور أن بيده مقاليد الأمور، وأقدار الناس والمجتمع ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:22) إننا نقول لهذه النفس «لا» لا نعبدك إنما نعبد الله وحده. أخطاء النصرانية إن كل دين سماوي يزيف هذا الأصل، ويدعو إلى الشرك بالله أو التثليث أو تأليه الأشخاص فإن ذلك زيف، دخل عليه من أصحاب جهلاء، لم يقدروا الله حق قدره، كما فعلت النصارى بدين «عيسى» -عليه السلام- الذي وضعت قواعده على التوحيد وأسست دعائمه على عبادة الله وحده، لكن بعض المنافقين تقربًا إلى الرومان أصحاب الجاه والسلطان في عهد الإمبراطور «قسطنطين» رضوا بأن يدخلوا الوثنية في دينهم، وزيفوا الأناجيل على لسان نبيهم. يقول المؤرخ البريطاني «براير»: دخلت الوثنية والشرك في النصرانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة، ومناصب عالية في الدولة الرومانية بتظاهرهم بالنصرانية، ولم يكونوا يحتفلون بأمر الدين، ولم يخلصوا له يومًا من الأيام وكذلك كان قسطنطين، فقد قضى عمره في الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة في آخر عمرة «۳۳۷ ميلادية». وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المسألة إشارة واضحة صريحة حيث يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة:79) إن هناك ثلاثة أخطاء تردى فيها رجال الدين المسيحي لا يمكن أن يغفرها لهم المجتمع أو يمحوها من ذهنه التاريخ، لأنها أصابت الديانة المسيحية في الصميم، وجعلت بين الدين والعقل بعدًا ساحقًا كالبعد بين الشرق والغرب، كما جعلت بينهما تناقضًا واسعًا كالتناقض ما بين السواد والبياض. «۱» دخول الوثنية على النصرانية: أول هذه الأخطاء أنهم تقربًا وزلفى إلى رجال البلاط الروماني- كما تقدم- سمحوا للوثنية أن تتغلغل في أصول المسيحية القائمة على توحيد الله، إن الوثنية والشرك قد دخلا في النصرانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة وتولوا مناصب عالية في الدولة الرومانية، بتظاهرهم بالنصرانية ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين ولا أخلصوا له في يوم من الأيام، وكان من نتيجة ذلك أن نشأ دین جدید تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء، ومن هنا نشأت عندهم عقدة التثليث «الأب والابن والروح القدس» وضغطت الوثنية على المسيحيين بعد أن أوهمتهم بأن المسيح ابن الله «تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا» ولذلك نرى القرآن الكريم يرد على هذه الجريمة الشنعاء ردًّا حاسمًا فيقول: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ( المائدة: 17) وفي الآية «۷۳» من «سورة المائدة»:﴿قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾(المائدة:73) بل ومن العجب أننا نلاحظ أن أول كلمة نطق بها عيسى بن مريم وهو صبي في المهد قوله في مواجهة من جاءوا لتحدي والدته وذلك في الآية- ٣٠ من سورة- مريم- ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾(مريم:30) «۲» هل المرأة رجس من عمل الشيطان؟ أما الخطأ الثاني الذي تردى في هوته رجال الدين المسيحي فهو نظرتهم إلى المرأة وادعائهم أنها رجس من عمل الشيطان، وأنها جنس آخر غير جنس الرجال، وأنها ينبوع المعاصي وأصل السيئات، وهي للرجل باب من أبواب جهنم لأنها تحركه وتحمله على الآثام ومنها انبجست عيون المصائب الإنسانية وحسبها ندامة وخجلا أنها امرأة، وعليها أن تستحي من حسنها وجمالها لأن هذا الحسن وذاك الجمال سلاح مرهف من أسلحة إبليس...