; نقوش على جدار الدعوة.. في طريق البناء: | مجلة المجتمع

العنوان نقوش على جدار الدعوة.. في طريق البناء:

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1997

مشاهدات 87

نشر في العدد 1251

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 27-مايو-1997

التحدي القائم: يلخص الدكتور سيد دسوقي دور الحركة الإسلامية في صنع الحضارة الإسلامية بأنه «المعاصرة بالإسلام تحت صليل السيوف» ثم يقول: «وصليل السيوف الذي أشرت إليه هو صليل السيوف الممشوقة فوق رقابنا من الداخل والخارج، تحرس تخلفنا، وتحول دون تقدمنا فتزيد الإعاقة الحضارية ضراوة وشدة» «مقدمات جديدة في مشاريع البعث الحضاري».

وهذا التشخيص يكشف عن مدى التحدي الموضوع والمرصود في طريق الحركة الإسلامية، بحيث يشل تفكيرها ويشتت تركيزها، ويعوق خطوها، ويضع السدود والحواجز في طريقها، لعل ذلك يؤدي إلى سقوط ثمرتها قبل نضوجها، أو ذبول شجرتها قبل كمال نموها، وثبات موقف الحركة الإسلامية وزيادة رصيدها، وتنمية دورها، وتنوع الطرق الموصلة إلى صليل السيوف الممشوقة فوق رقابنا هو أحد المثبطات المرحلية لمواجهة هذا التحدي، والتخلص من قبضته، ثم العمل باستمرار على إيقاظ الأمة وتبصيرها بواقعها غير المرضي، وتحديد الآمال المعقودة على يقظتها وفطنتها، وخروجها من دائرة التأرجح والتذبذب في الاختيار والتوجه إلى توحيد المسار نحو القيام بالواجب الإسلامي في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والمعنوية الخالية من التطفيف، والقائمة على سد حاجات الأمة الأساسية في جميع المجالات التي لا تستغني عنها أمة معاصرة، على أن نستخلص من تراثنا وثقافتنا كل فكر إصلاحي، ثم نبثه بين الجماهير التي يتفاعل كثيرون منهم حين يرون أنوار الإسلام تظهر من خلال أعمال تساعد الناس في معاشهم ومعادهم وتظهر من خلال أشخاص أشرقت في قلوبهم تعاليم الإيمان فتمثلوها كاملة في حياتهم وتشربتها أفئدتهم فحسنت أخلاقهم وصاروا معطائين بجهودهم وأموالهم وأفكارهم وصدق عليهم قول الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (الليل: 5-7)، حينئذ ينزوي الكيد، ويخلو الطريق من المكر الظاهر وتأخذ الأمة مناعة ضد المكر الخفي الذي لن يزول ما دام هناك صراع بين الحق والباطل.

الحركة الإسلامية تملك الكثير: وماذا تملك الحركة الإسلامية حتى تقوم بهذه الأعباء؟

إنها تملك الرؤية البصيرة الخالية من الغبش والضباب لمعالم الإسلام، وإنها تدرك أن الحياة الحقة للأمة إنما هي في العيش المستظل بظلاله، الذي لا مجال فيه للهوى ولا للعبث إنها من خلال هذين الأمرين موكول بها أن «تخاطب عقل الأمة وفؤادها ممثلًا في طبقة المثقفين العلياء الذين يملكون دفة التوجيه الفكري المستقبلي» «المصدر السابق»، إنها تستطيع أن تشحذ الفعالية الروحية للأمة بالزاد الذي يبعث من كل واحد من أفرادها عضوًا عاملًا في بناء دولة إسلامية -في المجال الذي يحسنه- تقوم على العدل والقسطاس، وتتصدى للظلم والجور، وتحمي الحق وتناصره، وتأمر بالمعروف بعد أن تعمل به، وتنهى عن المنكر دون أن تقترفه، تقدم للناس ما يغنيهم عن غيرهم.

ولا ينبغي أن يختلط في الأذهان دور الحركة بدور الأمة، فكلا الدورين مختلف عن الآخر، وإن ارتبط بعضهما بالآخر ارتباطًا عضويًا.

دور الحركة في الأمة: إن الحركة -إن استطاعت أن تقوم بهذا الدور- كانت بمثابة القلب الذي يضخ الدماء في كل أجزاء الجسم فيحفظ على هذه الأجزاء حياتها ونماءها وتجددها رغم المؤثرات الخارجية التي تؤثر على هذا الجسم من عوامل البيئة المحيطة به في الزمان وفي المكان.

والأمة هي ذلك الجسم الكبير الذي تعمل فيه الحركة بصدق وتبذل بإخلاص، وتضحي وتعطي وتدعو وتضع بنفسها النموذج الذي ينبغي أن يحتذى، وفي هذا السبيل لا يغيب عن بالنا ما اقترحه الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه أين الخلل حيث قال:

«ومن أهم ما ينبغي التخطيط له توجيه المواهب الشابة إلى التخصص على أعلى المستويات في كل مجالات الحياة علمية وشرعية وسياسية، واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية وإعلامية وإدارية، وتخطيطية، وغيرها من كل ما يسد الثغرات ويلبي الحاجات في مجتمع متحضر معاصر، في عالم «الكمبيوتر»، والأسلحة النووية، وغزو الفضاء، والهندسة البيولوجية.. عالم يضيف كل يوم جديدًا بما يشبه الوثبات في العلم والتكنولوجيا، والمسلمون يتصارعون فيما بينهم، أو يلهون والدنيا تجد، أو يلوكون ألسنتهم بما لا يفيد.

فلا بد من التخصص الذي يعتبر في نظر الشريعة من فروض الكفايات الواجبة على الأمة مجتمعة، ولا يجوز أن تتكدس القدرات والكفايات في مجال على حين يغفل مجال آخر، يحتاج إلى من يقوم به فلا يجد» «أين الخلل، ص 48، 49».

وحين يتم توجيه المواهب الشابة نحو هذه الميادين لتعمل فيها بتجرد وإخلاص، وهي تدرك أنها تعالج أمة استعصت زمنًا طويلًا على العلاج لغياب الأطباء أو نقص الدواء، أو عدم استجابة المرضى، حين يدرك الشباب ذلك يضاعفون جهدهم ويستحدثون ما يقصر المسافات، ويسرع بهم إلى الغايات، وكل ذلك لا يتم إلا في ظل عقيدة الإسلام التي تحيي موات القلوب ويعمل العاملون على الاستظلال بها، ولتظل قلوبهم آملة في نصر الله عاملة على مرضاته: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم: 4-5).

الرابط المختصر :