العنوان نحو أدب إسلامي.. البناء الشعري عند الشاعر محّمد الحسناوي
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1974
مشاهدات 70
نشر في العدد 221
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 08-أكتوبر-1974
في طليعة الشعراء الإسلاميين المعاصرين له تجربة أصيلة في مجال الشعر
الشاعر محمد الحسناوي من طليعة الشعراء الإسلاميين المعاصرين وله تجربة أصيلة في مجال الشعر- أولًا- والنقد والبحث الأدبي ثانيًا صدر له من الدواوين الشعرية والدراسات الأدبية:
ا - مجموعة شعرية صغيرة بعنوان «ربيع الوحدة»
۲ - ديوان شعر بعنوان « في غيابة الجب »
3 - ديوان شعر بعنوان «عودة الغائب»
4- ديوان شعر بعنوان «ملحمة النور»
ه - بحث أدبي بعنوان «الفاصلة في القرآن» وقد نال به درجة الماجستير
6- بحوث مقالات مختلفة وهو ما يزال على الطريق يواصل العطاء والدرس والإبداع
وتجربته الشعرية تمتاز بالعمق والأصالة- وهي جديرة بالدرس والتقويم- بلغة الإشارة والتعريف-؛ لتكون هدى يهتدى بها القارئ المسلم ويتلمس طريقه في دنيا الأدب الإسلامي المعاصر الذي بدأ يشق طريقه بين مختلف الاتجاهات والعقائد والمدارس الأدبية ليساهم في الجهاد المتواصل الملقى على عاتق المسلم المعاصر إزاء الجاهلية الحديثة المتسلحة بالعلم والفن والمادة.
وأخر دیوان صدر لشاعرنا هو «ملحمة النور» متضمنًا أربع عشرة قصيدة، متباعدة الأزمان، لكنها تقف كلها لترسم طريق الجماعة الإسلامية خلال مرحلتين متباعدتين.
المرحلة الأولى وأسماها شاعرنا «الفجر الأول» وهي تتضمن قصائد الإسراء والمعراج- عبد الله بن أم مكتوم - سراقة بـن مالك - يوم بدر- خيثمة - كعب بن مالك.
المرحلة الثانية وأسماها الشاعر «الفجر الرابع عشر» وتتضمن قصائد: هاشم الرفاعي - أبو حسان خمس قصائد» - في المأساة- ........
في البداية نلاحظ أن شاعرنا اعتمد في تاريخ المجتمع الإسلامي الأول في تيار موضوع قصائده، وهذا هو الفجر الأول الذي انبثقت من خلاله العقيدة الربانية، وحملها رجال ونساء مؤمنون، فصدقوا الله البيعــة واستقاموا في العمل حتى بنوا صرح حضارة خالدة
وكان اختيار شاعرنا موفقًا وذكيًا ولم يقعد بديلًا من المؤرخ، ولم يكرر أحداثًا، وإنما اختار نماذج دالة، وعينات مختلفة تضم بمجموعها قيمًا سامية لن يصل إليها أبناء المعتقدات الأرضية مهما تطاولوا وتعاجبوا وتخبطوا، وفي كل هذه الدلالات كانت تظهر يد الله الرحيمة التي ترعى مسيرة الدعوة، وترسم لها معالم الطريق الخالد- فالإسراء والمعراج بدلالاتها البارزة تكريم الله الخالق للإنسانية المؤمنة، وإظهار لعنايته ورعايته- سبحانه- لعبده الداعية في كل خطواته، وتبيان للبون الشاسع بين عالم المؤمن الرحب الفسيح المتنامي المستعلي القوي، وعالم الجاهلي المشرك الضيق المرذول، الخانع المستعبد دومًا.
- وعبد الله بن أم مكتوم تكريم للإنسان في صورة الرجل الأعمى عندما يتسلح بالعقيدة فيسمو فوق موازين الأرض، لأن الميزان الصادق العادل هو ميزان الخالق الكريم.
لقد كانت حادثة ابن أم مكتوم إعلاء لقيم العقيدة والإنسانية معًا وإعادة الجاهلية إلى مكانها المرذول حين تنكبث طريق الإيمان وهكذا تمضي القصائد؛ لتوضـح قيم المجتمع الإسلامي- وترسم لوحات خالدة لن تصل إليها البشرية ما لم تعد طائعة لربها متمسكة بمنهاجه الكريم.