إلخ. ويقول الكاتب الإسلامي «أبو الأعلى المودودي» في كتابه «الحجاب» نقلًا عما قاله «ترتولیان» أحد أقطاب المسيحية الأولى مبينًا نظرة المسيحيين إلى المرأة: إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان وأنها دافعة بالرجل إلى الشجرة الملعونة، ناقضة لقانون الله ومشوهة لصورة الله أي «الرجل». إن كل فعل يقابله رد فعل، لقد أغرق هؤلاء الرهبان والحكماء ورجال الكنيسة بني جنسهم في طوفان من الكبت المؤلم والصراع النفسي المدمر والقلق العنيف، حتى وقعت الواقعة وحلت الكارثة وهب الإعصار، وعم الطوفان، وبهذا انتقلت المرأة الغربية في القرن العشرين من النقيض إلى النقيض ومن الكبت إلى الانطلاق، ومن العفة إلى الفجور، ومن الطهر إلى الإباحية، وتلك نتيجة حتمية التزمت رجال الدين، وضيق آفاق المهيمنين على الكنيسة ولقد ترتب على ذلك: ١- المساواة بين الرجال والنساء مساواة فاقت الحدود وأزاحت السدود، مع أن الله يقول ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة﴾ (البقرة: 228) ويقول ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: 34) ٢- تمرد النساء في أوربا وأمريكا واستقلالهن بشئون معاشهن وهجران البيت وانهيار صرح الأسرة، ووجود جيل ضائع من الشباب، مغلوب على أمره، حائر يضرب في الحياة على غير هدى، كافر بالأديان وبالمثل، فكأنما هو ملقى به في الأرض لا يدري له ملجأ أو مصيرًا، وهذا مصداق لقوله تعالى «۳۲» من «سورة الحج»: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج:32) ٣- الاختلاط المشين بين الرجال والنساء والإباحية الجنسية والفجور المخزي وانتشار الفوضى في «الموديلات» والأزياء والعري المزري. الإسلام والمرأة: أما الإسلام فقد عني بتصحيح النظرة إلى المرأة، كما عني بإقامة العلاقة بين الجنسين على أسس من حقائق الفطرة. ١- لقد اهتم أولًا: ببيان وحدة الزوجين وتساويهما من الناحية الإنسانية، ليقضي بذلك على جميع النظريات الخاطئة التي كانت تزعم أن المرأة جنس منحط بذاته عن جنس الرجل وانظر إلى القرآن يشير إلى ذلك في الآية الأولى من النساء:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾( النساء:1) ۲- واهتم ثانيًا: ببيان وحدة الزوجين وتساويهما من حيث علاقتهما بربهما وجزائهما عنده وتقرر ذلك الآية «١٩٥» من «سورة آل عمران» فتقول:﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ﴾ (آل عمران:195) ٣- واهتم ثالثًا: ببيان نوع الصلة بين شقي النفس الواحدة وأهداف هذه الصلة سواء ما يختص منها بالزوجية، أو ما يختص منها بالمجتمع الإسلامي كله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21) «3» - اضطهاد المسيحية للعلماء وأما الخطأ الثالث: فهو أن رجال الكنيسة دسوا في كتبهم الدينية المقدسة معلومات بشرية ما أنزل الله بها من سلطان، وتبنوا أفكار بعض العلماء في التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية وجعلوها من نصوص الدين رغم أن هذه المعلومات وتلك الأفكار كانت خاطئة مع الأسف الشديد. ربما فعل رجال الكنيسة بنية حسنة، ولكنه كان أكبر جناية على أنفسهم وعلى الدين، فقد كان موقفهم من ذلك سببًا للفصام الشديد بين العلم والدين في أوربا وقد انهزم في هذا الخصام رجال الكنيسة هزيمة منكرة وسقطوا سقطة لم ينهضوا منها أبدًا، وترتب على ذلك كله أن أوربا ومن سار على نهجها أصبحت لا دينية. في رحاب الإسلام أما الإسلام فإنه قضى على الوثنية قضاء مبرمًا ولم يسمح لعقائده بدخول الغث والزيف فيها وبذلك حفظ للمسلمين عقائدهم وأخلاقهم ومثلهم إلى أبد الآبدين، وسمح للعلم والعلماء