العنوان رؤية جديدة لفريضة الحج.. الطريق إلى حج مبرور (2)
الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق
تاريخ النشر الثلاثاء 25-ديسمبر-1973
مشاهدات 92
نشر في العدد 181
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 25-ديسمبر-1973
منهج الخروج من الخلاف في شأن الحج
إذا كان فهم الواقع الذي كانت عليه عبادة الحج في الجاهلية ضروريًا للفهم السليم لآيات كتاب الله تبارك وتعالى في شأن الحج؛ فإن حل هذا الأمر ليس عسيراً، ولا بعيداً، فتناول الأمر في كتب التفسير والحديث، ومعرفة أسباب النزول وقراءة شيء من كتب السير في هذا الشأن؛ كافٍ جدا لمعرفة هذا الأمر والوقوف على صورة واضحة لما كان عليه الأمر في الجاهلية، وما آل إليه الأمر في الإسلام.
ولكن المعضلة الحقيقية التي تجابه؛ ليس عوام الناس وحدهم، لكن خاصتهم أيضًا، ويكاد حلها يكون عصيا عنيدا هو هذا الاختلاف في شأن الحج، فأعمال الحج أعمال كثيرة، ولكل عمل مواقيت زمانية، وكيفية للأداء، ويختلف نظر العلماء إلى أهمية هذه الأعمال اختلافًا كبيرًا، فبعض هذه الأعمال قد يرى أناس أنها سنن ومكملات ویری آخرون أنها أرکان وواجبات. ويحتدم الخلاف طويلًا بشأن أمر ذي بال، وهو التمتع في الحج، فيرى بعض صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم وجوبه، ویری آخرون کراهته والنهي عنه. وهذه الأمور تجعل الفرد من عوام الناس في حيرة ودهشة. لا يدري ماذا يصنع، ولا كيف يرجح ويوفق، وليس الأمر قاصرا على العوام، بل يشاركهم في الحيرة والارتباك أهل العلم، ومن ينسبون إليه.
نحو المنهج السليم
والسبب في هذه الحيرة عند الكثير ليس الاختلاف في ذاته، ولكن السبب هو فقدان المنهج السليم لترجيح الأقوال، ومعرفة القوي منها الواجب الاتباع والضعيف الساقط الواجب الرد والإبطال، وكذلك فقدانه بصيرة التمييز بين أقوال تتعارض ظاهرًا، ولكنها لا تتعارض حقيقة ومضمونا.
وهذا المنهج السليم لترجيح الأقوال ومعرفة صحيحها وعليلها والتوفيق بين ما ظهر منه الاختلاف، وهو في الحقيقة متفق متوافق ليس عسيرا في ذاته وليس سرا من الأسرار، بل هو حقيقة بديهية يذعن لها كل مسلم ويتقبلها كل باحث. لأنها حقيقة من حقائق العقيدة الإسلامية وأصل من أصولها. ألا وهو رد الأمور المختلف فيها إلى كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- ليكون حكم الله وحكم رسوله هو الحكم الواجب الاتباع والقول الفصل في مسائل الخلاف. فهذه الحقيقة بديهية من بديهيات العقيدة الإسلامية ويكاد ألا يخالف فيها أحد لأن المخالف لذلك نصًا يكفر ويخرج من دين الله؛ إذ لا يعقل ان يقول مسلم: أنا لا أرضى بحكم الله فيما اختلف فيه، ولا أرضى بحكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأن أي عاقل يعلم أنه إن قال ذلك خرج من دين الله ولا شك.
نعم للتواضع.. لا للتعصب
ولكن العظيم في هذه المسألة أن الفرد يرى بعينيه ان هناك قولاً لعالم من العلماء أو صحابي من الصحابة الأجلاء يخالف نصًا عن الله تبارك وتعالى، أو نصًا عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فيكبر عنده أن يرى هذه المخالفة ويتهم فهمه وعقله وإدراكه ويقول، هذا الصحابي أعلم بكلام الله مني، وذلك العالم أعلم بحديث رسول الله مني ولربما كان عند الصحابي دليل آخر، وعند العالم مستند آخر لقوله وفتواه!!
