; إيران على أعتاب الانتخابات.. نهاية «الجمهورية الثالثة» | مجلة المجتمع

العنوان إيران على أعتاب الانتخابات.. نهاية «الجمهورية الثالثة»

الكاتب محمد ناصري

تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001

مشاهدات 67

نشر في العدد 1451

نشر في الصفحة 42

السبت 19-مايو-2001

*الجيل الثالث يملك مفاتيح صناديق الاقتراع والصراع على أشده بين المحافظين والإصلاحيين لاستقطابه.

تستعد إيران لإجراء الانتخابات الرئاسية للمرة الثامنة منذ الثورة، لتطوي بذلك صفحة الجمهورية الثالثة، التي «بلورت» الإصلاحات الثورية، وتحل مرحلة جديدة تعني مزيدًا من الانفتاح، وهو أمر يراه المراقبون محل نزاع إذا تمكن الرئيس محمد خاتمي من الفوز بالرئاسة لفترة ثانية. 

انقضت المرحلة الأولى من عهد الثورة بوفاة آية الله الخميني عام ١٩٨٨م، وحلت المرحلة الثانية مع رئاسة هاشمي رفسنجاني، الذي تولى نقل إيران من مرحلة التحفظ إلى مرحلة «الإصلاحات» متزامنًا مع خروج إيران من مرحلة الحرب مع العراق إلى مرحلة إعادة البناء. وقد أوشكت هذه المرحلة على الانقضاء بانتهاء رئاسة خاتمي، بينما هو وأتباعه يحاولونإدخال البلد في المرحلة الرابعة، بينما يعتقد المحافظون أن الإصلاحات المطروحة تعني التخلي عن كل مبادئ الثورة والعودة إلى ما كانت عليه إيران في زمن الشاه. 

عندما انتصرت الثورة عام ۱۹۷۸م بمشاركة شعبية واسعة، ظن «الثوريون الممثلون» في حزب الجمهورية أنه يجب التفرد بالسلطة، فالشعب قد اختار الحل الإسلامي وحسب، ومن ثم فلا معنى لوجود أحزاب معارضة على الساحة السياسية، كما أن الشعب وبسبب من ممارسات الحكومات السابقة لم يكتسب بعد المؤهلات اللازمة لمزاولة حقوقه الدستورية والسياسية، ومن ثم فلا معنى للديمقراطية. على أنه بعد انقضاء قرابة تسعة عشر عامًا في ظل الجمهورية وبالذات في عام ١٩٩٧م، كان لا بد من توفير الفرصة للشعب لممارسة الاختيار الصحيح، فأجريت انتخابات حرة، وكانت النتيجة أن صوت الشعب لصالح تغيير ما أوصل محمد خاتمي إلى السلطة، الأمر الذي كان بمثابة دق جرس إنذار لمصير الثورة، ومنذ ذلك الحين والفريق الإصلاحي يحاول كسب أصوات الناخبين كما يحاول عبثًا انتزاع السلطات من أيدي المحافظين. وكانت حصيلة مساعي خاتمي دفع الشعب كي يختار فريقًا آخر غير الثوريين في انتخابات مجلس الشورى في مارس الماضي، مما أوجد توازنًا سياسيًّا بين قطبين متعارضين متساويين في الكم والكيف. هنالك بدأ الصراع لأول مرة منذ الثورة، وها هم المحافظون اليوم يقفون أمام محاولة ثانية، ومن ثم يبذلون قصارى جهودهم لإفشال خطة انتقال السلطة بصورة كاملة. وقد وعى خاتمي ذلك جيدًا، ولذلك تردد في الترشح فترة طويلة.

 جيل أكثر ثقافة وأقل حماسة

ويتميز الجيل الثالث من أبناء الثورة عن أسلافه بأنه أكثر ثقافة، وأقل حماسة. وبينما لا يجد عقبة باسم الحرب أمام طموحاته، يواجه تحديات من نوع آخر أهمها البطالة، فوفقًا لإحصائية غير حكومية وصلت نسبة البطالة إلى ١٦%، للشباب منها نصيب الأسد على النحو الآتي:

- ١٥% من متوسطي الأعمار والمسنين (٤٤,١مليون نسمة).

- ٢٥% بين الشباب غير المتعلم (٢,٤ مليون).

- ٦٠% بين الشباب المتعلم (٧٦,٥ مليون).