أن يتفيؤا في ظلاله حيث شاءوا فالعلم والدين توأمان لا يختلفان حتى يرث الله الأرض ومن عليها. لقد ازدهرت الحضارة الإسلامية وأينعت وآتت أكلها، وعندما انتقل المنهج الإسلامي الواقعي التجريبي إلى الفكر الأوربي عن طريق الأندلس اتجه العقل الأوربي إلى البحوث العلمية التجريبية وبدأ البحث العلمي يكتشف حقائق فلكية وجغرافية وطبيعية، غير تلك الأوهام والخرافات التي سيطرت على أفئدة الناس وتبنتها الكنيسة واعتبرتها حقائق مقدسة لا يصح مناقشتها أو الحوار حولها ومن يفعل ذلك فهو «هرطقي» أو مارق في دين النصرانية. ولقد وقفت الكنيسة وقفة عنيفة عنيدة في وجه العلماء الذين اتجهوا اتجاهًا جديدًا بعد أن نهلوا من الثقافة الإسلامية عن طريق الأندلس غربًا وعن طريق الشرق أيام الحروب الصليبية. ويقدر عدد الذين عاقبتهم الكنيسة ومحاكم التفتيش بثلاثمائة ألف أحرق منهم اثنان وثلاثون ألفًا وهم أحياء وكان منهم العالم الطبيعي «برونو» نقمت منه الكنيسة آراءه العلمية وحكمت عليه بالقتل واقترحت ألا تراق قطرة من دمه وكان ذلك معناه أن يحرق حيًا. وهنا يحق لنا أن نتساءل: لماذا لم يتجه علماء أوربا المضطهدين إلى الدين الإسلامي ويعيشوا في كنفه وتحت رحابه وكان يدين به في ذلك الوقت أمم معاصرة له؟ يجيب عن ذلك العالم الباكستاني «أبو الحسن الندوي» في كتابه القيم «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟» فيقول: «إن حمية الجاهلية والسدود التي أقامتها الحروب الصليبية بين الغرب المسيحي والشرق المسلم، ودعاية الكهنة ورجال الدين ضد الإسلام وضد نبيه «محمد» صلى الله عليه وسلم زد على ذلك تفريط المسلمين في الدعوة لدينهم ونشر الإسلام في أوربا كل ذلك منع العلماء الثائرين من الرجوع إلى الدين الإسلامي والأخذ به والالتجاء إليه في ساعة كانوا يحتاجون إليه حاجة اللديغ إلى راق والمسموم إلى ترياق. الأصل الثاني «مكارم الأخلاق» أما الأصل الثاني الذي جاءت به الأديان السماوية فهو الدعوة إلى «مكارم الأخلاق» فإذا قرأت في التوراة خبرًا أو حديثًا أو قصصًا عن الأنبياء تنافي ذلك فاعلم أنك تقرأ توراة مزيفة، وضعها يهود مغرضون ليغرقوا العالم كله في الإثم والفسق. وكما فعل النصارى بالإنجيل كذلك فعل اليهود بالتوراة فزيفوا فيها كثيرًا وادخلوا عليها مبادئ ليست من اليهودية في شيء. ومع ذلك فالتوراة التي بين أيدينا لا يوجد فيها ذكر صريح لاسم عيسى ومحمد ولا يؤمن اليهود بأن أحدًا قد نزل بعد موسى -عليه السلام- سوى أنبيائهم «عزرا وأشعياء وأرميا ودانيال وحزقيال» فلا يصح في زعمهم أن تخرج نبوات إلا منهم فهم شعب الله المختار وهم يعتقدون أن «عيسى ومحمد» كليهما دجال وقد تقولوا الأقاويل على «مريم» أم عيسى وإلى ذلك تشير الآية الكريمة فتقول:﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 156). والذي يقرأ التوراة المتداولة بيننا الآن لا يخرج منها بأنها كتاب أوحى به الله «سبحانه» فإن الأنبياء الذين تعارفنا على إجلالهم واحترامهم نراهم في التوراة المزيفة عصبة أشرار سكيرين ولصوص وزناة وكذابين ومخادعين وقتلة. وترى أيضًا في هذه التوراة أن الله يفعل الفعل ثم يندم عليه ويختار رسوله ثم يكتشف أنه قد أخطأ الاختيار وكأنه لا يدري من أمر نفسه شيئًا ولا يعرف ماذا يخبئ له الغيب «تعالى الله ذلك علوًا كبيرًا». تقرأ في التوراة المزيفة أن نبي الله «داود» -عليه السلام- يفتتن بحب زوجة قائد جيشه وقد رآها على سطح المنزل وهي عارية فيهيم بها حبًا فيرسل هذا القائد إلى مكان يقتل فيه حتى يحظى هو بهذه الزوجة الجميلة وهي «بتشيع» زوجة «أوريا الحني». وننقل لك ما كتبه الدكتور «مصطفى محمود» في مقال له عن التوراة: «إنها أشياء لم تحدث طبعًا وليس من المعقول ألا يجد الخالق بين ملايين الملايين ممن خلق منذ آدم بضعة عشر رجلًا من الرجال الأطهار ليختارهم لنبوته لا يسرقون ولا يزنون ولا يغشون. ولكنها الأقلام التي كانت تكتب التوراة من اليهود الذين ضرب عليهم السبي في بابل ممن كانوا يرون نساءهم سبايا وأولادهم عبيدًا وبناتهم يقدمن عرايا لمتعة القصور في فارس فحرصوا على تلطيخ كل شيء وإلقاء القذر الذي كانوا يعيشون فيه على وجه التاريخ كله ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (الأعراف: 167) الأصل الثالث «البعث يوم القيامة» أما الأصل الثالث الذي تجمع عليه الكتب السماوية من لدن آدم حتى عصر محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو «البعث والحساب يوم القيامة» ولم تشغل الإنسانية في ماضيها وحاضرها بمثل ما شغلت به من قضية البعث، ولقد جاءت الأديان السماوية تؤكد هذه الحقيقة على أنها قضية مسلمة. إن الإنسان يموت وفي نفسه حاجات ويترك على الأرض آماله كما يترك من خلفه أعزاء يفجعه أن يفارقهم ويفجعهم أن يغيب فهلا كان لقاء بعد ذلك المغيب؟ أجل إن هناك لقاء وهناك ائتناس واجتماع يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (الطور: 21) ويقول في آية أخرى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ (الحجر: 47) ثم إن الإنسان ينظر في الدنيا فيرى الخير والشر يصطرعان ويشهد معركة الرذيلة والفضيلة، والشر عارم والرذيلة متبجحة وكثيرًا ما ينتصر الشر على الخير وتعلوا الرذيلة على الفضيلة والفرد في عمره المحدود لا يشهد رد الفعل ولا يرى عواقب الخير والشر، إنه ليعز على الإنسان ألا تكون للخير كرة وألا يلقى الشر جزاءه والاعتقاد بوجود ألوهية عادلة يستتبع حتمًا جزاء على الخير والشر إن لم يتم في الأرض في هذا العالم فلا بد أن يتم هناك في عالم آخر والله سبحانه يقول: في الآية «٣٥» من سورة «القلم» ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾(القلم:35) ثم هل يكون مصير هذا الجنس الإنساني الذي عمر الأرض وصنع فيها ما صنع كمصير أية حشرة أو دابة أو زاحفة حياة قصيرة محدودة لا يتم فيها شيء كامل أبدًا ثم ينتهي كل شيء إلى الأبد؟ لقد عز عليه أن يكون مصيره هو هذا المصير البائس المهين. لكن الله سبحانه قد أخرج الإنسان من هذه الحيرة ورد على هذا التساؤل مؤكدًا أن البعث والحساب أمران لا ريب فيهما وتأمل قوله تعالى في الآية «٣٦» من سورة «القيامة»: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ، أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ﴾ (القيامة:36) الوحدانية.. مكارم الأخلاق.. البعث والحساب.. تلك هي الأصول الثلاثة التي جاءت بها الأديان والتقى عليها الأنبياء لا تبديل لكلمات الله ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.. أما بعد.. فكلمة أقولها إلى دعاة التقارب بين الأديان، لقد دعاهم الله- سبحانه وتعالى- على لسان نبيه محمد- صلى الله عليه وسلم- منذ أربعة عشر قرنًا في الآية «٦٤» من سورة «آل عمران» بقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾(آل عمران:64) فهل استجاب أهل الكتاب لهذا النداء الإلهي وهل رجعوا إلى عقولهم فآمنوا بتوحيد الله -عز وجل- وهل اعترفوا بنبوة «محمد» صلى الله عليه وسلم؟ لا أظن وإلا ففيم الخلاف؟ وكمْ من عائب قولًا صحيحًا وآفاته من الفهم السقيم
الرابط المختصر :