وهذا الشعور في ذاته حسن وورع، لو أن الأمر كان بداية لبحث دليل من قال قولا يخالف كلام الله أو کلام رسول الله- صلى الله عليه وسلم، ولكنه ليس كذلك إذ سرعان ما يتحول هذا الشعور عند أصحابه إلى تعصب يحارب معه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وذلك أن الأمر يتوقف عند عامة الناس الذين يشعرون الشعور السالف على اتهام أنفسهم ولا يحاولون أبدًا تقبل هذه الحقيقة، وهو أن هناك أقوالا تصدر اجتهادا عن بعض العلماء تخالف أحيانا نصوصًا من الكتاب والسنة. إذ يظنون أن كل من قال نصًا يخالف الكتاب والسنة فقد زاغ وفسق. والأمر ليس كذلك؛ فكثيرًا ما يقول العالم المجتهد برأيه في مسائل يخفى عليه فيها وجود نص فيما قال.
وكثيرًا ما يفهم النص بوجه لا يكون هو المقصود الحقيقي منه. وهذا لأن العصمة والصواب دائمًا لم تتحقق إلا لمن عصمهم الله وهم الرسل.
المقياس الثابت
وعلى كل حال فحقيقة وجود أقوال لكثير من العلماء المشهورين والصحابة الكرام تخالف أحيانا نصوصًا من الكتاب والسنة حقيقة أكبر من المكابرة والجدل.
ومنسك الحج الذي نحن بصدد بيان منهج الخروج من الخلاف فيه سيعطي الدليل ساطعًا على ذلك.
واتهامنا أنفسنا الآن بالجهل والقصور وعدم إدراك هذا الاختلاف لن يحل هذه المعضلة، وسيبقينا في الحيرة والشك والارتباك، بل سيدفعنا- وقد كان- إلى أن نؤمن بالمتنافسين، ونقول هذا صواب وهذا صواب!!
وهذا معناه الفقدان الكامل للتمييز والفهم، وهذا تعطيل لنعمة العقل التي هي مناط التكليف. ورحم الله الإمام مالك بن أنس القائل متعجبًا: قولان مختلفان یكونان صوابا جميعا!!
وعلى هذا القول بأن الآراء والاجتهادات وإن اختلفت وتناقضت فهي صواب؛ شرع المقلدون الجامدون للناس أن يسلكوا في عياداتهم أي سبيل شاءوا، ويتبعوا في دينهم أي قول أرادوا، وبهذا وصلنا إلى الفوضى التشريعية الكاملة التي نعيشها الآن؛ ولم نستفد شيئا من الأصل البديهي السابق، وهو أن الحكم في الخلاف إنما هو لله ورسوله حيث يجب رد ما تنازعنا فيه إلى الكتاب والسنة.
ولم يستفد أولئك المقلدون شيئا من إيمانهم بهذا الأصل، لأنهم عطلوه بما قذفوا عليه من شبهات وشكوك وورع كاذب مزعوم.
ليس أمامي الآن إلا أن أقول بأن إيماننا بهذا الأصل من أصول ديننا يلزمنا أن نجعل حكم الله وحكم رسوله فوق کل حكم، ونص كتاب الله ونص حديث رسوله فوق کل خلاف ورأي.
وأن يكون الورع في هذه القضية أن لا تسارع بتخطئة من رأيناه يقول قولا يخالف نص الكتاب والسنة إلا بعد التثبت والتبين والفهم..
فإذا حصل ذلك، فلا خير فينا إن تركنا كلام الله وكلام رسوله لكائن من كان.
هذا المنهج المستنير الواضح هو العقيدة الأولية السهلة التي يجب أن يكون عليها علماء المسلمين وعامتهم، وهو المنهج الذي سيجمع المسلمين على كلمة واحدة وسيؤلف بين قلوبهم ويحفظ كتاب الله وسنة رسوله، لأنهما سيكونان المحكم في كل نزاع وخلاف.
ولنستعرض الآن أعمال الحج وقد فهمنا- بحول الله- منهج الوصول إلى الحق في مسائل الخلاف.
لن أسرد هنا أعمال الحج كلها وبيان الاختلاف والأقوال فيها؛ ثم ترجيح الراجح حسب المنهج السابق، فإن هذا أمر طويل وميدانه غير هذه الرسالة التي تحمل أي عنوان «إلى حج مبرور» إنني هنا أزيل عقبات الطريق ليسلك السالك بعد ذلك على نور وبصيرة ولذلك فإنني سأكتفي بقضايا يسيرة من قضايا الحج تكون نموذجًا ومثالًا لغيرها من القضايا:
نماذج الحج
أولاً: القضية الأولى: التمتع والإفراد والقران
هذه الألفاظ الثلاثة هي عناوين لنماذج ثلاثة من نماذج الحج: فالتمتع معناه الجمع بين نسكي الحج والعمرة في سفرة واحدة، على أن يكون بينهما فترة يتحلل فيها المحرم من إحرامه.
