العنوان التجربة الفريدة
الكاتب د. حمود الحطاب
تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1975
مشاهدات 77
نشر في العدد 280
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 30-ديسمبر-1975
لن أحكي لك يا أخي عن شيء عادي أو تجربة ناجحة جنيت ثمراتها وعرفــت نتائجها بل سأحكي لك عن شيء لا أدرك حقيقته تمام الإدراك حتى وأنه لم يقع لي أنا بنفسي ولو استطاع الذين قد جربـوها لإباحة به لتغيرت سنن الحياة ولو جربته أنا ولو مرة وهو لا يجرب أكثر من مـرة لما استطعت أن تلتقي معي هنا نتحدث عن حقيقته في محاولة بيننا لتقريبه لنا علنا نعتبر منه ونستفيد.
إن هذه التجربة قد مرت على أنــاس كثيرين يملؤون الآن مساحات واسعـة من الأرض وأقول مساحات واسعة تحــت الأرض.. لا تستغرب إنهم إخواننا فـي البشرية في عالم الخلود في دنيا اليقـين والإيمان من الذين أدركوا برهة من الحياة ثم غادرونا إلى عالم الغيب.
وأزيدك يقينًا وعلمًا عن حديثي معــك أنه يحكي تجربة لحظات ما قبل الموتى وحديث ما بين الحياة والموت فنقول من أفواه الغائبين.
على فراش الموت وقد علم الأجل وانتهى العمر والدموع تسيح على خدود المحبين وسكرات الموت تعلو وجهه الكريم والكلمات تنساب من فمه الطاهر تقول محذرة الأمة: لا تتخذوا قبري عيدًا إنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يودع الدنيا بهذه الكلمات الخالدات لتحيا بعده على نور وبصيــرة وهدى.
وهذا خالد بن الوليد وقد وضع جسمه على الفراش وقد ملأ الدنيا فتوحًا واكتسح الأرض نصرًا وجهادًا وقد خفقت عاليــة ترفرف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله يقول في لحظاته الأخيرة:
ما بقي في جسمي موضع شبر إلا وفيــه طعنة برمح أو ضربة بسيف فلا نامت أعين الجبناء. صريحة مدوية عالية تشرح معني الحياة التي يفهمها خالد إنها الشجاعــة والإقدام.
وصحابي جليل آخر يقول وقد استعد للقاء ربه: بخ بخ إنها لحياة طويلة أن أبقى لآكل هذه التمرات فيستشهد في سبيــل اللـه.
وسعيد بن جبير وهو على المقصلــة الظالمة التي وضعها الحجاج بن يوســف الثقفي وقد أعيت الحجاج جرأته وإقدامه على الموت أينما يوجهه فثم وجه الله ويدعو الله أن لا سلطة على أحد بعده فهو يفهم الحياة في معنى العدالة والحق ويرى الموت راحة من كل شر ويستسلم لرب العالمين لا معتذرًا ولا منافقًا ولا خائرًا.
وفي عام ست وستين وقد التفت حول عنق الشهيد حبال المشنقة الغليظة التي قيســت على رقبتــه وجنود الإرهـاب الذين نزع الله الرحمة من قلوبهم يطلبون إليه كلمة اعتذار تكون ثمنًا لحياته فيرد مبتسمًا وقد أدرك قيمة ما هو مقدم عليه عند ربه في حالة نيله الشهادة ورجاءه إلى الله بالجنة قد حجب عنه كــل أمل في العودة إلى دنيا الشقاء ثانية يعلنها قوية تتحدى كل النفوس التي رضخت لأقدام الطغاة فوق أعناقها: لن أعتذر للباطل إن كنت محقًا.
وبالأمس القريب ودعنــا ركب من الشهداء الصاعد يتلو بعضه بعضه فإذا أحدهم يحذر إخوته من الـموت الـذي لا يعرف الاستئذان وإذا به يزوره المـوت مستصحبًا إياه إلى دنيا الخالدين وآخر يصارع أمواج البحر حتى إذا ســحب البحر أقدامه وأعجزها عن الحركة وتلاطمت أمواج البحر تسد أنفاسه يوصي البقية من إخوانه الذين ما زالوا يصارعون البحر بين الحياة والموت أبلغوا والدي التحية عني وسلسلة طويلة من الأحداث والحــديث لا تنتهي وأقول لك أخي: إن الثبات عند النهاية علامة حسن الخاتمة ودلالة على قوة اليقين فلنسأل اللـه اليقين والثبات وحسن الخاتمة والله يعيننا وإياك