العنوان بعد تحجيم "أمل" إطلاق الرهائن وتدجين الفلسطينيين
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1987
مشاهدات 65
نشر في العدد 807
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 03-مارس-1987
قلنا في مقالات سابقة: إن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ليستا
بعيدتين عما يجري في لبنان وبالتحديد في غرب بيروت، وإن تحجيم «أمل» كان هدفًا مطلوبًا
في هذه الأحداث، وإن انفراج أزمة المخيمات يتوازى مع تحجيم قوة «أمل» العسكرية والسياسية،
وإن هذا التحجيم يخدم أطرافًا لبنانية وعربية ودولية بعد أن أدت جزءًا من دورها وعجزت
عن أداء الجزء الآخر.
وقلنا أيضًا: إن ما بعد الحصار أخطر من الحصار، وإن الانفراج النسبي
لأزمة المخيمات ستعقبه أزمة أشد فتكًا وإن كانت تبدو وكأنها ألين أسلوبًا. وقلنا: إن
هنالك متغيرات على الساحة اللبنانية تتعلق بالتحالفات، وقد ظهرت هذه المتغيرات واضحة
من خلال معارك غرب بيروت وما تبعها من دخول القوات السورية «قوات الردع».
صحيح أن القوات السورية تدخلت في الوقت الذي كانت فيه قوات الحزب
الاشتراكي والحزب الشيوعي وأحزاب أخرى تطارد قوات «أمل» وتطردها من أغلب مراكزها في
غرب بيروت. ولو أن الفلسطينيين داخل مخيماتهم المحاصرة قد تحركوا لكان في الإمكان إخراج
«أمل» من معاقلها في الضاحية الجنوبية لبيروت أيضًا.
ولكن الجيش السوري وصل في الوقت المناسب فاستلم زمام الأمر في غرب
بيروت دون مقاومة تذكر من قبل القوات الاشتراكية أو الشيوعية أو حتى القومية والإسلامية.
ولكن قوات «حزب الله» ساءها أن تخرج قوات «أمل» لتحل محلها القوات
السورية فأحرقت مراكزها احتجاجًا قبل أن يستلمها السوريون، وحدثت بعض المواجهات بينها
وبين القوات السورية كان من نتيجتها -كما أذاعت وكالات الأنباء- مقتل 23 من أفراد حزب
الله قيل: إن من بينهم خمسة من الفلسطينيين.
ولقد كانت هنالك تصريحات للشيخ «فضل الله» تشير إلى وجود هجمة أميركية
إسرائيلية لتصفية العناصر الإسلامية والوطنية، كما أن ميليشيات حزب الله وضعت في أقصى
درجات الاستنفار تحسبًا من تقدم القوات السورية إلى معاقلهم في البقاع والجنوب اللبناني.
ومع أن بعض أطراف جبهة الإنقاذ أشاروا إلى أن هناك حلًّا سياسيًّا
لأزمة المخيمات قيد التنفيذ، وأن العقيد غازي كنعان رئيس الاستخبارات العسكرية السورية
في لبنان أعلن أن حل أزمة المخيمات ستتولاه جبهة الإنقاذ، مشيرًا إلى أن هذه الجبهة
ستتولى أمن المخيمات.. إلا أن هذا الحل الذي لم تعلن تفاصيله محفوف بالمخاطر؛ ذلك أن
المقاتلين في المخيمات جبهة واحدة تضم جبهة الإنقاذ، كما تضم أنصار منظمة التحرير،
أو منظمة «فتح» الذين أطلق عليهم اسم «العرفاتيين». واستئثار جبهة الإنقاذ بقضية أمن
المخيمات يعني تجريد العناصر الفلسطينية الأخرى -وهم الأغلبية والأكثر قوة- من أي فاعلية،
ومعنى ذلك حدوث مواجهة دموية، ولكن هذه المرة بين الفلسطينيين أنفسهم كما حدث في مخيمات
البداوي ونهر البارد.
ولكن وهج «الانتفاضة التصحيحية» التي قادها العقيد أبو موسى فيما
مضى لم يعد لها هذا البريق هذه الأيام، بعد أن أكلت الانتفاضة أبناءها من أمثال: أبو
صالح، وقدري، وأصبح الآخرون من أمثال: أبو خالد العملة، وأبو موسى في حكم المجمدين.
ولهذا فاحتمال المواجهة الفلسطينية- الفلسطينية أمر مستبعد سيما
وأن هناك مساعي حثيثة لوحدة فصائل المقاومة الفلسطينية حققت نجاحات متقدمة تمهيدًا
لعقد دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني تعيد الوحدة عبر مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية
بعد أن سبقتها الوحدة الجماهيرية المسلحة على أرض الواقع داخل مخيمات لبنان وفلسطين
المحتلة.
ولعل هناك طرفًا جديدًا برز على الساحة اللبنانية محاولًا سحب البساط
من تحت أقدام «أمل» في ظل قوة فلسطينية فاعلة ودعم إيراني علني، وذلك هو «حزب الله»
الذي يتمركز في البقاع ويتمدد في الجنوب بالضاحية. ويكتسب هذا الحزب أهميته من كون
أغلب عناصره من الشيعة، ومن أنه ينطلق من منطلق العقيدة، وأنه يعلن الجهاد المتواصل
ليس لتحرير لبنان فقط؛ وإنما لتحرير فلسطين أيضًا، وأنه يعارض «أمل» في منع الفلسطينيين
من مقاتلة اليهود، وأنه لم يشارك «أمل» الهجوم على المخيمات الفلسطينية.
