; في أفق التصالح الجزائري- المغربي: الدور المصري.. واليد الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان في أفق التصالح الجزائري- المغربي: الدور المصري.. واليد الأمريكية

الكاتب إبراهيم الخشباني

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1999

مشاهدات 52

نشر في العدد 1359

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 20-يوليو-1999

جاءت زيارة الرئيس المصري الأخيرة لكل من الجزائر والمغرب وإشارات القيام بمساعٍ حميدة للتقريب بين الجارين المتخاصمين منذ مدة لتكرس المنعطف الذي أصبح بناء المغرب العربي يعرفه منذ أن أمسك الأمريكيون في أيديهم بملف الصحراء.

الأمريكيون لهم مقاربة اقتصادية واستراتيجية لشمال إفريقيا ككل، وعليه لا يمكنهم في الوقت الراهن السماح باستمرار زعزعة الاستقرار في أي من دول المنطقة.

ومعروف أن للجوانب السياسية تأثيرها -سواء كانت إيجابية أو سلبية- على الجوانب الاقتصادية ومن ذلك أن إنشاء السوق الأوروبية بضخامتها وميلاد عملتها الموحدة، دفع بمنطقة شمال إفريقيا إلى المرتبة الأولى من الاهتمامات الاستراتيجية للولايات المتحدة، بعد أن كانت تبدو بعيدة عن الاهتمام الأمريكي، الأمر الذي يفسر مبادرات كل من وزير الخارجية الأسبق «جيمس بيكر» ومساعد وزيرة الخارجية الحالي لشمال إفريقيا والشرق الأوسط ستيوارت إزيخستات واللتين أصبحت أمريكا بهما فجأة تسعى إلى إيجاد حل سريع ونهائي لمشكلة الصحراء سواء أجري الاستفتاء أو لم يجر، وبالتالي تطبيع العلاقات بين دول المغرب العربي، وإدماج مصر في النسيج الاقتصادي، بقصد ضمان توازن وتكامل المنطقة التي ستمثل بفضل مصر سوقًا موحدة تضم نحو ١٤٠ مليون نسمة، تتوافر على مؤهلات اقتصادية قوية: غاز وبترول فوسفات ثروة سمكية فلاحة، وبنية تحتية لا يستهان بها.

وكذلك يأتي ضمان التوازن بحكم أن دخول قوة في حجم مصر إلى المغرب العربي يساعد في تبديد صراع الزعامة بين قطبي الاتحاد: الجزائر والمغرب.

ولا يبدو كذلك التساهل الأمريكي المفاجئ فيما يخص حل مشكلة لوكيربي وبالتالي السماح لليبيا بالانفتاح على محيطها المجاور أمرًا بريئًا.

وفي إطار هذه المقاربة الشاملة، فإن الصحراء لن تشكل بعد حبة الرمل التي يمكن أن تعيق الآلة الأمريكية عن الدوران.

والأمريكان الذين يعون تمام الوعي أن توافقًا مغربيًا- جزائريًا فقط قمين بتحريك مسلسل الاحتواء هذا في مواجهة أوروبا، يشجعون هذا التقارب ويستفيدون في الوقت نفسه من الفتور الذي تعرفه العلاقات الجزائرية- الفرنسية للدفع في اتجاه تطوير العلاقات بين دول شمال إفريقيا وجنوب المتوسط بقصد إحداث محور في جنوب المتوسط يمتد من الرباط إلى القاهرة لاحتواء القوة الاقتصادية الأوروبية القادمة.

 وهكذا بعد أن تمكنت واشنطن من التضييق على الأوروبيين في مناطق نفوذهم وسط إفريقيا، ها هي تهيئ هجومها المعاكس على «اليورو» في الضفة الجنوبية لقارته نفسها.

المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة إذن هي التي سهلت استثمار الفرص المتتالية لإحداث المصالحة العربية- العربية المرتقبة، بعد أن كانت من قبل تضع العراقيل أمامها، بدءًا بزيارة الرئيس المصري التي كان لها الأثر الأكبر في التقارب المغربي- الجزائري المرتقب، سبقتها محاولة أخرى من طرف الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وانتهاء باجتماع وزراء داخلية غرب المتوسط بالجزائر مؤخرًا، حيث استقبل وزير الداخلية المغربي إدريس البصري استقبالًا خاصًا من طرف الرئيس الجزائري، وسربت بعض الصحف الجزائرية في إطار تغطيتها للحدث بأن الحدود البرية بين البلدين قد يعاد فتحها في شهر أغسطس المقبل، وأن قمة بين رئيسي الدولتين ستنعقد قريبًا، ولكن البصري أكد أن هذه القمة من المستبعد أن تتم خلال القمة الأفريقية المقرر عقدها بالجزائر ابتداء من ١٢ يوليو الجاري، لأن المغرب لن يشارك في هذه القمة ما دامت منظمة الوحدة الأفريقية لم تصحح خطأها بإلغاء عضوية البوليساريو في المنظمة.