وأما القران: فهو الجمع أيضًا بين نسكي الحج والعمرة دون هذه الفترة التي يتحلل الحاج فيها من الإحرام. فهو أعمال متصلة بين الحج والعمرة.
وأما الإفراد: فهو الإحرام بالحج في سفرة واحدة مستقلة دون عمرة.
وهناك خلاف طويل في التفضيل بين هذه المناسك الثلاث.
وكذلك في نفي المشروعية عن البعض وفي اشتراط شروط للبعض الآخر ونستطيع أن نجمل الخلاف على هذا النحو:
١- القول بجواز المناسك الثلاثة مطلقا وبلا شروط.
٢- القول بوجوب التمتع وعدم جواز الإفراد واشتراط سوق الهدي للقارن.
٣- القول بكراهة التمتع، والنهي عنه.
٤- القول بتفضيل القران، والقول بتفضيل الإفراد على غيره، والقول بتفضيل التمتع على غيره- وهذه ثلاثة أقوال في التفضل.
هذا الخلاف المتشعب هو أول ما يجبه الحاج فعليه أولاً أن يعرف نوع النسك الذي سيلتزمه..
ولا شك أن كل حاج سيسعى إلى فعل الأفضل والأكثر ثوابًا عند الله، وستشتد حيرته عندما يرى أن أمامه خمسة أقوال أو ستة يجب عليه أن يرجح بينها.
ولا شك أن حيرته ستكون في الغاية والذروة إذا سمع أن كل رأي من الآراء السالفة على رأسه علم من أعلام الإسلام.
فالأئمة الأربعة على القول الأول، ولكن كلا منهم يفضل نسكًا على غيره.
وابن عباس وابن عمر على القول بوجوب التمتع!!
وعمر وعثمان على القول بكرامة التمتع والنهي عنه!!
فكيف المخرج؟!!
لنرجع إلى الأصل السابق ولنحاول معًا تطبيقه علنا نستطيع أن نهتدي إلى الصواب ونرجح بين الأقوال المتضاربة المختلفة:
في خطى الرسول
١- حج الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- مرة واحدة لم يحج غيرها في الإسلام فتعالوا نصحبه في حجته ولنهتد بهديه، ولننظر ماذا يصنع وماذا يقول:
٢- يقول جابر في حديثه الطويل: «ثم ركب رسول الله القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهلّ بالحج، وفي رواية أفرد بالحج هو وأصحابه»، ثم قال بعد کلام آخر: «ونحن نقول لبيك اللهم لبيك بالحج، نصرخ به صراخا، لسنا ننوي إلا الحج، لا نخلطه بعمرة» «مسلم وغيره».
فنفهم من هذا أن الرسول أهلَّ بالحج وحده وأن المسلمين كانوا كذلك أيضا ولكن جاءت أحاديث أخرى تبين بما لا يدع مجالًا للشك أن النبي أهل بعمرة وحجة معًا وأصرح هذه الأحاديث حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، يقول بوادي العقيق أتاني الليلة آت من ربي، فقال: «صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة».
«والحديث في البخاري»
ووادي العقيق هو الوادي الذي يقع على شاطئه مسجد ذي الحليفة بدليل حديث البخاري عن سالم ابن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه رؤي وهو في معرس بذي الحليفة ببطن الوادي قيل له إنك ببطحاء مباركة.
قال الراوي عن سالم «وقد أناخ بنا سالم يتوخى بالمناخ الذي كان عبد الله ينيخ، تتحرى معرس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي بينهم وبين الطريق وسط من ذلك» «رواه البخاري».
وبهذا الحديث يعلم قطعا أن جابرًا قد روى عن الرسول أنه أهلّ بالحج منفردًا حسب ظنه لا حسب سماعه، لأن الذين سمعوا قد رووا أنه أهلّ بالحج والعمرة معًا، وأما أن جابرًا قد أهلّ بالحج مفردًا ومعه كثير من الصحابة فنعم، لأنه حكى هذا عن نفسه ومن سمعهم من الصحابة حيث يقول: «نصرخ به صراخا»- يعني الحج- لا نخلطه بعمرة».