ثم يفصل بين ذلك الفجر والفجر الأخير في الديوان قرون طويلة، كان فيها قوة وضعف، إبداع ثم هبوط، وفعلت يهود والجاهلية فعلتها- واستطاعت ان تنجح بمكيدتها- ولو إلى حين- حين أبعدت المسلمين عن عقيدتهم.
ثم يأتي الفجر الرابع عشر، الفجر المعاصر، وآخر ركب في حياتنا نحن مواصلًا السير وراء الذين ساروا على هذا الدرب الإيماني.
فيأخذ نماذج ذات دلالة أيضًا.
لوحات من الجهاد، بالقلم والسيف واللسان، وصور من الجهاد تختلط بها ألوان من التعذيب والمواجهة الشرسة مع أعداء الإسلام ويسقط الشهداء- ويقضي بعضهم بينما بقي من ينتظر وكلهم يسيرون ضمن هذه القافلة النورانية.
إن هذه المعالم التي اختارها شاعرنا، بسموها وإشراقها، وعظمتها وآثارها العظيمة هي التي جعلته ينظمها في عقد يسميه «ملحمة» ولو كان في هذا اللفظ بعض من الإشعاعات اللاتينية القديمة لكنها هنا تلبس أثواب الحقائق، وتنطلق من روح الواقع، وتضرب جذورها في أعماق الأرض كدلالات شاهدة
على عظمة هذا الدين وروعة بنائه، ثم تبقى شاهقة أغصانها وأثمارها في السماء تطاول النجوم.
لهذا فهي ملحمة بروعة التضحيات وصدق الجهاد، وديمومة النبات، واستمرار المسير عبر الأهوال والصعاب.
بعد هذه المقدمة عن هذا الديوان نعود لدراسة البناء الشعري لشاعرنا من خلال إحدى قصائده، تاركين الفرصة للأخوة الدارسين والنقاد؛ لكي يساهموا في تقويم هذا العمل الشعري الجديد.
وانتقي القصيدة الأولى في هذا الديوان «الإسراء والمعراج» لنتبين فنية البناء الشعري الذي اختاره الشاعر- أولًا-، ولكثير من شعره- ثانيًا- فحادثة الإسراء والمعراج حادثة معروفة للمسلمين- ونكتفي هنا- من أجل الدراسة- بالتأكيد على النواحي التالية:-
1 - كانت حادثة الإسراء والمعراج في السنة الثانية عشرة من البعثة، والمسلمون في محنة يجاهدون بالصبر والثبات، وهم مستضعفون أمام طاغوت الجاهلية.
٢ - كان الإسراء والمعراج بحد ذاته بلاء وتمحيصًا وأمرًا من أمر الله في قدرته وسلطانه فيه عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن بالله وصدق وكان من أمر الله على يقين، ليثبت الصادق بإيمانه حين يرجع أصغر الأمور وأعظمها إلى الله- سبحانه-، ويستقبل كل أمر من عند الله بالتسليم والقبول والاطمئنان فلا عجب أن يرتد من كان إيمانه هشًا بينما يقول أبو بكر لمن جاء يحاجه بأمر صاحبه: والله لئن كان قاله لقد صدق فما يعجبكم من ذلك؟.
٣ - كانت عملية الإسراء دلالة على قدرة الله وتكريمه للإنسان المؤمن.
مع القصيدة: القصيدة تشبه إلى حد كبير- في نسيجها وبنائها- القصة المتكاملة- من حيث تسلسل- الحوادث وترابطها، ورسم الشخصيات وفي تداعي الأفكار على منوال «المنولوج الداخلي أو تيار اللاوعي» ولهذا نراه يبدأ من قدوم جبريل- عليه السلام- ومعه البراق الذي حمل رسول الله- صلوات الله عليه- إلى بيت المقدس.
ها هو البراق يحط على ثرى مكة:
حط البراق على ثرى البطحاء
والليل يضرب خيمة الظلماء
ولا بد من رسم صورة للمكان وتحديد للزمان «والليل يضرب خيمة الظلماء» أما مكة ومجتمعها فهي:
حط البراق على بساط جهالة
سوداء قد أغفت على شحناء
وعلى مفاخر من بقايا يعرب
تذرا وتنفخ في لهى الشعراء
ولا ينسى إبان رسم الإطار الطبيعي لحوادث القصة أن يلائم وينسق بين أطراف الصورة، فالزمن:
في الليل المظلم، والمكان تملؤه جهالة سوداء وما دامت الحوادث تجري على أرض مكة، بل على بطحائها في قلب الصحراء تقريبًا، والحياة قريبة من حياة البادية لهذا كان من التناسق الفني أن يضرب الليل فوق البطحاء خيمة الظلماء حين يريد أن يمضي ساعاته بعد الغروب إلى مشرق الفجر.
ويمضي الشاعر ليصف البراق ذاته وعملية قدومه إلى الأرض ليقربها إلى دنيا الواقع:
حط البراق، كما تحط الطير من
كبد السماء لرشفة من ماء
أو حبتي قمح تناثرتا هنا
في ساح «مكة» كعبة الصحراء
ولكي يصور لنا لهفة البراق لحمل رسول الله- صلوات الله عليه- يأتي بهذا التشبيه حاملًا هذا الإيحاء- كما تحط الطير من كبد السماء لرشفة من ماء- ثم يكمل رسم صورة المكان- مكة كعبة الصحراء بما فيها من اتساع وما تحمل من معنى التقديس والإشعاع والأهمية.
ويمضي مع الحادثة، فالبراق يأتي معه جبريل- عليه السلام-، وهو الرسول الأمين بين السماء والأرض، ليحمل الخير والهدى للإنسانية:
ماذا يرى جبريل في أصنامها
في قرية ضاعت على البيداء
وتبدأ أول نقطة تشع حولها فيستخدم أسلوب تداعي الأفكار «تيار اللاوعي» معتمدًا على كلمة، تشع وتوحي له بصور وأحداث وذكريات، فيستطرد لإكمال ما تداعت إليه الأفكار، ويرسم الصورة المطلوبة دون أن ينسى التناسق والتسلسل وحركة الأحداث. وهنا نرى كلمة جبريل: رمز الخير والهدى والرسالة والأوامر الإلهية ومكة رمز البشرية الضالة التي تستقبل بكثير من التأبي والعناد هذا الهدى والرسالة.
لهذا أوحت مكة: بوجود الأصنام، والضياع
وأوحت كلمة «جبريل» بالبشرى والضحك والهدى والخير والاصطفاء:
حتى أتاها ضاحكًا مستبشرًا
واختصها عن إدارة الجوزاء
ويتابع الأحداث، يقف البراق فينفر عند قدوم رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:
صمتًا براق فما عهدتك نافرًا
عن بيت إبراهيم ذي الأرجاء
ونفوره يوحي بوصف الموقف- ويستدعي ذكر المكان المقدس، وبيت الله الذي بناه إبراهيم عليه السلام ثم:
كن مثلما شاء الإله مباركًا
فلسوف تأتي سيد الغبراء
من سفه الأصنام في غلوائها
فردًا بلا جيش ولا نصراء
من عاش مسكينًا يتيمًا صابرًا
ليدافع البؤس عن البؤساء
وأضاء لوحة جديدة اعتمد فيها على ما أوحت به كلمة «براق» ونفوره ليتحدث عن أمر الله الذي تذعن له كل المخلوقات، وليتحدث عن سيد الرسل محمد- صلوات الله عليه-:
هذا اليتيم المسكين، الذي تلقـى كلمة الله، وحمل راية الحق وحده ويعلن بعدها وحدانية الله، ويسفه معبودات الجاهلية- الأصنام بكل أشكالها- دون أن يكون له نصير إلا الله- عز وجل-.
لقد صبر، بتحمل العذاب والفقر والبؤس ليحرر الإنسان ويدفع عنه البؤس ولهذا فمهمة البراق كريمة ورحلته مباركة، إلى مكان مبارك:
سر يا براق به فهذا المصطفى
في قومه، هذا أبو الزهراء
سر يا براق فأنت أكثر حامل
لأعز محمول- إلى سيناء
سر فيه فوق الظالمين وقل لهم:
هذا الذي ترمون بالأقذاء
ومع استمرار الحدث وإضاءة هذا الموقف يستدعي ذلك تذكــير الجاهليين بمكانته التي غفلوا عنها، رغم كونه المصطفى فيهم قبل أن يصطفيه الله لرسالته فأي خسران ذاك الذي يقترفون عندما يقفون منه موقف العناد والإيذاء والتسفيه والتعذيب؟!
وأي جهل ذاك الذي يدفعهم لتجاهل مكانته؟!
وفي الوقت ذلك تساهم الصورة في التقريب بين هذا التكريم الذي ناله رسول الله من ربه حين أسرى به من دون البشر جميعًا وبين ما قدمه من عمل وطاعة، وما ضربه من مثل في سبيل العقيدة.
