العنوان شياطين الإنس.. هل تهدأ في رمضان أو تتوارى؟!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2012
مشاهدات 41
نشر في العدد 2012
نشر في الصفحة 43
السبت 21-يوليو-2012
يأتي رمضان موسم العباد والركع السجود، فيسكب نوره في الصدور، ورحيقه في القلوب، وهداه في النفوس، وجلاله في الأفئدة فتذهب الأوضار، وتطرد الآثام، وتزول الهموم.
رمضان.. موسم التقوى والخشية والمراقبة والقربى يشعر الناس فيه بالمعية الإلهية والحضرة القدسية، والعناية الربانية، فتسأل القريب المجيب، وتناجي العزيز الحبيب وتنال الإجابة، وتحظى بالرضوان، وتفوز بالمغفرة إن شاء الله رمضان.. نسائم القرآن وروائح الجنان، ومنائح الرحمن، يضاعف الله فيه الأجر، ويجزل الثواب، ويكثر الخير من أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، ومن تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، تطيب فيه الأفواه، وتطهر به الألسنة، فخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتصان فيه الفروج، وتمنع فيه الآثام، لأنه جنة من الزلل، ووقاية من المعاصي، وحصن من السيئات. رمضان.. لا عدل له؛ لأنه مغفرة لما تقدم من الذنوب، ومطهرة لما تأخر من الأعمال ودعوة لا ترد من القصاد، أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، شفيع يوم الدين نصف الصبر، والصبر ثوابه الجنة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10)
لا يخيب فيه سؤل، أو يطرد عنه محروم، عطاؤه عامر، وفيضه عميم، قد توج بليلة القدر وشرف بنزول القرآن، وبورك بنزول الملائكة فيه صفدت الشياطين، ورفعت راية الموحدين وبرزت فيه نصرة المسلمين في بدر، وتم به فتح الله في مكة، فكان هو الفوز في البدء والختام والفرح بالسيادة والإيمان، فوجب الفرح والتعظيم، والشكر لله لما أولانا فيه من النعم وحبانا فيه من الرحمات والطيبات. مَنْ حُرم فيه فهو المحروم، ومن طرد فيه فهو المطرود «بعد من أدرك رمضان ولم يغفر له»، من ضل فيه عن الطريق هلك، ومن حاد فيه عن الهدى خسر إلى يوم الدين، فكم نادى مناديه: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر» سمع المتقون نداءه فأقبلوا على الله ففازوا، وأصم الآثمون آذانهم عن دعوته فبغوا وتاهوا عن الطريق، وخلف من بعدهم خلوف صعروا وجوههم، ولوثوا جباههم، وقبحوا أعمالهم، وسودوا صحائفهم. صُفدت شياطين الجن في رمضان، وانطلق شياطين الإنس ليعيثوا في الأرض فسادًا، وسلسلت مردة الأبالسة في الأيام الفضيلة، واندفعوا هم ليهلكوا الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد، فانقلبت مواسم الطاعة مباريات للمظالم، ومسابقات للعسف والجور بالمخلوقات، فسابقت في رمضان شياطين الإنس شياطين الجن، وفاقت في شهر الرحمات أبالسة البشر أبالسة الجان، في كل هلاك، وشر، وعسف، وجور، وبغي، وعتو للمسلمين الموحدين، مع جبن وخور للأعداء الغازين القاهرين.
يقول جبان القوم في حال سكره
وقد شرب الصهباء هل من مبارز؟
وأين الخيول الأعجويات في الوغى؟
أنازل منهم كل ليث مناهز
ففي السكر قيس وابن سعد وعامر
وفي الصحو تلقاه كبعض العجائز
إن الأمة الإسلامية قد بُليت بشياطين لا تتوارى على طول العام، ولا تهدأ على امتداد الأيام، لا يقلل من شرورها رمضان ولا شوال، ولا يدفع أذاها أيام قدر أو فضل، أو إحسان، أو قرآن، بل قد تهيجها هذه الأيام ويحفزها إلى البغي، ذكر الله، أو تلاوة آيات الكتاب الكريم. شياطيننا -وللأسف- كثيرة ولسوء الطالع متعددة الاتجاهات شياطين سياسية، وشياطين جنسية، وشياطين إعلامية، وشياطين الحادية، وشياطين للفساد من كل لون وجنس وقبيل، تعاهدت وتكاتفت على خراب البيوت، وفساد الأخلاق، وخنق الحريات، وضرب الصلاح والإصلاح، وحرق الأخضر واليابس، وتجد على الشر أعوانًا وعلى الخراب أصحابًا من شرق وغرب، لا ترعى لأحد إلا ولا ذمة، ولا لعرض كرامة، أو حرمة، شياطين الشرق من نوع فريد يخالف شياطين الغرب. فشياطين الغرب لا تؤذي بني جلدتها، أو تهلك قومها أو ديارها، أو تخرب مصالحهم، وإنما تنطلق لتفسد أقوامًا لا تمت لهم بصلة، أو تتصل بهم بسبب لتأخذ خيرهم، وتذهب بأسهم، وتملك أمرهم لصالح أممهم وعزة بنيهم. أما شياطيننا فغريبة أعمالها، وعجيبة فعالها، تهلك أمتها لأمرين: لصالح غيرها، أو لمجرد الإهلاك والإفساد والضياع، هي شياطين من نوع خاص خلقت لشعوبنا المنحوسة، وصنعت لأمتنا البئيسة لتهدر هويتها، وتبدد طاقتها، وتقتل عزمها.
نعم الناس من شرق وغرب بالحريات والكرامة ولكنها لا ترضى لنا بديلًا عن العبودية، وتمتع الناس بالديمقراطيات من شمال ويمين، ومن أصحاب الأديان أو عباد الحمير، ولكنها في كثير من أصقاعنا لا ترضى لنا إلا بالاقتراع الموجه في ظل الأحكام الهلامية، والتوجهات العسكرية، والمعتقلات والسجون.. شياطيننا ضد الدساتير والقوانين والعدالة والمثقفين والعباقرة، وأهل الرأي والأحرار!! شياطيننا تحب الحماقة، والجنون، والتهم، والعبودية، والفقر، والمرض، والبؤس، والتنكيل والفساد، والتعذيب، والقتل، وشرب الدماء، والانتقام، والجلد، والافتراء، وتهوى المدح والتزلف، والنفاق والطبل، والزمر. شياطيننا مسؤولة عن قتل العبقريات، وضياع المواهب، وإهدار الطاقات بمناخ فاسد، وهواء ملوث، وأجواء لا تصلح للنبوغ، وصدق القائل:
غزلت لهم غزلًا رقيقًا فلم أجد
لغزلي نساجًا فكسرت مغزلي
وبعد.. يجب أن تتوضأ هذه الشياطين قبل أن يدخل رمضان، وتغتسل على عتباته، وتتوب في لياليه، وتصوم إن أرادت أن يكتب لها الخير، أو يقدر لأمتها الفلاح، وتقلع عن الكوارث والآثام، فأمتنا إذا لم ينقذها رمضان فلا منقذ، أو يقدر لها الخير في ليلة القدر فلا فلاح، وما أظنها إلا من الفالحين، وطاردة للشياطين، ومصفدة للأبالسة، وقد هلت بشائر الفتح المبين بربيع الثورات العظيم وجاء رمضان هذا؛ ليأذن بالفرقان ويسطع بالبينات، ويفرق بين الحق والباطل في ربوع أوطاننا، فمنها من سار على الدرب، ومنها من تجاهد للوصول، وبشائر النصر تحدوها وترودها وتقودها لغد سعيد؛ وإن غدا لناظره قريب.