العنوان احذروا التنازل عن القدس تحت أي غطاء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-2000
مشاهدات 65
نشر في العدد 1406
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 27-يونيو-2000
يتردد في الأوساط الإعلامية والدبلوماسية أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت في إجراء اتصالات مع بعض الدول العربية والإسلامية من أجل تأمين دعم هذه الدول لأي اتفاق يتم التوصل إليه عبر مفاوضات التسوية الاستسلامية بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني بشأن القدس.
وتشير المصادر إلى أن الأفكار الرئيسة المتداولة في تلك الاتصالات تركز على أمرين: أولهما الفصل بين المضمون السياسي لقضية مدينة القدس وبين المضمون الديني لها، وثانيهما إبقاء القدس تحت السيادة الإسرائيلية على أن تدير السلطة الفلسطينية الأماكن الإسلامية فقط.
ويبدو أن تسريب مثل هذه الأفكار يأتي محاولة للبحث عن مخرج لإنقاذ المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني بعد أن وصلت إلى طريق مسدود، لا لأن الجانب الفلسطيني يرفض تقديم المزيد من التنازلات فهو لم يعد يملك شيئًا يمكنه التنازل عنه، وإنما لحرص الجانب الصهيوني على المبالغة في إهانة الجانب الفلسطيني «والاستخفاف به» على حد قول صائب عريقات عند إعلانه وقف إجراءات التفاوض في وقت سابق من هذا الشهر، الأمر الذي حدا بياسر عرفات إلى الاستنجاد بالرئيس الأمريكي بيل كلينتون كي يتدخل بالضغط على الجانب الإسرائيلي وإنقاذ الموقف، وبالرغم من أن المفاوضات قد استؤنفت بعد أيام من توقفها، إلا أن الموقف الإسرائيلي لم يتزحزح، كما أن الرئيس الأمريكي لم يفعل شيئًا من شأنه الضغط على الكيان الصهيوني الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، وكان عرفات في استنجاده بكلينتون كالمستجير من الرمضاء بالنار.
فالرئيس الأمريكي -دومًا- محصن ضد الضغط على إسرائيل، ليس فقط لتجنب إغضاب اليهود، الذين تعج بهم الإدارات الأمريكية المختلفة ويتبوءون فيها أعلى المناصب وإنما أيضًا لمقتضيات السياسة الخارجية الأمريكية التي رسمها اليهود والتي توهم الأمريكيين أن وجود إسرائيل هو أحد أهم مرتكزات ضمان المصالح الأمريكية في المنطقة، وأن أي ضرر يلحق بها هو في الوقت نفسه ضرر بالمصالح الأمريكية، وعندما تمارس الإدارة الأمريكية ضغوطًا فهي تمارسها على الجانب العربي عامةً والفلسطيني بصفة خاصة، وتوظف ما لديها من أساليب الترغيب والترهيب لتحقيق أهدافها وأهداف الكيان الصهيوني، وهذه حقيقة لم يعد يجهلها أحد، وتؤكدها تصريحات الساسة الأمريكان والإسرائيليين في آن واحد، ومن ذلك ما صرحت به مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية من أن بلادها ترفض دعوة إسرائيل لتطبيق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين على غرار ما فعلته بشأن القرار ٤٢٥ الخاص بجنوب لبنان، ويتفق هذا التصريح مع إعلان باراك بأنه طلب من الوفد الإسرائيلي المفاوض «عدم طرح موضوع القدس على مائدة المفاوضات».
وفي سياق الوضع الراهن المتعلق بمفاوضات التسوية ومحاولة التوصل إلى اتفاق بشأن القدس، إلى جانب القضايا الأخرى المتروكة لمفاوضات الحل النهائي، فإن من المهم للولايات المتحدة أن تسعى لتأمين غطاء إسلامي - حكومي رسمي لإضفاء قدر من الشرعية على الاغتصاب الصهيوني لمدينة القدس على وجه الخصوص لما لها من أهمية عند المسلمين.
وإذا صح فعلًا أن الولايات المتحدة تسعى في هذا الاتجاه فهل ستجد إجابة لدى حكومات الدول العربية والإسلامية؟
إن مجريات الأحداث في الواقع العربي الإسلامي على المستويات الرسمية الحكومية لا تبعث على التفاؤل ولا تبشر باحتمال وجود موقف قوي في مواجهة الصلف الصهيوني والضغوط الأمريكية، ولكننا نذكر الجميع -شعوبًا وحكومات- بأن فلسطين أمانة في أعناقهم، وأن التفريط في شبر واحد من أرضها هو خيانة عظمى وكارثة كبرى وأن التعلل باختلال موازين القوى لصالح العدو حجة واهية أسقطتها المقاومة الباسلة في جنوب لبنان وستسقط أيضًا إذا توافرت روح الجهاد والاستشهاد في سبيل الله.
إن أمام حكومات الدول العربية والإسلامية فرصة في اجتماع «منظمة المؤتمر الإسلامي» الذي سينعقد قبل نهاية هذا العام في عاصمة دولة قطر كي تبرئ هذه الحكومات ذمتها أمام الله وتثبت جدارتها بحكم شعوبها وانتمائها إلى أمتها، وذلك بأن تعلن رفضها كحد أدنى لمسلسل التنازلات المهينة التي تجري في حق فلسطين ومقدساتها وشعبها المشرد بالملايين، وأن تدعم روح الجهاد والمقاومة ضد الاحتلال الغاصب داخل فلسطين، وترفض كل الإجراءات والمحاولات الساعية للتطبيع مع الكيان الصهيوني وتترك لشعوبها حرية الجهاد من أجل فلسطين ومناصرة أهلها بشتى الوسائل الممكنة حتى يتم تحرير كامل أرضها وتطهير المسجد الأقصى من دنس الصهيونية المغتصبة، ونحن واثقون بنصر الله، ولكن نصره لا يتنزَّل إلا على المؤمنين المجاهدين المعتصمين بحبل الله جميعًا ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (سورة آل عمران، آية: 13).