وقد خلفت الظاهرة ظواهر أخرى بدورها ليست أقل من الظاهرة الأم، فشريحة مهمة من الشباب بدأت بالعزوف عن استكمال التعليم العالي وهي تكتفي بدراسة الكمبيوتر وأعمال وظيفية أقل كلفة وأسرع مردودًا. أما الظاهرة الأخرى فهي تتمثل في ظاهرة هروب الأدمغة، الأمر الذي يكلف إيران سنويًّا مليارين من الدولارات، كما تشير إحصائية أخرى إلى أن ٢٥% من المتعلمين هربوا بالفعل للخارج. من هذا المنطلق تبرز مطالب الشباب بالتغيير السياسي والارتقاء الاجتماعي والتطور الاقتصادي، وهم يملكون القوة التي تمكنهم من إسماع أصواتهم؛ حيث يقررون مصير المجتمع عبر الإدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع لصالح هذا أو ذاك. 

كما تحولت الجامعات هي الأخرى إلى حقول تجارب سياسية، يدل على ذلك قيام مظاهرات في كبرى المدن الإيرانية بين الفينة والأخرى كما حدث في مدينة خرم أباد في أواخر الصيف المنصرم. وينبع قلق المراقبين من حيث إن شباب الجيل الثالث لم يصلوا إلى رشدهم لدرجة تجعلهم مؤهلين لانتخاب الأصلح، ويدل على ذلك تحول شريحة ملحوظة من الشباب المتحمس قبل عقد من الزمن إلى جيل تتفشى فيهم بشدة ظواهر اللامبالاة والإدمان، وقد تحولوا إلى مجرد أداة وورقة مساومة بيد هذا أو ذاك. وحيث إن الشباب يمثلون السواد الأعظم من الناخبين، فإن كلا الجناحين يهتم باستقطابهم. وقد تبنى المحافظون شعارات للعام الإيراني الجاري، منها تقوية العزة الوطنية، وخفض البطالة، وذلك لجلب أصوات الشباب.

الإفراط والتفريط: من الممكن وضع الجدل السياسي السائد في إيران بين المحافظين والإصلاحيين تحت عنوان «الإفراط والتفريط»، وهاتان ظاهرتان تسيطران على الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في إيران، فإذا كانت إيران قد عانت تحت حكم الشاه من التحرر المفرط المفسد الذي تطلب وضع حد له، نجد أن الثورة وقعت في القطب المعارض في محاولتها قلب النظام السائد وتحويل المجتمع الفاسد إلى مجتمع صالح بين عشية وضحاها. وقد عالجت الجمهورية ظواهر اجتماعية أخرى على الوتيرة نفسها، فوضعت شعار «ولنجعل إيران مدرسة» للتخلص من ظاهرة الأمية التي هي أم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وحثت الشعب على الإقبال على الدراسة وكسب العلم، وفتحت مزيدًا من الجامعات الحكومية، وسمحت بإقامة جامعات غير حكومية ومفتوحة. وهكذا خلال أقل من عقدين تخلصت إيران من ظاهرة الأمية لتدخل في شرك ظاهرة أكثر تعقيدًا وهي «البطالة» في أوساط المثقفين. فخريجو الجامعات لا يجدون فرصًا للعمل بالرغم من التكاليف التي تكبدوها. وامتدادًا لظاهرتي الإفراط والتفريط نجد أن بطل كرة القدم يصبح نجمًا يستحق كل الثناء إذا حصل على نقطة في مباراة، ثم لا يلبث أن يلام ويستحق كل العقوبات إذا تسبب في خسارةنقطة في المباراة التالية.ونعود إلى موضوع الانتخابات حيث الاستقطاب شديد بين محافظين متشددين وإصلاحيين مفرطين، لنناقش أسباب التردد الطويل الذي لازم خاتمي قبل اتخاذه قرار الترشح في الانتخابات:

أولًا: يخشى خاتمي تدمير ما بنى في فترة رئاسته الأولى، إذ من الصعب أن ينفذ عهوده. ويؤكد بعض المراقبين أن خاتمي الذي فاز في الانتخابات الرئاسية في مايو ۱۹۹۷م بغالبية ٧٠% من الأصوات قد لا يجد فرصة جيدة أمامه للفوز بفترة رئاسة ثانية بالسهولة التي أحرز بها الإصلاحيون الأغلبية في مجلس الشورى العام الماضي، حتى وإن دافع خاتمي عن نفسه بأنه صرف معظم وقته دفاعًا عن برامجه ولم يجد فرصة كبيرة لإحراز تقدم حقيقي. فالصراع على كرسي الرئاسة ليس صراعًا بين شخصين، بل هو صراع بين جناحي النظام، والمحافظون غير راغبين في أنيكون خاتمي «جورباتشوف» الثورة الإيرانية. 

ثانيًا: كانت هناك مخاوف شخصية حسبما تناقل بعض الصحف الإيرانية -من أن تنزع الصلاحيات من خاتمي، إذ إن بعد الانتهاء من تسجيل الترشحات يبت مجلس مراقبة الدستور -الهيئة التي يسيطر عليها المحافظون- في صلاحية المرشحين. وفي ضوء ما سبب خاتمي من صداع للمحافظين في الفترة الماضية، لا يستبعد ألا يكون المحافظون غير راغبين في مجيئه مرة أخرى.

ثالثًا: يخشى خاتمي ما يسميه العامة في إيران انتقادات «بني إسرائيلية» حيث إن مجرد إعلانه عزمه خوض الانتخابات تبدأ حملة الانتقادات الشرعية وغير الشرعية -التي يسميها العامة بانتقادات بني إسرائيلية- وكلما قصرت فترة الترشح، كانت فرصة النقد له أقل.

هل يفوز خاتمي؟

ويثار التساؤل: هل سيفوز خاتمي في الانتخابات المقبلة؟ الجواب يتراوح بين الإيجاب والسلب. وقد أشار استطلاع صحفي إلى أن خاتمي يمكن أن يحوز نسبة ٦٥%، فالبعض يرى أن فوز خاتمي أمر طبيعي، إذ هو يمثل نهاية المرحلة الثالثة التي بلورت الإصلاحات الثورية، كما أنالغرب يتعاطف معه بصورة جلية. 

الاتجاه الثاني ويمثله المحافظون يقول إنه لا داعي لبقاء خاتمي، إذ إنه صاحب الإصلاحات الغامضة، ولم تكلل محاولاته بالنجاح في مجال الإصلاحات الاقتصادية -باعترافه شخصيًّا- وقد زاد معدل البطالة، كما أنه كان فاشلًا في الإصلاحات الاجتماعية المتمثلة في سلوكيات الجيل الثالث. ويتساءل بهزاد نبوي نائب المتحدث باسم البرلمان: «هل لديه -خاتمي- شيء آخر يقدمه؟ إنه لم يقدم شيئًا وليس لديه شيء آخر، فلماذا يبقى في الرئاسة؟ ويرى بعض المراقبين أنه من المستبعد أن يقبل المحافظون بالهزيمة هذه المرة بعد هزيمتهم في انتخابات مجلس الشورى في فبراير من العام الماضي، حين خسر المحافظون ولأول مرة منذ الثورة عددًا كبيرًا من المقاعد لصالح الإصلاحيين. ومن هنا يصعب أن يحظى خاتمي بالنجاح. 

ویرى المراقبون أن الناخبين الإيرانيين سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع دون أن يحصلوا على مدة زمنية لكسب المعلومات الكافية عن برامج المرشحين والأحزاب التي ينتمون إليها، فضلًا عنأن المرشحين أيضًا لم يقدموا برامجهم، مما يعكس واقع تغليب تأثير الشخصيات على البرامج. ولا شكأن هذا الغموض يؤثر سلبًا على الناخبين ويقلل من حرية الاختيار.

مجلس صيانة الدستور يستبعد غالبية المرشحين

استبعد مجلس مراقبة الدستور غالبية المتقدمين بترشيحاتهم لانتخابات رئاسة الجمهورية، وأبقى على ٤٦ منهم فقط حتى الأسبوع الماضي ستتم تصفيتهم في مرحلة لاحقة. 

كان عدد المتقدمين للانتخابات الرئاسية بلغ ٨١٤ شخصًا، تبقى منهم ٤٦ مرشحًا ستتم تصفيتهم قبل إعلان القائمة النهائية للمرشحين الذين سيخوضون انتخابات الثامن من يونيو المقبل، توكلي أكبر تحد لخاتمي من جانب المحافظين لخاتمي، ويتوقع أن تضم القائمة النهائية عشرة أشخاص بينهم خاتمي ووزير الدفاع علِي شمخاني وخمسة وزراء آخرين. 

كان من بين المتقدمين ٤٥ امرأة وأكثر من سبعين من القيادات الدينية، ويمثل وزير العمل السابق أحمد توكلي أكبر تحد لخاتمي من جانبالمحافظين لخاتمي. وكان مجلس مراقبة الدستور المكون من ۱۲ شخصًا والمكلف بالتحقق من مدى الالتزام الديني للمرشحين قد أقر أربعة مرشحين فقط من بين أكثر من مائتي مرشح لخوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام ١٩٩٧م، وفاز فيها خاتمي بنحو ۷۰% من الأصوات على منافسِه رئيس البرلمان السابق علِي ناطق نوري.

ويضم هذا المجلس ستة من علماء الدين يعينهم المرشد الروحي للجمهورية علي خامنئي، بينما يختار البرلمان الأعضاء الستة الآخرين من رجال القانون وفقًا لقائمة محدودة يقدمها رئيس السلطة القضائية الذي يعينه خامنني. 

وتبدأ الحملة الانتخابية في التاسع عشر من مايو الجاري وتستمر حتى قبل يوم من فتح مراكز الاقتراع.

الرابط المختصر :