ولقد كان شأن العمرة في وقت الحج مكروهًا في الجاهلية بل يعده أهل الجاهلية من أفجر الفجور في الأرض، ولذلك يقول ابن عباس رضي الله عنهما:
«كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا، ويقولون: «إذا برأ الدبر، وعفا الأثر وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر» «البخاري ص ١٢٠».
فالذي يبدو أنه لم يهلَّ أحد من المسلمين بالعمرة في حجة الوداع، إذ كانوا يعتقدون هذا الاعتقاد، ولكن يشكل على ذلك حديث البخاري عن عائشة أنها قالت:
«خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام حجة الوداع فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج»
فهذا الحديث يدل بظاهره على أن الناس انقسموا في النسك على هذا النحو منذ البداية، وهذا يعارض حديث جابر الذي يقول فيه «لا نعرف العمرة» ويخالف حديث ابن عباس أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور»، ولكن لو علمنا أن السيدة عائشة رضي الله عنها هي التي طيبت الرسول- صلى الله عليه وسلم- لإحرامه، وكان هذا بعد الرؤيا التي رآها؛ أمره الله فيها بأن يقرن الحج بالعمرة، لعلمنا أنه صلى الله عليه وسلم، لا بد أن يكون قد أمرها ونصحها بأن يهل بالعمرة فقط لأنه لم يكن معها هدي.
وأما أصحابه فإنه صلى الله عليه وسلم لم يفاجئهم بأمر العمرة إلا بأن مهّد له طويلا في الطريق مرات ثم عند المروة، ثم بعد ذلك أيضًا كما سيأتي والدليل على ذلك أيضًا أنها قالت: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا نرى- بالبناء للمجهول- إلا أنه الحج» فلم يكن أحد من الصحابة يظن أن هنالك عمرة لا عائشة ولا غيرها. ولكنها أهلّت بالعمرة بعد أن أعلمها الرسول- صلى الله عليه وسلم- بذلك وأرشدها إليه والدليل على ذلك أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم، أمر أولًا من ساق الهدي أن يدخل مع حجه عمرة ويبقى محرما حتى ينتهي منهما، وكان ذلك في بدء إحرامه، وفي صبيحة اليوم الرابع من سفره أمر من أهلّ بالحج- ولم يسق الهدي- أن يجعل حجته عمرة ثم كرر هذا «بسرف»، وهو مكان قريب من مكة؛ ثم لما انتهى من السعي قال «يا أيها الناس لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن كان معه هدي فليحل وليجعلها عمرة» حديث جابر عند مسلم.
العمرة في الحج إلى يوم القيامة
ولكن هذا الأمر عظم على الصحابة رضوان الله عليهم، وظنوا أن هذا رخصة من شرف بالحج مع الرسول فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: یا رسول الله أرأيت عمرتنا هذه «وفي رواية متعتنا هذه» لعامنا هذا أم للأبد؟ قال: فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة لا؛ بل لأبد أبد» «ثلاثا».
ومع هذا النص الواضح فإن بعض الصحابة رضوان الله عليهم ظلوا على استعظام لهذا الأمر، وذلك كما ذكر ابن عباس؛ لأن العمرة في هذا الوقت تصطدم بعقيدة كانت موجودة في الجاهلية، وهي أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يعلمون أن الإسلام جاء لينسخ أمر الجاهلية ويفرد شريعته، ولكن كان عند الجاهلية أمور من صلب الدين كتعظيم بيت الله، ومشاعر الحج مع ما خلطوه فيها من الشرك والقبائح.
والإسلام جاء لينسخ الشرك والقبائح والبدع التي أحدثوها، ولا شك أن الاجتهاد في الابتعاد عن الأمور التي حرمت في الإحرام، كالطيب والنساء واللباس هي من زيادة تعظيم مشاعر الله، فلن يعفى الصحابة رضوان الله عليهم أن أمر الرسول لهم بالحل من عمرتهم إنما هو رخصة غيرها أولى منها، بل اعترض بعضهم على هذه الرخصة والتيسير- مع فعلهم لها- امتثالًا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم: يقول جابر: فقلنا للرسول: حل ماذا؟ قال «الحل كله» قال: فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا. ثم قال: «فخرجنا إلى البطحاء قال: فجعل الرجل يقول: عهدي باطله اليوم، فتذاكرنا بيننا فقلنا، خرجنا حجاجًا، لا نريد إلا الحج، ولا ننوي غيره، حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا أربع، أو خمس ليال، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا، فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني!! فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقام فخطب الناس فحمد الله، وأثنى عليه، فقال: «أبا الله تعلموني أيها الناس، قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم وأبركم، افعلوا ما آمركم به، وبهذه الخطبة انحسم الأمر، وطابت نفوس الصحابة رضوان الله عليهم وعلموا أن الأمر عزيمة مفضلة، وليست رخصة مفضولة.
ویرید ابن عباس رضي الله عنهما أن يبين كيف أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أراد أن ينص على إثر ما كان العرب يعتقدونه في الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، فيقول كما يروى عنه ابن حبان والله ما أعمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر الشرك فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون إذا برأ الدبر، وعفا الاثر، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر «ومعنى برأ الدبر» شفيت الجروح من ظهور الإبل بعد الحمل عليها في الحج، وعفا الأثر أي انتهت آثار الحجيج ودرست.
ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمح للسيدة عائشة رضى الله عنها بالعمرة بعد انتهاء مناسك الحج، وكان ذلك في شهر ذي الحجة بالطبع، وهو من الشهور التي كانت العرب تحرم العمرة فيها. وبهذا استدل ابن عباس بل أقسم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما فعل ذلك ألا ليخالف هدى أهل الشرك.
لا تقدموا بين يدي الرسول
لم يبق في ظني عند رؤية هذا والوقوف عليه ظن لظان أن الأولى هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وامتثال أمره في التمتع، والجمع بين نسكي الحج والعمرة: العمرة أولا ثم التحلل منها، ثم الإحرام بالحج وإكماله. وإن الذين قالوا بوجوب التمتع كابن عباس رضي الله عنه وابن عمر لم يركبوا شططا وأن الذين قالوا بقولهم من العلماء لم يجانبوا الحق والصواب.
وإن الأقوال التي خالفت هذا وصدرت عمن نعظهم ونحبهم ونشهد لهم بالسبق والفضل من الصحابة رضوان الله عليهم والأئمة والعلماء إنما هي أقوال مرجوحة، وما كان لنا أن نخالف أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهديه لقول قائل. كائنا من كان هذا القائل.
وهذا هو منهج الحق في أمور الخلاف، فالأصل هو البحث عن الحق بدليله ثم معرفة القائلين به، وأما البحث أولا عن أصحاب القول ثم معرفة الحق بسمتهم وشهرتهم فإنه يجر إلى الضلال والعياذ بالله، وصدق الإمام علي رضي الله عنه الذي سأله سائل فقال له أكل أولئك الذين يحاربونك على باطل وأنت على حق !! فقال له : ويلك !! أتعرف الحق بالرجال؟!!
اعرف الحق تعرف أهله!
وليس أمامنا منهج لمعرفة الحق في أمر الخلاف غير الرجوع إلى الكتاب والسنة فالنص هو الأساس، وقائل القول المخالف للنص معذور في خطته مأجور على اجتهاده، ولسنا معذورين عند الله في اتباعه وترك الحق إذا ظهر لنا من كلام الله أو کلام رسوله- صلى الله عليه وسلم.
التقسيم النظري والتطبيق العملي
ثانيا: القضية الثانية: أركان الحج وواجباته ومستحباته
يقسم العلماء أمور العبادة إلى أركان وواجبات ومستحبات أو سنن فالأركان ما كان بمثابة الهيكل الضروري للعبادة الذي إذا انهدم ركن منه انهدمت العيادة، والواجب بمثابة الجزء اللازم الذي يطلب فعله وجوبًا، ولكن لا يؤثر تركه سهوًا أو عمدا في صحة العبادة وقبولها، وأما المستحبات أو ما يسميه بعضهم بالسنن، فهي إجراءات تكميلية تحسينية تضفي على العبادة رونقًا وحلاوة وتحسينًا ولا يطلب فعلها وجوبا، وليس تاركها بمذموم شرعا، وإن كان فاعلها مأجوراً مستتابًا.