ومصر تسعى منذ مدة إلى استرداد دورها الريادي في العالم العربي، عن طريق العمل على توحيد صفوف العرب المبعثرة منذ حرب الخليج الثانية، وعلى الرغم من عدم توافرها على الإمكانات المادية للسعودية، فإنها اليوم في وضع يسمح لها بلعب الدور الذي لعبته الرياض فيما بين ١٩٨٣م و ۱۹۹۱م ل«التقريب بين الأخوة» والرئيس محمد حسني مبارك له من التجربة ومن الحصافة ما يجعله ينجح في وساطته سواء في المغرب أو في الجزائر، خصوصًا أنه يجد في الوقت الراهن لدى الطرفين معًا من الرغبة في التصالح ما يسهل عليه هذه المهمة، على الرغم من أنه لا شيء يمنع المغاربة والجزائريين -رغم ما يبدو من تنافر- من حل مشكلاتهم وجهًا لوجه ودون وساطة، كما صرح الرئيس بوتفليقة للتلفاز المصري: «.... لا تقلقوافعوامل التقارب الموجودة بين المغرب والجزائر تجعل أنه لا شيء يمكن أن يفرقهما إلى الأبد»، ولكن مع ذلك من الأحسن وجود طرف ثالث بينهما ليس له مصلحة مباشرة، ليأخذ بعين الاعتبار حساسيات كل من الطرفين، ويدفع في اتجاه المخرج المناسب للمشكلات العالقة في أفق توسيع دائرة المصالحة لتشمل كل الدول العربية.

هل تنجح مصر؟

سكوت أمريكا على المساعي المصرية في المغرب لا يفسر وحده نجاح مصر من حيث لم تنجح تونس من قبل في التقريب بين الجزائر والمغرب، فمصر التي أعربت منذ البدايات الأولى لتأسيس اتحاد المغرب العربي عن رغبتها الملحة في الانضمام إلى هذا الاتحاد، وتقدمت سنة ١٩٩١م رسميًا بطلب الانضمام ولو بصفة ملاحظ، ولقيت دائمًا دعمًا من المغرب لطلبها ولم تتلق تجاوبًا من الجزائر إلا بعد انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي صرح بعد لقائه الأخير بمبارك ب «ضرورة انضمام مصر إلى اتحاد المغرب العربي بصفة ملاحظه، وبأن الجزائر تدعم بقوة هذا الانضمام».

وفي الرباط، عبر الرئيس المصري بالفعل عن رغبته في انعقاد قمة عربية للمصالحة على رغم أن وزير خارجيته عمرو موسى أكد بعد ذلك أن مصرليست مصرة على احتضان هذه القمة، مما يعني حث المغرب على احتضان القمة العربية التي تدعو إليها مصر.

ويبقى أن مسلسل إنضاج التصالح العربي قد انطلق بالفعل، وإن بخطوات خجولة هذا المسلسل أطلقه من عقاله استنتاج بسيط وإن جاء متأخرًا وهو أن سياسات التلاؤم التي ما زال يتعاطاها بعض أنظمتنا العربية فيما بينها منذ ١٩٩١م أصبحت تبدو مضحكة أمام التحولات السريعة التي يشهدها العالم، ويساعد على ذلك أن هذه القوة العظمى التي أصبحت تهيمن على العالم «أي الولايات المتحدة» قد لا تمانع اليوم كما ظلت تمانع بالأمس في تقارب عربي، أصبح يجد في نفسها هوى ما دام يمكن من استقرار منطقة شمال إفريقيا وجنوب البحر الأبيض المتوسط في مواجهة أوروبا الموحدة في شماله.

 الأمريكان بحدسهم الاستراتيجي المبني على دراسات عميقة يعرفون بأن تصالح دول شمال إفريقيا فيما بينها أمر مستبعد بدون مصر «أم الدنيا» كما أصر بوتفليقة أن يسميها.

وكذلك، فإن مصر التي تجد نفسها على تخوم تجمعات عربية جهوية «مجلس التعاون الخليجي، اتحاد المغرب العربي» دون أن تكون عضوًا في أي منها، تبحث عن موقع استراتيجي مستقر ومستمر وعن منافذ لتصريف منتجاتها، واتحاد المغرب العربي بعدد سكانه الذي يزيد على سبعين مليون نسمة، يمثل سوقًا واسعة وشريكًا مهمًا في تشييد السوق العربية المشتركة، ويمكن أن تشكل تونس والجزائر والمغرب، وربما غدًا ليبيا وموريتانيا إلى جانب مصر كتلة مندمجة ومنسجه في قلب المجموع الأورو متوسطي المرتقب. 

ومصر التي جريت محاولات الوحدة الفاشلة في عهد عبد الناصر والسادات مع كل من سورية وليبيا والسودان، يبدو أنها قد استخلصت الدرس جيدًا فيما يخص أسباب الفشل المتكرر، إذ لا مجال في إطار أي وحدة لفرض زعامة مزعومة على أحد، ولذلك هي اليوم لها مقاربة أكثر براجماتية لمسألة الوحدة العربية ولمسألة الزعامة.

وهكذا سواء في الجزائر أو في الرباط، كما من قبل في تونس، فإن المصريين أصبحوا يفضلون الحديث عن «عهد جديد» للعلاقات العربية- العربية مبني على التبادل الأفقي بين الشعوب في المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية، وعلى التأسيس لعناصر التكاملية في مختلف الميادين.

ومصر كذلك التي تربطها مع كل من تونس والمغرب معاهدتان للتبادل الحر، أبدت رغبتها في رؤية الجزائر وليبيا تنضمان إلى هذا المسلسل الاندماجي.

 وهكذا، فالرئيس المصري هو رئيس الدولة الوحيد الذي زار كلًا من طرابلس وتونس والجزائر والرباط في أقل من سنة، مؤكدًا بذلك تعلق مصر بمنطقة المغرب العربي وبفضائها الجيواستراتيجي الطبيعي.

فهل يعرف العرب الشمال إفريقيون كيف يستثمرون الطعم الممدود لهم لتحقيق التقارب والتصالح ولو على حساب الأوروبيين مع تجنب السقوط في المصيدة الأمريكية؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

116

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!

نشر في العدد 14

114

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مجتمعنا- العدد 14

نشر في العدد 21

115

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

لن تموت