هذا الحزب يقف في مواجهة الخطة الأمنية السورية في لبنان. ولقد حدث
بينه وبين القوات السورية كما قلنا مواجهات مسلحة سقط فيها ضحايا. وقد علقت صحيفة كيهان
الإيرانية على تشييع ثلاث وعشرين عنصرًا من عناصر هذا الحزب بقولها: «إن بعض عناصر
القوات السورية ارتكبت خطأ فادحًا حين قتلت هؤلاء المجاهدين».
ثم إن اليهود الذين تظاهروا بالأسف على حصار المخيمات من الناحية
«الإنسانية» وقفوا يدافعون عن «أمل» إعلاميًّا وهي تتقهقر أمام تقدم القوات الاشتراكية
والشيوعية. وحين تقدمت القوات السورية إلى غرب بيروت لحسم الأمر وقف الصهاينة يرقبون
بحذر تخوفًا من تقدم القوات السورية إلى الجنوب والوصول إلى الخط الأحمر الذي يعتبر
الصهاينة وصول السوريين إليه خطرًا محتملًا على الكيان الصهيوني. فاليهود من جهة يريدون
تدمير لبنان وتفتيته إلى طوائف، وتكليف «أمل» حماية أمن حدود الكيان الصهيوني من جهة
الشمال، بدلًا عن قوات «لحد» الضعيفة، وهم لا يريدون فلسطينيين مسلحين في لبنان خارجين
عن الطاعة! وهم لا يريدون مقاتلين مسلمين عقديين، وفي نفس الوقت لا يريدون قوات سورية
تقترب منهم وتضع صواريخها وأجهزة إنذارها المبكر حتى لا يؤثر ذلك حاليًا أو في المستقبل
على حرية الاستطلاع للطيران الإسرائيلي أو حرية التدخل في الوقت المناسب.
ومع أن المراقبين السياسيين قد احتاروا واختلفوا في تفسير وتحليل
الأحداث الأخيرة في لبنان، إلا أن صمت الأسطول الأميركي على الشواطئ اللبنانية ومباركة
الاتحاد السوفيتي للخطوة السورية يشيران إلى أن الدولتين «الأعظم» توافقان بحذر على
ما يجري في لبنان. وإذا كان الأميركان قد حركوا أسطولهم بحجة إنقاذ الرهائن، فإن هنالك
أنباء تشير إلى أن الروس قد طلبوا من سوريا أن تتحرك لإنقاذ الرهائن حتى لا يكون هناك
مبرر للأميركان للعودة إلى المنطقة. وحين تحرك الاشتراكيون والشيوعيون المحسوبون على
الروس لضرب «أمل» المحسوبة على أميركا تحرك السوريون لاستلام زمام المبادرة، وقيل:
إن مقر حزب الله الذي احترق في بيروت كان يحوي الرهائن المطلوب تحريرهم، وقيل: إن هؤلاء
الرهائن موجودون في الضاحية الجنوبية من بيروت ومعظم سكانها من الشيعة، وتهيمن عليها
منظمة «أمل» ولكن فيها مكاتب لحزب الله.
تبقى التساؤلات التي ليس من السهل الإجابة عليها في الوقت الحاضر
وهي: ما مصير الرهائن الذين تحركت أساطيل أميركا من أجل تحريرهم؟ هل أعدموا؟ أم حرروا؟
أم أن البحث عنهم مازال جاريًا حتى الآن. لقد أعلن نبيه بري قبل أحداث غرب بيروت أن
في إمكانه أن يقايض هؤلاء الرهائن ومعهم الأسير الصهيوني الطيار مع 400 معتقل فلسطيني
ولبناني في السجون الصهيونية انضم إليهم مؤخرًا 50 فلسطينيًّا اعتقلهم الصهاينة على
ظهر باخرة كانت قادمة من قبرص لتزويد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المحاصرة في لبنان
بالمؤن والأدوية. واعتبر الصهاينة تصريح نبيه بري إعلانًا بعلمه عن مصير الرهائن، وبالتالي
مسؤوليته عن إنقاذهم، ولكن الأحداث المتلاحقة لم تزد الأمر بالنسبة للرهائن إلا غموضًا.
والمخيمات الفلسطينية التي مازالت محاصرة -وإن كانت قبضة «أمل» حولها
قد ضعفت- هل انتهت أزمتها؟ الواقع أن هذه الأزمة مازالت قائمة، والذي يؤسف له أن الأصوات
البيروتية الوزارية التي هددت بالاستقالة حين اشتعلت المعارك في غرب بيروت منذرة بهزيمة
«أمل» وطلبت من سوريا أن تتدخل لإعادة الأمن إلى نصابه، كان من باب أولى أن ترفع صوتها
احتجاجًا على ما يجري للفلسطينيين في مخيماتهم، وإذا كان أمن المخيمات يقتضي نزع سلاحها
منها، فلماذا لا يكون نزع السلاح شاملًا لكل الميليشيات العاملة على الساحة اللبنانية
وأولها الميليشيات الكتائبية وميليشيات «أمل»؟ ثم من يضمن للفلسطينيين الأمن بعد نزع
سلاحهم-وهم لم يحملوه أصلًا إلا ضد اليهود- وهم يعيشون وسط غابة مسلحة من البنادق،
ولهم تجارب سابقة ومريرة في هذا الشأن.
الأولى بهذه الأمة صاحبة النخوة والغيرة أن تعير اللاجئين الفلسطينيين
قليلًا من الاهتمام الذي أولته لعدد من الرهائن، وأن توجه كل بنادقها إلى العدو الصهيوني
الذي لا يحتل فلسطين فقط بل جزءًا من لبنان وسوريا ومصر (طابا)، فهو المحتل الحقيقي
الذي يجب تدميره ونزع سلاحه منه وطرده من هذه الديار، وليس الفسلطينيون!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل