العنوان من أجل دخول الإليزيه.. شيراك يعتمر قلنسوة صهيونية!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1987
مشاهدات 70
نشر في العدد 844
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 24-نوفمبر-1987
البوابة الإسرائيلية: الأصوات اليهودية
الفرنسية على قلتها أوراق قوة
شيراك: لست مسؤولًا عن فتح مكتب منظمة التحرير
الفلسطينية في باريس
شيراك: لن أزور دمشق قبل حل مشكلة اليهود
في سوريا
هلل بعض العرب وكبروا لما نشرت صحيفة «الواشنطن
تايمز» الأميركية حديثًا أدلى به رئيس الوزراء الفرنسي الحالي جاك شيراك إلى مديرها
أرنو دي بورشغراف في أواخر ١٩٨٦، وقد أحدث ذلك الحديث آنذاك ضجة كبرى بسبب الانتقادات
اللاذعة التي وجهها جاك شيراك للسياسة الخارجية الأميركية، وخاصة ما يتعلق منها بالدول
العربية وقضية الشرق الأوسط المزمنة. وقد ذهب البعض إلى أن ذلك الحديث يكشف عن تفهم
شيراك لقضايا العرب، بل اعتبروه انتصارًا لها وراحوا ينوهون بالرجل ويكيلون له المدح
والثناء، وبعد سنة واحدة لا أكثر ينزل شيراك ضيفًا على الصهيوني شامير وتتناقل وكالات
الأنباء آخر تصريحاته من تل أبيب، فتخفت الأصوات العربية المعجبة بشيراك وتلوذ بالصمت..
فماذا حدث؟
لا يمكن فهم
هذا الانعطاف في المواقف الشيراكية إلا ضمن السباق نحو الإليزيه، حيث إنه سيخوض الانتخابات
الرئاسية الفرنسية على الأرجح إلى جانب الرئيس الحالي ميتران ومیشار روکار الاشتراكي
وريمون بار رئيس الوزراء السابق في عهد جيسكار ديستان، وقد أشارت استطلاعات مبكرة للرأي
العام الفرنسي في الآونة الأخيرة إلى أن شعبية جاك شيراك قد انخفضت، حيث بلغت نسبة
أنصاره في الدور الأول من الانتخابات %17، بينما تجاوزت نسبة أنصار ريمون
بار 25% وبلغت
نسبة أنصار ميتران 40%، مما يفسح المجال لإجراء دورتين قد ينتصر فيهما ميتران على بار
بنسبة 52% من الأصوات.
من المعروف أن الاشتراكية الفرنسية أقرب
إلى الصهاينة من الديغولية التي ينتمي إليها جاك شيراك، ومازال الصهاينة يذكرون تلك
المواقف الجريئة التي وقفها ديغول من اليهود عامة ومن قضية الشرق الأوسط بالخصوص، ويبدو
أن شيراك قد استوعب أخيرًا درس سقوط جیسکار دیستان وصعود ميتران إلى كرسي الرئاسة الفرنسية.
فقد كان اللوبي الصهيوني الضاربة أذرعه في دوائر القرار الاقتصادي والسياسي وراء إسقاط
دستان سنة 1981 ودفع الاشتراكية الفرنسية لأول مرة إلى قصر الإليزيه، وقد رد ميتران الجميل بأن
قام بأول زيارة له كرئيس جمهورية إلى فلسطين المحتلة، كما أحاط نفسه بالعديد من الخبراء
والمستشارين اليهود أو ذوي الميول اليهودية.
قد يتساءل البعض عن مدى أهمية اللوبي الصهيوني
في فرنسا وهل يمكن مقارنته باللوبي الصهيوني في أميركا؟ وتجيب الإحصاءات الأخيرة بأن
عدد اليهود الإجمالي في فرنسا لا يتجاوز ٦٥٠ ألف شخص وأن من ينتخبون منهم لا يمثلون
أكثر من ١٥٠ ألف صوت، وهذا عدد ضئيل لا يكاد يذكر مقارنة بحجم المنتخبين الفرنسيين،
لكن خبير مؤسسة الاستقصاء «أيفدب» يقول إن الرقم اليهودي يتضاعف عشرات المرات بسبب
وجود اليهود في كل المراكز الحساسة في الإعلام والاقتصاد والتجارة والجامعات وغيرها،
وكل اليهود يعرفون كيف يستثمرون ما لديهم لتوسيع رقعة نفوذهم على الساحة الفرنسية.
وإذا كان جاك شيراك يتهيأ لمنافسة ميتران
في الانتخابات الرئاسية القادمة فعليه أن ينافسه من الآن على إظهار الود للصهاينة،
سواء كانوا فرنسيين أو إسرائيليين، وقد تنبه جاك شيراك مبكرًا لهذه المسألة فسارع إلى
محو آثار تصريحه للواشنطن تايمز حول مسؤولية الموساد في تدبير محاولة تفجير طائرة العال،
وذلك في حديث مضاد للصحيفة الإسرائيلية «يديعوت أحرونوت» بتاريخ 15/8/1986، وهو يعرف
أن هذا الحديث الصحفي يسبقه إلى تل أبيب ليمهد له الجو ويسهل عليه وضع القلنسوة اليهودية
المنسوجة من أضعاف مضاعفة لـ150 ألف صوت يهودي على رأسه والظهور بها ربما في موكب دعائي
أمام حائط المبكى.
وفي الحقيقة كان هناك أكثر من سبب وراء
زيارة شيراك الأخيرة للكيان الصهيوني، أهمها أن إسرائيل كانت دائمًا ضد السياسة الديغولية
النظيفة ولا تريد لهذه السياسة أن تعود لتقود فرنسا من جديد، لأن الجنرال ديغول هو
الذي جمد العلاقات الودية الفرنسية الإسرائيلية وحظر بيع الأسلحة الفرنسية إلى إسرائيل
منذ احتلالها لبعض الأراضي العربية في حرب 1967، وديغول هو القائل: إن اليهود بمثابة
ألغام متحركة داخل المجتمع الفرنسي. وبما أن شيراك هو الذي يمثل الديغولية في المعركة
الانتخابية والحريص على أصوات اليهود لرفع صيده الانتخابي، كان لابد أن يدغدغ مشاعر
إسرائيل لكسب مودتها وإزالة جليد كراهيتها الديغولية، فرأى شيراك أن الطريق إلى أصوات
اليهود في فرنسا يبدأ من تل أبيب، فقصدها في زيارة رسمية ليكون أول رئيس وزراء فرنسي
يزور الكيان الإسرائيلي، ليتساوى مع ميتران الذي كان أول رئيس جمهورية فرنسي يقوم بمثل
هذه الزيارة.
وقد حاول شيراك كسب ود أصدقائه اليهود بتصريحات
رنانة، وكان موقفه واضحًا وقويًّا تجاه موضوع هجرة اليهود إلى إسرائيل سواء من سوريا
أو الاتحاد السوفيتي. كما أكد لهم أنه سيقوم بتشجيع الفرنسيين على شراء البضائع الإسرائيلية
والمستثمرين الفرنسيين على استثمار أموالهم في فلسطين المحتلة، كما اتفق مع الكيان
الصهيوني على تعزيز التعاون العلمي والتكنولوجي بين فرنسا وإسرائيل.
في حديثه لــ «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية،
أيد جاك شيراك الطروحات الصهيونية فأعلن رفضه لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة وقال: ليس
من العبث أنني لم ألتقِ حتى الآن بياسر عرفات وأنني من بين رجال السياسة الفرنسيين
الذين رفضوا مبدأ أن تكون منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب
الفلسطيني.
وذكر شيراك أنه علم من الإذاعة وهو يحلق
ذقنه ذات صباح بفتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية (على الرغم من أنه كان رئيسًا للوزراء).
وبالتالي حمل جيسكار ديستان مسؤولية ذلك وقال: «إن كل الأمر كان بتدبير من القصر الرئاسي
فاعترضت غير أنني حرصت على عدم إحداث أزمة سياسية».
لم نكن نسمع عن مشكلة لليهود في سوريا حتى
نسب الكلام عنها إلى جاك شيراك، وإذا كان لا يهمنا ما تضخمه الصحافة الصهيونية، فإن
الذي يلفت نظرنا أن رئيسًا للوزارة الفرنسية ومرشحًا للرئاسة الفرنسية يلتزم بعدم زيارة
بلد عربي ما لم تسهل حكومته هجرة اليهود المقيمين فيه.
إن هذا الالتزام يشكل تدخلًا في الشؤون
السورية الداخلية، وهو ضرب من الضغوط المجانية الذي لا يمكن فهمه إلا بوضعه في سياق
خطب ود الصهاينة والقبول بمقولاتهم، وإذا كان اليهود في سوريا لا يتجاوز عددهم الألفين
فأولى بجاك شيراك أن يعلن التزامه بعدم زيارة موسكو ما لم تحل قضية اليهود السوفييت.
وقد حاولت أوساط فرنسية تلطيف هذا الخبر عندما سربت ما مفاده أن شيراك وشامير اتفقا
على إحاطة هذه القضية بالسرية بسبب حساسيتها، ولكن المتحدث الصهيوني أشاعها، مما دعا
شيراك أن يعدل كلام المتحدث الصهيوني قائلًا: إنه لم يذهب إلى حد المطالبة بتسوية مشكلة
اليهود السوريين بالكامل، بل إنه التزم بعدم زيارة سوريا ما لم يتحقق تقدم ملموس تجاه
اليهود السوريين الراغبين في الهجرة، وبشكل خاص تجاه 500 أو 600 فتاة يهودية سورية
يرغبن في مغادرة سوريا.
أين المسلمون؟
ورغم أن جاك شيراك مدرك لثقل المسلمين وأثرهم
المحتمل في الانتخابات الرئاسية، إلا أنه يبدو أن المسلمين أنفسهم لا يدركون هذه القيمة
الانتخابية الهامة التي يتمتعون بها؛ نظرًا لكونهم الأغلبية الثانية في المجتمع الفرنسي.
اليهود الفرنسيون رغم أنهم أقل عددًا من المسلمين، إلا إنهم تمكنوا من التأثير، بل
السيطرة على نتائج الانتخابات الفرنسية بمختلف أنواعها؛ وذلك بفضل ترابطهم وتوحيد كلمتهم
عند التوجه نحو صناديق الاقتراع. أما المسلمون رغم كثافة عددهم وانتشارهم في كثير من
المدن والقرى الفرنسية لم نسمع عنهم صوتًا ولم يظهر لهم أي تأثير في الانتخابات؛ وهذا
يرجع في الأرجح إلى عدم ترابطهم في اتحاد عام واحد، بل كل من ينتسبون في أصولهم إلى
منطقة واحدة أو دولة واحدة يكونون جمعية أو رابطة لا تكاد تكون هناك صلة تذكر بينها
وبين الجمعيات والرابطات الإسلامية الأخرى في المجتمع، بل قد توجد بين بعض تلك الهيئات
الإسلامية خلافات مذهبية أو طائفية تحول دون أي لقاء بينهما، أضف إلى ذلك قلة الوعي
السياسي لدى معظم المسلمين في فرنسا، لأن أغلبهم من العمال الذين يقضون حياتهم بين
المصانع ومتطلبات الحياة الضرورية التي ترتفع أسعارها يومًا بعد يوم.
هل يجني شيراك ثمار توجهه الصهيوني؟
كل الدلائل تشير إلى أن الصهاينة مازالوا
يراهنون على ميتران وعلى الحزب الاشتراكي وهم يقرأون المعطيات الفرنسية قراءة جيدة،
وإذا التقت مصلحتهم مع مصلحة جاك شيراك كان بها، وإذا لم تلتق المصلحتان أخذوا ما يريدون
من المقبل عليهم ثم نفضوا أيديهم منه.
فهل يا ترى يغير شيراك هذه المعادلة الصعبة
أم أنه سيخرج من معركة الرئاسة بقلنسوة يهودية لا تساوي ثمن الخيط الذي صنعت منه؟