وهذا يوضح بالتالي قيمة المسلم الحقيقية عند الله حين يكرمه إذ لن تكون قيمة الإنسان بما يعتقده الناس وما يظنون، بل قيمته الحقيقية عند الله- سبحانه وتعالى-.
فإذا كان مطاردًا، معذبًا، يتيمًا، موصومًا بأقذع الصفات والشتائم من الجاهلين، فهو أسمى وأعلى وأنقى عند الله، ما دام يحمل العقيدة ويصدق الجهاد، ويواصل الدعوة:
سر فيه فوق الظالمين وقل لهم:
هذا الذي ترمون بالأقذاء
هذا الذي راودتموه عن الهدى
ووصمتموه بأشنع الأسماء
هذا الذي طاف القبائل لاجئًا
فرجمتموه بوابل الحصباء
وجرحتم قدميه حتى ابتلتا
بدمائه، وانهد من إعياء
وشكا إلى الله العلي بلاءه
شكوى الضعيف لأرحم الرحماء
هذه الصور المتتابعة من أذى قريش تستغرق وقتًا طويلًا من حياة رسول الله- صلوات الله عليه- وحياة الدعوة ولكن النتيجة كانت هذا التكريم والسمو:
فلترتفع قدماه فوق رؤوسهم
بعد الهوان وشدة الإيذاء
إن ينبذوه ففي السماء له مراد
واسع من شدة العلياء
إن يظلموه فحسبه نصر الإله
وعدله الرابي على الفرقاء
فالكون وما فيه من مخلوقات ليس متروكًا بلا رعاية، فالله وراء كل ذرة وحادثة وهو الموئل الأمين والمقدر العليم وحسب المسلم أن يكون الله له ردئًا وموئلًا ونصيرًا.
وانتهى من المرحلة الثانية لتداعي الحادثة والأفكار والصور معًا فيعود لتسلسل الحوادث وتستمر حسب منطوق الواقع
سر فيه حتى «المسجد الأقصى» المبارك
واهبط على إيلياء
وهنا يصل البراق إلى بيت المقدس والمسجد الأقصى له إشعاعات وإيحاءات لا بد من إنارتها فهي:
دار البنين الألى ركزوا اللواء
على رفات الشرك والأشلاء
من عهد داود النبي إلى سليمان الحكيم
وآل عمران إلى العذراء
وانتهى من إنارة النقطة الثالثة التي أوحت بها كلمة «المسجد الأقصى» فهي دار البنين حاملي الحق، والداعين إلى وحدانية الله، والمجاهدين في سبيل الله للشرك والمشركين.
ثم يتابع الحديث وتستمر الحوادث مرة أخرى:
حط البراق على صعيد القدس مز
هوًا يجيل الطرف في الأنحاء
لا حس إلا وقع أقدام الرسول
يحفه جبريل في الظلماء
دلفًا إلى المحراب سنة زائر
وتبتلًا لله ذي الآلاء
وبعد أن ينتهيا من الوقوف بين يدي الله بخشوع، حيث لا حس ولا صوت ولا حركة، «أرأيت كيف خفتت الأصوات للإيحاء بمعنى الخشوع والصلاة؟»
ثم يتابع الحادثة وتبدأ مرحلة العروج بما فيها من التكريم، والقدرة والعظمة:
وأتاهما المعراج يوطئ متنه
من علق الدرجات في الجوزاء؟!
والعروج يوحي، ويستدعي إضاءة هذه اللحظة أيضا:
فهي هنا تدل على الإعجاز والقدرة الخارقة، ولكنها ليست بدعًا، فالله خالق الكون ترك لنا آيات ناطقات حولنا وفي أنفسنا، أفلا نعجب من هذه الآيات؟ من السماء والأرض والأنفس قبل أن نعجب من طريقة العروج؟
الله علقها وشد حبالها
من غير صاروخ ولا خبراء
الله علقها وأمسك تحتها
أرضًا مطوفة بكل سماء
الله علقها وأمسك حولها الد
نيا بلا عمد ولا إرساء
- وتستمر الأحداث مع لحظة أخرى- مشعة، هيأ لها الإحساس والنفس والفكر معًا، ويبدؤها «صعدا» بكل ما للكلمة من إيحاء: جلال القدرة، والارتفاع والسمو، والإرادة الإلهية المدبرة التي تقف وراء كل حدث والدلالة على هذه القوة الخفية القادرة.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل