العنوان الوعي الحضاري ومقوماته المجتمعية (٢ من ٢)
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 07-أكتوبر-2006
مشاهدات 83
نشر في العدد 1722
نشر في الصفحة 66
السبت 07-أكتوبر-2006
تحدثنا في العدد الماضي عن الوسيلة الأولى التي تعين على تعميق الوعي المجتمعي لدى الأفراد والمؤسسات لتنهض المجتمعات نحو الرقي والتقدم، واليوم نتحدث عن ٤ وسائل أخرى:
٢- أهمية تعميق الإحساس بروح الانتماء للمجتمع المسلم الذي يعيش فيه بأفراده ومؤسساته الرسمية ولا يتعمق هذا الإحساس للانتماء في نفوس الأفراد إلا بقدر الثقة المتبادلة والمنفعة المتحققة بينهم وبين مؤسسات الدولة المختلفة «السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها». وعندما يحس الفرد بالدونية والإهانة والاستغفال ويحرم حقوقه المشروعة ينعكس ذلك على أدائه لواجباته المناطة به، وينقلب تفكيره واهتمامه نحو الفردية المطلقة التي تخدم مصالحه الخاصة، ولو أضرت بالآخرين وأنانية مفرطة يأنف بها عن التضحية لوطنه أو التعاون مع الآخرين، ولو زدنا أنواع العقوبة لهم لما زادهم إلا نفورًا واستكبارًا أو بعدًا عن ظلال المجتمع الذي نشأوا فيه.
٣- إن وجود الأنظمة والقوانين التي تحكم حياة الأفراد وتنظم المجتمع شرط في تقدم المجتمع ورقيه لأنها تكون تجسيدًا لمبادئ المجتمع في الحقوق والواجبات، ولذلك تجده في المجتمعات المتمدنة يظل محترما من الكل، كما كان عليه العهد في صدر الإسلام.
أما في المجتمعات المتخلفة فإن القانون يكون أداة لتأمين مصالح الجهات النافذة ولذلك فإنه لا يلقى التقدير من أحد، ولا يشايعه إلا المستفيدون منه، ولهذا يصبح تطبيق القانون مظهرا من مظاهر الانهيار الاجتماعي، وسببًا من أسباب الهلاك؛ لأنه يصبح أداة ظلم وإفساد.
وإلى هذا أشار محذرًا أمته بقوله: إنما أهلك الذين كانوا قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد([1])
ومعظم مجتمعات الأرض محكومة اليوم بقوانين ودساتير، ولدى حكوماتها نظام قضائي عتيد، لكن المجتمعات التي ليس لها من المدنية سوى القشور مصابة بداء «الازدواج القانوني» حيث إن لديها -بجوار كل قانون مكتوب- قانون غير مكتوب، وهذا الأخير هو الوجه والقانون المكتوب هو القناع والحق دائما مع من يدفع أكثر أو يخيف أكثر([2]).
إن التنظيم القانوني والردع والجزاء عليه يعتبر من الضرورات لحماية المجتمع من تمرد أو تهاون بعض أفراده لكن العقوبات في قوانين التحضر لا تنشئ مجتمعًا أبدا ولكنها قد تحميه والناظر في آيات الحدود والعقوبات يجد أنها لا تشكل عشر آيات القرآن الكريم، أما الباقي فهو يستهدف بناء الإنسان من الداخل بتنمية وعيه بمراقبة ذاته وتقويم سلوكه.
4-المناخ الذي يصنع فيه الوعي المجتمعي يتطلب استعدادا حقيقيا من كل الفئات العرقية والطبقات الاجتماعية وأصحاب الأفكار والثقافات للتنازل عن جزء من خصوصياتهم الفكرية والاجتماعية لصالح الإطار الوطني العام الذي يراد للجميع الاندماج فيه، وهذا الإحساس بالآخرين والتضحية من أجلهم أهم درجات الرقي في الحياة المدنية، والمتأمل في الأثر الإسلامي الذي مر على الجزيرة العربية المتصارعة على النفوذ والمتقاتلة على أتفه الأسباب يجد أن الإسلام جمع شتاتهم ودمجهم على اختلافهم وتباينهم في فترة يسيرة وفي هوية حضارية واحدة ينتمي لها طيف واسع من البشر.
ولا بأس أن نتعلم من الحشرات شيئًا من التضحية والتفاني من أجل الآخرين كما هو الحال في مجتمع النحل عندما يتسابق ذكور النحل على عملية التلقيح والتي تؤدي بحياتهم إلى الموت مباشرة، إلا أنها تقدم عليه، وكأنها تفدي النوع بحياتها ([3])
من أهم مقومات الوعي المجتمعي تفعيل دور المؤسسات التربوية والتعليمية والإعلامية في رفع مستوى الوعي لدى الأفراد والمجتمع في جميع شؤون حياتهم، فالمدارس والجامعات والأسر والمناهج الدراسية والمعلمون والخطباء وأئمة المساجد، كل أولئك يجب أن يسهموا في هذا المشروع العظيم، ويتكاتفوا في تحقيقه تحت شعار ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ ﴾ (التوبة: 105).
كما أن الإعلام يعتبر في العصر الحاضر من أهم وأخطر الوسائل في تقدم الأمم أو تخلفها، وما لم يحمل مبادئ وقيما حضارية رائدة يترفع فيها عن الابتذال والإثارة ومحاكاة الغير بعمى وقلة بصيرة، فإنه وسيلة هدم سريع مهما كان البناء عتيدًا ومهما كان البناة كثرًا.
والمتابع لدور هذه المؤسسات يلحظ عظم التخلف في تحقيق هذا الدور، وما يقام منه لا يعدو أن يكون نسخًا مقلدة من ثقافات الغرب ترسخ التبعية.
أكتفى بهذه الإشارات السريعة، ولعل ما يثور في الذهن والنفس من تساؤلات وإشكالات هو في حد ذاته وسيلة لإيقاظ الوعي، لعله يرشد إلى البناء ويشعل قناديل النهضة والتقدم في أنفسنا ومجتمعنا.
___________________________
الهوامش
([1]) رواه البخاري «٣٩٦٥».
(2) انظر: تجديد الوعي، ص ۱۲۸.
([3]) النظر: مدخل إلى التنمية المتكاملة- رؤية إسلامية للدكتور بكار ص ٢٩٣، ٢٩٤.