وهذا التقسيم جميل في ذاته حسن من حيث المنطق والصواب، إذ يضع أيدينا على الأهم فالأهم في العبادة، فلا تضيع الأمور اللازمة الضرورية في سبيل تحصيل الأمور التحسينية التكميلية.
وهذا الأمر- أعني وضع كل جزء في العبادة في درجته ومنزلته- هو غاية علم الفقه، فهمّ الفقيه دائما أن يقدر قيمة كل جزء من أجزاء التكليف وأن يعطيه الحكم المناسب ليكون السير في أمور العبادة على نور وبصيرة.
ولكن هذا الأمر في واقعه التطبيقي كان سيئًا للغاية- وسنعرف مقدار هذا السوء عند التطبيق والتمثيل- فبعض الفقهاء قد اختصر من هيكلية العبادة بحيث جعلها صورة شوهاء، فجعل الذي يقتصر على الأركان فقط هو إلى العابث اللاعب أقرب منه إلى العابد الممتثل، والبعض الآخر قد اشترط للعبادة شروطًا، وأضاف لها أركانا بحيث جعلها نوعا من المستحيلات.
والحج عبادة قد وقعت بين طرفي الإفراط والتفريط في تحديد أركانها اللازمة التي لا تصح بدونها، وواجباتها المطلوبة التي ينقص أجر تاركها والمستحبات والتكميلات فيها.
وقبل أن ندخل في بيان ذلك بشأن الحج، أحب أن أدلل على كلامي السابق بعبادة تمارس خمس مرات وجوبًا في اليوم والليلة وهي الصلاة. التي نقل فعلها وجل حركاتها وسكناتها عن الرسول نقلًا متواترًا لا شك فيه، والتي أقامها الرسول- صلى الله عليه وسلم- وبينها بفعله وقوله بيانًا لا يدع مجالا للشك والاختلاف.
الصلاة مثلًا
فالأركان الواجبة للصلاة في المذهب الحنفي مثلًا لا تعدو أن تكون كما يلي: «ذكر لله تفتتح به ولا يشترط أن يكون الله أكبر بل يصح أن يكون الله عظيم، أو الله كبير.. قيام بقدر قراءة الفاتحة وليس ضروريًا أن نقرأ الفاتحة، بل أي قرآن أو أي ذكر آخر، ثم ركوع وسجدتين ولا يشترط الاعتدال من الركوع، ولا الجلوس بين السجدتين، بل يكفي الفصل بين السجدتين ولو بقدر مرور سيف بين الأرض وجبهة المصلي، ثم جلوس بقدر التشهد والتشهد ليس ركنًا، والتسليم كذلك بل ليس التسليم واجبًا، ولو قام المصلى دون أن يسلم او أحدث أو تكلم قبل السلام فقد تمت صلاته وصحت»!! وناهيك بعد ذلك بمن يبطل الصلاة إذا لم يقرأ المصلى هذا الدعاء بعد التشهد وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا تشهد أحدكم فليقل اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال» فيقول من لم يقرأ هذا الدعاء بعد التشهد وتركه عمدا فصلاته باطلة!!
ومن يبطل الصلاة إذا تحرك المصلى فيها ثلاث حركات متعمدات ليست من جنس الصلاة، وقد غاب عنه أنه صلى الله عليه وسلم قد حمل ابنة ابنته في الصلاة يضعها إذا سجد، ويحملها إذا قام!!
إذا كان هذان الطرفان متباعدين كل التباعد في شأن عبادة كالصلاة لم تحظ عبادة أخرى في الإسلام بمثلها في البيان والإيضاح، فكيف بعبادة كالحج لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة واحدة من عمره!!
ولست أعني هنا أن البيان لما كان ناقصا- حاشا وكلا- بل كان تاما واضحا لا شبهة فيه ولا غموض، ولكن عندما تدخلت الصناعة الفقهية لتحدد لكل جزئية من هذه العبادة وزنها وقيمتها فإنها أوقعتنا- أيضًا- بين طرفي الإفراط والتفريط.
فأركان الحج في المذهب الحنفي مثلا لا تعدو أن تكون هي الوقوف بعرفة وأربعة أشواط فقط من طواف الإفاضة!! وأما الشافعية فقد زادوا على ذلك الإحرام والحلق وثلاث شعرات تجزئ في ذلك!!
والحق أن البحث الفقهي التقنيني لأدنى صورة ممكنة تصح العبادة معها قلص العبادة وشلها، وأفقدها ليس فقط رونقها وبهاءها، ولكن هيكلها ومضمونها. وقد رأيت بنفسي من يعتمد على مثل هذه الأقوال السالفة فيؤدي حجًا يكاد أن يكون خلوًا من الشكل والمضمون.
وأتموا الحج والعمرة
وإذا كان الرب سبحانه وتعالى قد أمرنا في كتابه بإقامة الصلاة فما ذكرها إلا حيث قال «وأقيموا الصلاة» فإنه سبحانه قرن الحج بالإتمام فقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾. (البقرة: 196). وهذا من المجاز كلام الله سبحانه وتعالى فليس أدل على كمال الحج من إتمامه وعدم نقص الشيء منه، وليس أدل على كمال الصلاة من إقامتها وتعديل حركاتها وسكناتها وقراءتها. وإذا كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد أمرنا بأن نصلى كما رأيناه يصلي، فقد أمرنا- صلى الله عليه وسلم- بأن نأخذ عنه مناسكنا.
ولا أشك أننا سنضل الطريق إلى الحج الصحيح، بل وإلى كل عبادة صحيحة إن نحن درسناها على أساس الهيكلية اللازمة أولا ثم الوجوب ثانياً ثم المستحبات ثالثاً!!
بل الفقه في ذلك أن نسأل كيف حج رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ فنحج مثل حجه، وكيف صلى فنصلي مثل صلاته، وهكذا، ثم يكون وزننا لجزئيات العبادة بعد ذلك على أساس الأمر اللازم بها فنهتم به، والأمر المخير الذي لا يلزمنا فنحرص عليه ما استطعنا ولا نبطل عملنا إن تركناه.
وهذا هو الفقه الذي كان عليه الصحابة الكرام وسأضرب على ذلك مثلًا: لا يشك فقيه وعالم أن تقبيل الحجر الأسود من المستحبات؛ فليس تقبيله واجبًا ولا ركنًا، ولكن انظر كيف يعلم ابن عمر رضي الله عنهما رجلا سأله عن حكم تقبيل الحجر الأسود، روى البخاري رحمه الله في صحيحه بإسناده عن الزبير قال: سأل رجل ابن عمر رضي الله عنهما عن استلام الحجر فقال: رأيت رسول الله؛ صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله، قال: قلت: أرأيت إن زحمت!!؟ أرأيت إن غلبت!!! قال- أي ابن عمر-: اجعل أرأيت باليمن!!! رأیت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله «البخاري ج ۲ ص ۱۳۷».
انظر إلى هذا الفقه العجيب من ابن عمر رضي الله عنهما، وهو يعلم هذا السائل حكم تقبيل الحجر الأسود واستلامه. فإنه زاد على إخباره برؤية الرسول يستلمه ويقبله، ولم يكن ابن عمر يجهل أن هذا أمر من مستحبات الحج ومكملاته، ولكنه ترك سائله يحاول جاهدًا فعل هذا الأمر والاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ليكون له بذلك الأجر والمثوبة. ولقد حاول سائله أن يجد لنفسه الفسحة في افتاء ابن عمر له بترك استلام الحجر وتقبيله، فقال له مكررًا أرأيت إن غلبت!! أرأيت إن زحمت!! فقال له: اترك أرأيت باليمن!! فإما أن يكون السائل من أهل اليمن فقال له اترك أرأيت في بلدك وحاول أن تقتدي برسولك، وإما أن يكون ابن عمر قد أراد أرأيت بعيدًا بعد اليمن؛ وحاول أن تستلم الحجر وتقبله امتثالا لفعل نبيك، فإن غلبت حقيقة وإن زحمت حقيقة، ولم تجد وقتا ومتسعا لفعل ذلك فلا شك أنك ستجد الفتوى جاهزة عند أربابها، ولكن بعد وقوع الأمر وفشلك في تطبيق هذه السنة.
انظر كيف علم أولئك العلماء الربانيون تلاميذهم، وانظر كيف يعلم دعاة الفقه فينا هذه الأيام تلاميذهم، فيترخصون لهم في العبادة حتى تتلاشى أو تكاد، وقد يضيقون الواسع حتى يغلقوه أو يكاد. وأعجب بعد ذلك من الذين يلوموننا عندما نتبع منهج ابن عمر وأولئك العلماء الربانيين في تعلم الناس العبادة على هذا النحو فنفصل لهم سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كيف صلى وكيف حج، وكيف صام.. وقد نحجب حكم الجزئية أحيانا ليسارع طالب المعلم في التطبيق ممثلا فعل رسول الله وأمره محبا لذلك فإن عسر عليه شيء أو ضاق به أمر أعلمناه أن دين الله يسر لا عسر معه ولا شقة ولا حرج. وليزيد عجبك إذا اتهمنا أولئك بأننا لسنا فقهاء لأننا نعلم الناس السنة دون أن نبين لهم منزلتها فورا!!
والفقه عندهم أن تعرى الصلاة من التكبير وقراءة الفاتحة، والاعتدال من الركوع والجلوس بين السجدتين والتشهد والتسليم ومع ذلك يسمونها مع هذه التعرية صلاة صحيحة ويسمون هذا فقهًا.
وأن يعرى الحج من الإحرام وملابسه والتلبية والسعي والحلق والتقصير والرمي ويسمون هذا حجًا صحيحًا ينجبر النقص فيه بذبح شاة أو شاتين!
كان هذا الذي قرأته أخي القارئ مقدمة طويلة- أعتذر لطولها- لنعلم أن موازين جزئيات هذه العبادة العظيمة الحج قد وقع فيها كثير من التفاوت والاختلاف والتناقض، فلا يكن همك أن تؤدي حجك على أقل صورة مستطاعة، بل ليكن همك وغايتك على أن تمثل أمر ربك الذي قال:- ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ فامر بالإتمام، وليكن همك أيضًا الاقتداء بسنة نبيك- صلى الله عليه وسلم- الذي قال: «خذوا عني مناسككم» واعلم أن الحج إن سنح لك مرة في عمرك فقد لا يسنح لك أخرى، ولن تستطيع تعويض ما نقص لك ثانية.
فليكن سؤالك أولًا وقبل كل شيء كيف حج رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟ فحج مثل حجه، فإن فاتك شيء بعد أن جهدت في تحصيله وأتعبت نفسك في الإتيان به، فأسأل أهل العلم عن حكم ذلك، وأقول اسأل أهل العلم وسيكون بحثك عن اهل العلم عسيرا فاصبر فإنهم قلة- والله- في وقت كثر فيه الأدعياء.
واعلم أخي بعد، أن هذا المنهج في فهم الإسلام هو المنهج السهل الميسر، فإن سؤالك كيف أدى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هذا النسك سيكون الجواب عليه سهلا محدودا، وأما سؤالك ما حكم كذا في الحج عند الفقهاء فإنك ستتلقى بعده أقوالًا كثيرة، ولن تستطيع أن توفق بينها ولا أن تعرف الصحيح من ذلك دون عقد مقارنة طويلة تتعرف فيها على دليل كل قائل، وأن يستطيع هذا عموم الناس وجمهورهم، بل كثير من أفاضلهم وعلمائهم، وعند ذلك تعجز عن معرفة يوافق هذا ضعفًا في نفسك، وخورا الحق فتركن إلى تقليد أي قول، وقدّ في عزيمتك فتركن إلى القول الذي نظنه سهلا ميسورا وتقول بعد ذلك كما قال الجهلاء- اختلاف العلماء رحمة- فأعيذك بالله من ذلك وأسأل لك التوفيق والسداد.
وبهذا المنهج الواضح ستتعلم العبادات كلها في يسر وسهولة فيكفيك لتعلم وضوء الرسول- صلى الله عليه وسلم- حديث واحد موجود في السنة وفي الصلاة أحاديث قليلة وهكذا، وهذا خير لك مما أن تضيع جهدك في قيل وقال، وكثرة السؤال وقد كره الله لنا ذلك.
ونحن أمة أحوج ما تكون إلى أن تفرغ جهدها في العمل والدعوة إلى الله تبارك وتعالى بدلا من تجميع عشرات الأقوال في المسألة الواحدة، وليت هذا التجميع عند أصحابه لمعرفة الحق والصواب منها، بل لإعطاء كل سائل ما يشتهي من أقوال فأضحى الدين ألعوبة في يد أولئك فلا بارك الله في علمهم وعملهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل