; المجتمع التربوي (العدد 1334) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 1334)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1999

مشاهدات 70

نشر في العدد 1334

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 12-يناير-1999

وقفة تربوية

قبل الوداع

إعداد: عبد الحميد البلالي

ها هي أيام وليالي رمضان تقترب من النهاية، وها هو الشهر الفضيل يؤذننا بالرحيل، وها هي الأيام والليالي العبقة بعطر الإيمان تتضاءل، وها هو السمت الإيماني العام ينكمش، فلكل شيء بداية ونهاية، ووراء كل حركة سكون ويعقب كل نهار ليل، ويأتي بعد كل ارتفاع هبوط.

كأنني أرى رمضان شخصًا قد أتي بهدايا وعطايا وزعها على البعض، وحرم منها آخرين، وهدايا أعظم منها أجلها إلى اليوم الآخر بعد أن يقرض نتائج أعمال رمضان لكل مجتهد فيه، فمنهم من سيفرح الفرحة الكبرى يوم القيامة عندما ينادى عليه من باب الريان الخاص بالصائمين، ومنهم من سيعاقب العقاب العظيم بسبب جراته وإفطاره من غير عذر في رمضان، بل واقترافه ما نهى الله عنه دون حياء من الله تعالى.

قبل الوداع حري بنا أن نتأمل موقف صنفين من الناس في رمضان، الأول هم من يقبلون على العبادة، وبيوت الله وقراءة القرآن والصدقات وقيام الليل، وفعل الخيرات، فإذا ما انتهى رمضان هجروا بيوت الله، وربما هجر بعضهم حتى الصلاة، وقاطعوا القرآن، وامتنعوا عن قيام الليل، وعادوا إلى ما كانوا عليه من الغفلة.

 والصنف الآخر، هم الذين زادوا من تقربهم إلى الله في رمضان ومن فراقهم والعمل بالقرآن، وأكثروا من فعل الخير وازدادت صلتهم ببيوت الله تعالى فترك رمضان بصماته على سلوكهم بعد رحيله فتغير كثير من أخلاقهم ومشاعرهم، ونظرتهم للحياة والآخرة. 

هذا الصنف الأخير هو الصنف الناجح المتفوق في جامعة رمضان السنوية، لأنه قد أحدث التغيير الإيجابي في نفسه، بينما الصنف الأول زائد في جموع المصلين والصائمين وسرعان ما يتلاشى في الأول من شوال ليعود متحركًا في هامش الحياة بسلبيته التي لم تسعفه للاستفادة من رمضان.

وقبل رحيلك يا رمضان نسأل الله القبول، ونأمل أن نلقاك في العام المقبل.

 أبو خلاد 

شهادة «المتقين في مدرسة رمضان

ماذا استفدنا من الصيام؟

ها نحن نودع رمضان المبارك بنهاره الجميل ولياليه العطرة، ها نحن نودع شهر القرآن والتقوى والصبر والجهاد والرحمة والمغفرة والعتق من النار، فماذا جنينا من ثماره اليانعة وظلاله الوارفة؟!

هل تحققنا بالتقوى.. وتخرجنا في مدرسة رمضان بشهادة المتقين؟

هل تعلمنا فيه الصبر والمصابرة على الطاعة وعن المعصية هل ربينا فيه أنفسنا على الجهاد بأنواعه؟ وهل جاهدنا أنفسنا وشهواتنا وانتصرنا عليها؟ أم غلبتنا العادات والتقاليد السيئة؟

هل.. وهل.. وهل...؟!

أسئلة كثيرة، وخواطر عديدة، تتداعى على قلب كل مسلم صادق يسأل نفسه، ويجيبها بصدق

وصراحة؟

ماذا استفدت من رمضان؟

إنه مدرسة إيمانية، ومحطة روحية للتزود منه لبقية العام كما أنه يشحذ الهمم بقية العمر.. فمتى يتعظ ويعتبر ويستفيد ويتغير ويغير من حياته من لم يفعل ذلك في رمضان إنه بحق مدرسة للتغيير تغير فيه من أعمالنا وسلوكنا وعاداتنا وأخلاقنا المخالفة لشرع الله -جل وعلا-، قال سبحانه: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱)

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ (النحل:92) فإن كنت ممن استفاد من رمضان وتحققت فيه بصفات المتقين... فصمته حقا... وقمته صدقًا... واجتهدت في مجاهدة نفسك فيه... فاحمد الله، وأشكره، وأسأله الثبات على ذلك حتى الممات. 

وإياك ثم إياك من نقض الغزل بعد غزله، أرأيت لو أن امرأة غزلت غزلًا فصنعت بذلك الغزل قميصًا أو ثوبًا... فلما نظرت إليه وأعجبها جعلت تقطع الخيوط، وتنقضها خيطًا خيطًا بدون سبب ماذا يقول الناس عنها؟!

 ذلك هو حال من يرجع إلى المعاصي والفسوق والمجون ويترك الطاعات والأعمال الصالحة بعد رمضان، فبعد أن ينعم بنعيم الطاعة ولذة المناجاة يرجع إلى جحيم المعاصي والفجور، فبئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان ولنقض العهد مظاهر كثيرة عند الناس فمنهم على سبيل المثال:

- ما نراه من تضييع الناس للصلوات من الجماعة في أول يوم العيد.. فبعد امتلاء المساجد بالمصلين في صلاة التراويح التي هي سنة... نراه قد قل روادها في الصلوات الخمس التي هم فرض.

- بالأغاني والأفلام والتبرج والسفور والاختلاط في الحدائق والذهاب إلى الملاهي رجالًا ونساء... إلخ.

- بالسفر للخارج للمعصية.

وما هكذا تُشكر النعم... وما هكذا نختم الشهر، ونشكر الله على بلوغ الصيام والقيام. وما هذه علامة القبول، بل هذا جحود للنعمة وعدم شكرها... إن هذا من علامات عدم قبول العمل -والعياذ بالله- لأن الصائم يفرح يوم العيد بفطره، ويحمد ويشكر ربه على إتمام الصيام، ومع ذلك يبكي خوفًا من الا يتقبل الله منه صيامه كما كان السلف يبكون سنة أشهر بعد رمضان يسألون من الله القبول.

فمن علامات قبول العمل أن ترى العبد في حال أحسن من حاله السابق، وأن ترى فيه إقبالًا على الطاعة ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ﴾ (إبراهيم:7) أي زيادة في الخير الحسي والمعنوي.

بندر محمد آدم المدينة المنورة 

رسالة إلى معتمر

أخي المعتمر أراك قد عزمت السفر، وحملت الأمتعة وتوجهت صوب البيت الحرام يحدوك الأمل، ويدفعك الشوق إلى بقعة تضاعف فيها الحسنات، وتُقال العثرات وتغفر الزلات.

 أخي المعتمر لأننا شركاء في سفينة الحياة أحببت الوقوف معك بعض الوقفات:

- أولادك وبناتك أمانة في عنقك.. أنت مسؤول عنها أمام الله: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» فلا تضيع هذه الأمانة، ولا تنشغل عنهم بالاعتكاف داخل أروقة الحرم فتترك الأولاد يتسكعون في الشوارع، أو أمام آلات اللهو مع قرناء السوء، وبناتك جل ليلهن يتجولن في الأسواق فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

عليك بحسن المعاملة والتحلي بالأخلاق الفاضلة مع إخوانك المصلين والطائفين.

أماكن الطاعة -للأسف الشديد- ملئت بنساء متبرجات، فابتعد عن مزاحمتهن، وكف بصرك، واحفظ صيامك.

 أنت في زمان ومكان فاضل فأكثر من الطاعات واجتهد في الدعاء لإخوانك المسلمين المضطهدين في كل مكان.

تقبل الله منا ومنك صالح الأعمال، وحفظك في حلك وترحالك.

أختك: الخزامى بنت عبد الله السعودية

سهام الدعوى أقوى من الرصاص 

دعوات أهل الإيمان رصيد للنهضة

تعيش الأمة اليوم في حالة كرب وتمزق، فما أحوجها لرصد دعاء أبنائها لصالح ما يلزمها كما ترصد للمشاريع المادية الضرورية لحياتها. 

فرمضان شهر كريم اصطفاه الله -سبحانه- عن غيره من الشهور، فإذا أقام أبناء الأمة بطاعة الله وأداء فرائضه، وترك محارمه فيه فتح لهم أبواب الشكر ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة:185).

 فالصيام يربي الأمة على الإخلاص، وقهر عدو الله، والانتصار على الشهوات مما يورث التقوى ويفتح أبواب السماء للاستجابة للدعاء.

الدعاء ورمضان

ومع كل صيام تكون الدعوات جائزة عظيمة لكل صائم في نهاره وعند فطره، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن للصائم عند فطره دعوة لا ترده» «رواه ابن ماجه»، وقال ﷺ أيضًا: «ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، والمظلوم»، «رواه الترمذي وحسنه»، وقال تعالى بعد أية رمضان: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة:186).

ففي رمضان كنوز عظيمة من الدعاء لا تُرصد ولا تدخر اليوم بإيجابية تأخذ بيد الأمة إلى طريق الرشاد الذي افتقدته عبر القرون منذ زمن الخلفاء الراشدين.

 ففي رمضان يرث أبناء الأمة رصيدًا من التقوى يفتح لهم أبواب الشكر والحمد ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وبالدعاء للشاكر بالإيمان والاستجابة لأوامر الله تقف الأمة على أبواب الرشاد، فما أحوجنا لتنظيم دعاء أهل الإيمان لرصد جوائزه صالح الأمة.

إن الأمة اليوم تعضل بها المشكلات وهي عاجزة عن الخروج من الفتن التي تحيط بها، ولو تم صد دعاء المخلصين اليوم مع كل غروب شمس في رمضان في كل مسجد وقرية وولاية وقطر، وأيضًا في أوقات السحر، كما ترصد الأموال لعمل صالح مثل بناء مسجد، أو مدرسة، أو مصنع، أو تنظيم جيش، أو مساعدة يتيم.. إلخ، لكان هذا خيرًا خطوة الخروج الأمة من الفساد الذي يحيط بها، الله سبحانه وعد بأن يلبي دعاء المستجيبين بعد كل صيام ومحصلة هذا الدعاء يبين الله تعالى لهم لمريق الرشاد وفي الحديث الشريف: العاجز من عجز عن الدعاء، فالدعاء هو المفتاح الأول والأخير حل مشكلات الأمة.

شروط الدعاء المستجاب: 1- الاستجابة لله، الإيمان به سبحانه والدليل في الآية ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة:186).

٢- الدعاء بلا عجلة، ولا إثم، ولا قطيعة رحم ولا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل» (رواه مسلم).

 ٣- أن يكون الدعاء منسجمًا مع سنن الله سبحانه، وقبل وقوع البأس قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (غافر:85)، وإني أتعجب اليوم من قوم ينقضون عهد الله ورسوله ولا يتحرون ما أنزل الله في كتابه فيما يملكون ويطيقون كيف يستجيب الله سبحانه لدعائهم؟! 

فمنهم من يتوجه بدعائه لتحرير المسجد الأقصى، أو كشمير، أو وقف القتال في أفغانستان والجزائر وغيرهما، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ولم ينقضوا عهد الله ورسوله إلا وسلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله -عز وجل-، ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم...» «رواه ابن ماجه والحاكم وصححه».

 فالمطلوب طبقة من أهل الإيمان تنسجم مع سنن الله، فالمشكلات بين الحدود الجغرافية للأقطار المسلمة والبأس بين هذه الأقطار داخليًا وخارجيًا سيبقى مادام الناس لا يتحرون ما أنزل الله، ولا يتأدبون مع الله تعالى ورسوله، والمسجد الأقصى وكشمير وغيرهما سيبقى مع العدو اليهودي والهندي وغيرهما مادام هناك نقض العهد الله ورسوله.

ومهما تقدم الناس بالدعاء في المسجد الحرام وغيره اليوم، فأبواب السماء لا تفتح لدعاء لا ينسجم مع سنن الله تعالى، فالمطلوب طبقة من أهل الإيمان يرى الله سبحانه فيهم تغيرًا ينظمون أنفسهم- كما نظم رسول الله ﷺ مجتمع المدينة بين المهاجرين والأنصار تمامًا، وسع طاقتهم، ثم هؤلاء وحدهم يدعون فيستجيب الله سبحانه لهم وجدهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ ﴾ (الرعد: (۱۱)، تمامًا مثل الثلاثة الذين فرج الله عنهم صخرة الغار، فتقدم كل منهم بذكر عمل صالح، ودعاء، ففرج الله عنهم، وهو حديث طويل «رواه البخاري ومسلم».

4- الدعاء بضراعة وعدم اعتداء.

قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف:55).

5- الدعاء بإحسان مع خوف وطمع:

 قال تعالى ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (E) (الأعراف:56).

٦- الدعاء بقلب موقن لا بقلب غافل:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض فإذا سألتموه أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل» (رواه أحمد)

خاتمة وعاطفة

رمضان شهر مبارك اصطفاه الله سبحانه لهذه الأمة لزيادة رصيدها من زاد التقوى والمخلصون من أبناء الأمة يستمدون منه طوال العام عملًا صالحًا لإصلاح الأمة وإبعاد الوهن والفساد الذي أصابها، فبالإيمان والاستجابة لله وللرسول تدب الحياة في جسد الأمة كما تأمرنا الآية ٢٤ من سورة الأنفال، فأهل الإيمان وحدهم هم الذين لا ينقضون عهد الله، وهم الذين يسعون للحكم بما أنزل الله ويتحرون كتاب الله «الفرقان» الذي نزل في رمضان الذي يرشدهم، ويبين لهم الطريق في كل غبراء مظلمة، وهم وحدهم بما يملكون من سهام الدعاء التي تعطيهم طاقة اقوى أثرًا في الكون والأرض من القنابل الذرية والهيدروجينية والصواريخ التي تملكها جيوش الظلام والكفر والطغيان.

فالدعاء رصيد عظيم لإبعاد العجز الذي أصاب الأمة اليوم من ضياع لثرواتها، وتبديد لطاقاتها والتيه الذي تعيش فيه بما أحاط المجتمعات المسلمة من فساد وفتن مظلمة تجعل الحليم حيرانًا.

كلمتي هذه.. دعوة تربوية للتأمل في دعاء كل مسلم من قبل نفسه وإخوانه وعشيرته، ما رصيدنا من الدعاء المستجاب في رمضان؟ وكيف يدخر وينفق لصالح أنفسنا ومجتمعنا وأمتنا؟

وهل يمكن رصد جوائز لأعز وأكرم دعاء يلائم ظروف كل موقع وزمن وفتنة، ويواكب السبق بالخيرات ليأخذ دعاء المخلصين بيد الأمة إلى طريق الرشاد، الذي تتشوق إليه البشرية وتترقبه.

فاللهم بارك لنا في رمضان، وميز بين صفوف المؤمنين والمنافقين وألف بين قلوب المسلمين، وأعزهم وانصرهم.

أبو عبد الله عبد الحليم باكستان

قطوف تربوية من قصة صاحب الجنتين (3)

قراءة في مفردات خطاب علماني 

حرية الحوار والرأي الدعامة التي تصنع الأحرار وتنشط عوامل الوحدة الفكرية في الأمة 

انتهج النبي -صلى الله عليه وسلم- نهج الانفتاح على الآراء المضادة فتخلخل صف قريش

التيار الإسلامي مطالب بإجابة مبادرات الحوار لكسر طوق الحصار عن أفكاره

دارت القصة في جولات أربع، عرضت جولتها الأولى -التي تناولناها في الحلقة الماضية- صورة مفصلة لممتلكات الرجل الكافر التي تسببت في طغيانه وكفره، ولم تصف ما يملكه المؤمن من متاع مادي، لأنه لا يمتلك ما يستحق الذكر، ولأن ما يميزه ويتشرف به هو الفكرة والمبادئ التي يحملها.

واليوم نتناول الجولة الثانية، وهي جولة المواجهة الحوارية والمباراة الفكرية والمبارزة المعرفية بين الرجلين وهي جولة من مداخلتين.

 الأولى: يعرض فيها الرجل الكافر رأيه وأفكاره دون مقاطعة من الرجل المؤمن ﴿قَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا ودخل جنته ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ (الكهف36:34).

وهي صورة توضح الحالة الغريبة التي اعترت صاحب الجنتين، فامتلأت نفسه كبرًا وتيها بجنتيه فأحس بالزهو، وانتفش خيلاء، وتعاليًا، على صاحبه المؤمن الفقير، وعايره معايرة المفتون بالمال والولد، ثم ذهب إلى إحدى جنتيه مختالًا على الجميع، بمن فيهم صاحبه، ونسي نفسه وظلمها فأوردها موارد الهلاك وافترض أن نصيبه الخلود، ثم نسي الميزان الذي يضبط المشاعر والعواطف والسلوك نسي اليوم الآخر، وأنكر قيام الساعة وشكك في صحتها، ثم أخذه الاستهزاء مأخذًا جريئًا، ليعلن أنه حتى وإن قامت الساعة، فسيكون من أهل الحظوة والمكانة أيضًا، ولم لا وهو من أهل المكانة في الدنيا؟! ذلك تصوره.

تساؤلات

ولو تساءلنا: لم بادر الرجل الكافر إلى الحوار مع صاحبه المؤمن؟ ولم حاوره؟ وما منطلقاته في الحوار؟ وما الغاية التي يريد أن يصل إليها من خلال هذا الحوار؟ وما القضية المحورية التي تدور حولها حركة وسلوك الرجل الكافر فإن تدير هذه المداخلة يمكن أن يجيب عن هذه التساؤلات، وكذلك يضع أيدينا على بعض الملامح التربوية التي تبين بعض سلوك اللادينيين وتفضح توجهات الماديين وتكشف ستر أفكار العلمانيين، وهي مجرد قراءة في مفردات الخطاب اللاديني أو المادي أو العلماني، في: ذلك العصر.

ذلك الخطاب الذي يكاد يكون هو الخطاب المادي نفسه في كل عصر. 

ويمكننا أن نعلن بلا مجاملة فكرية، أنه حتى وإن اختلفت المصطلحات، فإن اللادينية هي صنوان

 المادية أو العلمانية.

ولذا فإننا قبل أن نبدأ في القراءة المتأنية لهذا الخطاب يحسن بنا أن نذكر صورة أخرى من الخطاب اللاديني العلماني، وهو من أدبيات عصر آخر.

ذلك لأن الأدبيات عمومًا تعكس الحالة التي تواجهها الفكرة في تلك الفترة.

وعلى أساس القاعدة الثابتة، التي تؤكد أن الأدبيات تشهد دومًا على عصرها.

وكذلك القاعدة الثابتة الأخرى التي ترتبط بهاء وهي أن الأدبيات تشهد أيضًا على المرحلة الفكرية التي يمر بها عقل أصحابها، وعلى المرحلة الفكرية للأمة عمومًا. 

هذه الأدبية هي القصة التي أوردها الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في معرض تفسير سورة «فصلت»، قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة - دوكان سيدًا- قال يومًا وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: «يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ -وذلك حين أسلم حمزة- رضي الله عنه- ورأوا أن صحاب رسول الله -صلى عليه وسلم- يزيدون ويكثرون- فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا بن أخي، إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكانة في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قل: يا أبا الوليد أسمع قال: يا بن أخي: إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرءك منه فإنه ربما على التابع غلب الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستمع منه قال: «أفرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم، قال فاستمع مني قال: أفعل قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم (1)) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4)﴾ (فصلت: 1-4).

ثم مضى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيها وهو يقرؤها عليه فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهر معتمدًا عليهما، يستمع منه حتى انتهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى السجدة منها فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: تحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلم جلس إليهم قالوا: ما وراك يا أبا الوليد؟ قال ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك يا أبا الوليد بلسانه؟، قال هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم».

وفي رواية أخرى إن قريشًا عندما ثارت بقيادة أبي جهل، مستنكرة على عتبة اعتزاله لهم بسبب تأثره بكلام الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فكان مما ورد في إجابة عتبة، أنه قال لهم «فأجابني بشيء والله ما هو بشعر، ولا كهانة، ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)﴾ (فصلت: 13)، فأمسكت بقيه وناشدته الرحم أن يكف وقد علمتم أن محمدًا قال شيئًا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب» (۱). 

وسنحاول المقارنة والربط بين مفردات خطاب الرجل الكافر، وخطاب عتبة بن ربيعة، وحتى تتضع الصورة ستلمح حول الخطاب العلماني المادي المعاصر، ونركز بعونه سبحانه على بعض النقاط

حركة التدافع الفكري

 لقد بادر الرجل الكافر بالحوار، «فقال لصاحبه وهو يحاوره»، وكذلك بدأ عتبة بن ربيعة، ممثلًا لمبادرة قريش.

ولقد قبل الرجل المؤمن وكذلك محمد -صلى الله عليه وسلم- دعوات ومبادرات التجسير تلك، من باب أن وجود جسور في العلاقات من شأنه أن يثمر الحركة الحوارية بين التيارات، لأن حرية الرأي تعتبر الركيزة التي تنشط حركة تمحيص الأفكار وتنقيتها، فتمر في عملية انتقائية تفرز أصوب وأصلح وأشمل الآراء وأكثرها واقعية وقبولًا من رجل الشارع العادي.

وحينما تتاح حرية الرأي في مستوى الإعلان والحجاج، فإن العقل ينفتح على الرأي المخالف والمعطيات المضادة، وتتم في نطاق الحوار المقابلة بين الآراء فيسقط الضعيف ويصح القوي، أما الكبت والمنع من التعبير والمحاورة فلا يثمر إلا الانغلاق على الرأي الواحد والتشبث به والتعصب له، فلا يكون العقل ناظرًا إلى الأمور إلا من زاوية واحدة قد تخطته الحقيقة أحيانًا كثيرة ولا غرو حينئذ أن

كل ينمو التعصب للآراء والتشبث الأعمى بها في مناخ تصادر فيه حرية التعبير، وأن تنمو المرونة العقلية ويقبل التصويب في كل مناخ تشيع فيه هذه الحرية، وما أروع التربية النبوية في هذا الخصوص، فقد انتهجت نهج الانفتاح على مضادات الآراء بما أتاحته من حرية القول والاحتجاج والنقد، وقد اتخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- شعارًا له: «أشيروا علي أيها الناس» (۲)

من ثمار المبادرة

وتدبر كيف أن هذه المبادرة في تجسير العلاقات في مناخ يسمح بحرية التنفس الفكري قد أثمرت هذه الخلخلة في صف قريش، مما تسبب في فتح الطريق أمام العقلاء والمعتدلين منهم مثل عنبة الذي اعتزل قريشًا، بعد سماعه للفكرة نقية دون حجاب من الحبيب صلى الله عليه وسلم.

 وحتى لو شعرنا بأن الكافر قد فتح باب الحوار من باب التشفي في صاحبه، لكننا سنرى فيما بعد كيف أن المؤمن وبذكاء عجيب وثقة ومن باب الست بالحب والخب لا يخدعني قد قلب المائدة عليه وعلى أفكاره في أدب وحجة بالغة وكسب جولة تصويب الأفكار.

وحرية الرأي أو حرية الحوار، إنما تدل على صحة المناخ الاجتماعي السائد، وهو الدعامة التي تصنع الأحرار وتعمل على تفعيل وتنشيط عوامل الوحدة الفكرية عند الأمة. 

وفي عصرنا نسمع الكثير عن الندوات والحوارات التي تنظمها مراكز توجيه الفكر، التي يقوم عليها رموز علمانية، والواجب أن يحسن أبناء التيار الديني استغلال هذه المبادرات لأنهم في حاجة لكسر طوق الحصار على الأفكار وتشجيع الحركة الحوارية، لأنهم الأقدر والأعلى بفكرتهم الربانية، فهي الوحيدة القادرة على كسب العملية الانتقائية للأفكار تحت ضوء حرية الرأي.

 وإجابة مبادرات الحوار، هي العلامة التي تفتح باب الأمل في ترسيخ قضية قبول الآخر، فبالإضافة لا أسلفناه، فإن القرآن الكريم قد أشار في غير 

موضع إلى هذه القضية في الحوارات الكثيرة التي تضمنتها آياته الكريمة، وحق الآخر في المناقشة والتعبير عن رأيه، ويكفينا في هذا المقام مجرد الإشارات السريعة إلى بعض منابر الحوار فتدبر حوار إبليس اللعين مع الحق سبحانه (۳) ثم في حوار موسى -عليه السلام- مع السامري (٤) وحوار الهدهد مع سليمان -عليه السلام- (٥) وحوار أصحاب النار مع أصحاب الجنة (٦) 

وهو الأمر الذي يجب أن يؤخذ بجدية داخل أي مؤسسة دعوية كانت أو أسرية تحاول المشاركة في المشروع الحضاري المنشود، الذي من أهدافه وثوابته محاولة تنقية العقلية المسلمة من آثار المناخات الاستبدادية، وهي الأمراض الفكرية التي تكاثرت جراثيمها في أروقة العقليات المكبوتة فأثمرت عقلية العوام، وطبيعة القطيع، ونفسية العبيد (۷)

فلابد من حرية الرأي وحرية الحوار، وذلك لأن العملية الانتقائية للأفكار، تمر عبر حرية الرأي والحوار في مرحلة هي أشبه ما تكون بعملية الصراع السلمي للآراء والأفكار، أو هي ببساطة ما نسميها بحركة التدافع الفكري الآرائي، وهذه صورة من صور حركة التدافع الحضاري الشاملة التي جعلها الحق سبحانه من السنن الإلهية التي تفرز الأصوب والأبقى والأصلح في كل شيء سواء أفكارًا، أو آراء أو أفرادًا أو أممًا، فإذا توقفت  لك العملية التدافعية الحضارية المختلفة الصور كان الفساد وهذا من فضله سبحانه من أجل ديمومة واستمرار العملية الاستخلافية الإعمارية في الأرض ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾(البقرة:215).

أهمية عملية التجسير

لقد كان من أسباب وعوامل تشجيع وتنشيط، بل وتفعيل الحركة الحوارية بين التيارين اللاديني والديني، والممثلين بالرجلين الكافر والمؤمن هو العلاقة السابقة أو الأرضية التي نشأت عليها صحبتهما.

وتدبر ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ (الكهف:34) وذلك بعد أن ندرك أن معنى الصاحب هو الملازم إنسانًا كان أو حيوانًا، أو مكانًا، أو زمانًا، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن وهو الأصل والأكثر أو بالعناية والهمة، ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته (۸).

 إذن فهناك بين الرجلين -على الرغم من خلافهما الفكري- علاقة مصاحبة وملازمة، وهي التي ساعدت على عملية الحوار، وحرية الرأي.

 وتدبر قول عتبة، وكيف بدأ بالضرب على وتر العلاقة السابقة ورابطة صلة الرحم يا بن أخي إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكانة في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورًا ننظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.

 وهذا الملمح يدعو أصحاب التيار الإسلامي إلى أن يدركوا المغزى البعيد لكلمة صاحبه، التي تكررت في سياق القصة، وهيا بن أخي، التي تكررت في خطاب عتبة، فيكونوا من أنصار تجسير العلاقات واستغلال العقلاء من معتدلي التيار المادي، وهو الأمر الذي من شأنه أن يزيد في حركة التقارب وتنقية الآراء ويقطع السبيل على بعض الفصائل داخل التيار العلماني التي تنتهج النزعات الاستقصائية للآخر وبخاصة الإسلاميون، فالجسور التي تعقد بين قمم الجبال هي المعبر والسبيل الذي نتجاوز به خطر الهلكة في أودية الخلاف والقطيعة.

الهوامش

1- تفسير القرآن العظيم ابن كثير طبعة دار المعرفة بيروت:4/98-99

2-دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين: د عبد المجيد النجار، طبعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي سلسلة أبحاث علمية (٦) ٦١.

3- الحجر (٣٢- ٤٤)، ص (٨٥-٧٥).

4- طه:(95-98).

5- النمل: (۲۰- ۲۸).

6- الأعراف: (٥١-٤٤).

7- دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين، مرجع سابق (٦) ١٥.

8-مفردات ألفاظ القرآن: الراغب الأصفهاني: ٤٧٥.

الجنة تتزين والربح تغرد والحور العين ينادين: هل من خاطب إلي الله فيزوجه؟

موسم الهجرة إلى الجنان في رمضان

۲۰ موقعة جهادية في رمضان نقلت المسلمين من الذل والفقر إلى العز والغنى

بقلم: عبد القادر أحمد عبد القادر

عن ابن عباس -رضي الله عنهما-قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن الجنة لتبخر-وفي لفظ تزخرف- وتزين من الحول إلى الحول، لدخول شهر رمضان فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان، هبت ريح من تحت العرش، يقال لها المثيرة فتصفق أوراق أشجار الجنان وحلق المصاريع فيسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه، فتبرز الحور العين حتى يقفن بين شرف الجنة، فينادين: هل من خاطب إلى الله، فيزوجه؟ ثم يقلن يا رضوان الجنة، ما هذه الليلة؟ فيجيبهن هذه أول ليلة من شهر رمضان فتحت أبواب الجنة على الصائمين من أمة محمد ﷺ». (1)

في أيام الشتاء القارس تهاجر الطيور من مناطق الصقيع والتجمد وترحل باحثة عن دفه وغذاء، فهل تكون الطيور أذكى من المسلمين؟

إن المسلم حين يصل إلى شعبان، يكون في حالة شبيهة بالتجمد، وهنا يتوجب عليه أن يرحل بروحه إلى عالم يجد فيه نفسه هذا الرجيل سماه القران سياحة ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوية:112). 

السياحة هنا في الصوم أو الجهاد، جاء الجهاد ليوافق الصوم في زمانه، فما الحكاية؟

 إنهما جناحان للمسلم، يستخدمهما في طيران هجرته إلى الشمال، أقصد إلى الجنان.

 أجهاد مع الصوم؟! أجهاد مع الجوع كيف ذلك؟ 

لقد أحصيت من تاريخ الأمة عشرين جهادًا قتاليًا في رمضان، هاجر المسلمون بها من الذل إلى العز، ومن الفقر إلى الغني، ومن الدنيا إلى الجنة (٢)، وها هي أسماؤها وتواريخها:

1- خرجت سرية حمزة في رمضان وكان الشهر السابع من الهجرة.

2- وحدثت غزوة بدر الكبرى في رمضان من السنة الثانية.

3- وفتحت مكة في رمضان من السنة الثامنة.

 وكأنما قد أعطي النبي -صلى الله عليه وسلم- إشارة البدء الاعتماد أعمال جهاد كثير في رمضان تابعوا معي هذه الأسماء والتواريخ.

4- معركة البويب ضد الفرس في رمضان سنة ١٣هـ، بقيادة المثنى بن حارثة، وقد فتح الطريق

لفتح فارس كلها.

أما الفتوحات فهذه أشهرها:

5- فتح بلاد النوبة في رمضان سنة ٣١هـ. بقيادة عبد الله بن أبي سرح.

6- الأندلس في رمضان سنة ٩٢هـ، بقيادة طريف بن ملوك، ثم طارق بن زياد.

7- جنوب فرنسا في رمضان سنة ١٠٢هـ، بأوامر من السمح بن مالك الخولاني.

 ومن المعارك أيضًا:

8- عمورية في رمضان سنة ٢٢٣هـ، بقيادة المعتصم، ضد الروم.

9- إنطاكية: في رمضان سنة ٦٦٦هـ، بقيادة بیبرس ضد الصليبيين.

10- أرمينيا الصغرى في رمضان، سنة 673هـ ضد الصليبيين.

11- قبرص: في رمضان، سنة ٨٢٩ هـ، بأمر السلطان المملوكي الأشرف برسباي.

12- البوسنة والهرسك في رمضان، سنة ٧٩١هـ. بقيادة السلطان العثماني مراد الأول.

13- معركة بلاط الشهداء في رمضان سنة ١١٤ للهجرة، بقيادة عبد الرحمن الغافقي، في جنوب فرنسا.

14- القضاء على فتنة الخرمدينية: في رمضان سنة ٢٢١ هـ، بقيادة الإفشين، بأوامر من المعتصم العباسي والخرمدينية طائفة من الشيعة الباطنية، ومعناه الذين يدينون بما يريدون ويشتهون، وهذا الاسم فارسي، وقد أباحوا المحرمات كالخمر، ونكاح المحارم، فصاروا بذلك امتدادًا للمزدكية، التي ظهرت قبل الإسلام، والتي حاربها كسرى أنوشروان المجوسي.

15- معركة حارم في رمضان، سنة ٥٥٩هـ بقيادة أسد بن شيركوه، ضد الصليبيين.

16- صفد في رمضان سنة ٥٨٤ هـ، بقيادة صلاح الدين الأيوبي ضد الصليبيين.

17- عين جالوت: في رمضان سنة ٦٥٨هـ. بقيادة سيف الدين قطز، ثم الظاهر بيبرس ضد التتار.

18- شقحب: في رمضان سنة ٧٠٢هـ، بقيادة ابن تيمية والخليفة العباسي المستكفي بالله، ضد التتار.

19- الحبشة في رمضان سنة ٩٣٥هـ، بقيادة الإمام أحمد القرين أحمد الجران».

20- عبور قناة السويس في رمضان، سنة ١٣٩٣ هـ ضد اليهود، وهذا هو أول انتصار عسكري إسلامي ضد اليهود، منذ قيام الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين.

فأروا الله من أنفسكم خيرًا

عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاكم رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته، فاروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله». (۳) 

ورمضان شهر بركة قال -صلى الله عليه وسلم-: «شهر يزاد فيه الرزق» أو «رزق المؤمن»

- ويستجاب فيه الدعاء فقد نزلت آية الدعاء وسط آيات الصوم، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186)

ينظر إلى تنافسهم فيه: في تحسين الصوم وفي تحسين القيام وفي تحسين الصدقة. وفي تحسين الإخلاص، وفي تحسين الاستقامة، وفي تحسين الأخلاق فإن سابه أحد فليقل إني أمرؤ صائم (٤)

والشقي من حرم فيه رحمة الله: وأي شقاء أكبر وأعظم من إفساد الشهر على أمة محمد ﷺ فالإذاعات والتلفزة تستعد لإفساد الصوم على المسلمين قبل رمضان بستة أشهر، وقرأت أن السلف الصالح كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم (٥)، فما أبعد المسافة بين الشقي والسعيد.

 ومن أشقياء الشهر: جمهرة واسعة من مدمني اللهو في ليالي رمضان، وجمهرة ممن كان حظهم فيه نوم النهار عن الصلاة والتلاوة والذكر. بل ربما عن العمل لمعيشتهم.

 ومن أشقياء الشهر: من تجوع بطونهم، وتفطر جوارحهم على الحرام، في مسند أحمد أن امرأتين صامتا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكادتا تموتان من العطش، فذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فأعرض عنهما، ثم ذكرنا له، فأعرض عنهما، ثم ذكرنا له فدعاهما، فأمرهما أن تتقيأ، فقاءتا مل قدح قيمًا ودمًا وصديدًا.. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن هاتين صامتا عما أحل الله وأفطرتا على ما حرم الله -عز وجل- عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا تأكلان لحوم الناس» (٦).

 وأمثلة الشقاء كثيرة معلومة والسعداء من خالفوها، «فأروا الله من أنفسكم خيرًا».

وليس أوسع في مجالات الخير من الأيدي الممدودة، والأكف المرفوعة للمرابطين حول الأقصى الأسير المهدد بالانهيار في أي لحظة هؤلاء المرابطون حول الأقصى الذين اجتمعت عليهم قوى الشر والبغي، اجتمع عليهم الأعداء، وانقلب عليهم من يقال إنهم رفاق جهاد، أو أصدقاء هؤلاء المرابطون الذين تمارس ضدهم مخططات التجويع والقتل البطيء، وسياسات إفساد الضمائر والأخلاق في شوارع غزة وعلى سواحلها، وليس أوسع في العظم مجالات الخير من الأيدي الممدودة والأكف المرفوعة المرابطين على ثغورنا الأوروبية في كوسوفا، وفي ازداد التي البوسنة وفي الشيشان وفي ألبانيا، وفي قبرص كأسلوب للتعليم وعلى ثغورنا الآسيوية في الفلبين وأراكان وكشمير انتشارًا خلال جمهوريات وسط آسيا، وعلى ثغورنا الإفريقية في القرن الإفريقي والسودان والجزائر.

نعم.. إنه موسم الهجرة إلى الجنان يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- فيه:

«إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون، لا يدخل منه غيرهم» (۷)

«... ورأيت رجلًا من أمتي يلهث عطشًا كلما دنا من حوض طرد، فجاءه صيام رمضان، فسقاه وأرواه» (۸) 

«الصائمون ينفع «يفوح» من أفواههم ريح المسك، وتوضع لهم مائدة تحت العرش، يأكلون منها والناس في الحساب» (۹)

قال أنس: «إن لله مائدة لم تر مثلها عين ولم تسمع أذن ولا خطر على قلب بشر، لا يقعد عليها إلا الصائمون» 

«.... من فطر فيه صائمًا، كان مغفرة لذنوبه وعتقًا لرقبته من النار، وكان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء» قالوا: يا رسول لله، ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، قال -صلى الله عليه وسلم-: يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائمًا على مذقة لبن أو تمرة، أو شربة ماء، ومن سقى فيه صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها، حتى يدخل الجنة» (١٠).

«إن لله -تبارك وتعالى- عتقاء كل يوم وليلة في رمضان، وإن لكل مسلم كل يوم وليلة دعوة مستجابة» (۱۱)

 كان ثلاثة في جهاد، فاستشهد اثنان ومات الثالث بعدهما على فراشه فرؤي في المنام سابقًا أيهما فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أليس صلى بعدهما كذا كذا صلاة، وأدرك رمضان فصامه فو الذي نفسي بيده إن بينهما لأبعد مما بين السماء الأرض. (12)

 

الهوامش

(1) رواه البيهقي، وغيره.

 (۲) راجع من معارك المسلمين في رمضان، للدكتور عبد العزيز العبيدي.

(3) رواه الطبراني، ورواته ثقات.

(4) رواه البخاري ومسلم.

(5) وظائف رمضان لابن رجب.

(6) رواه احمد.

(7) رواه البخاري ومسلم. 

(8) رواه الطبراني 

(9) ابن أبي الدنيا.

(۱۰) ابن خزيمة والبيهقي وغيرهما.

(11) البزار

 (12) أحمد وغيره.

دورة رمضان ترتقي بالسلوك والوجدان طوال العام

بقلم: عابدة المؤيد العظم

ازداد التدريب -كأسلوب للتعليم- انتشارًا خلال السنوات الثلاثين الماضية، وأصبح يحتل مكانة متميزة باعتباره وسيلة لتطوير الكفاءات وبناء القدرات وتنمية المهارات.

 أقصد بذلك الدورات التدريبية السريعة المركزة التي تعقد من أن لآخر لعدد قليل من الأفراد ولمدة محدودة من الزمان قد تكون عدة ساعات فتنتهي الدورة في يوم واحد، أو تكون مقسمة على أيام معدودات.

وتهدف هذه الدورات إلى تنمية قدرة ما عند الفرد كتقوية ذاكرته، أو منحه القدرة على التفكير الواضح السليم أو مساعدته على إدارة وقته بكفاءة عالية، أو ما شابه... ونظرًا لما حققته هذه الدورات من نجاح باهر تهافت الناس عليها، خاصة الوعاة منهم من الدعاة، والداعيات، والمثقفين، والمثقفات.. وصارت تشد إليها الرحال، ويدفع المال الوفير لقاء الانتساب إلى واحدة منها.

نحن المسلمين تلتحق كل عام بدورة مماثلة ستمر ثلاثين يومًا، دورة تعلمنا الامتثال والطاعة، والصبر وتحثنا على الاستزادة من كل خير. إنها شهر رمضان فإذا جاء رمضان تنبه الغافلون وتاب المذنبون، وتفاني المتقون في العبادة. 

وفي هذا الشهر تتبدل أحوال الناس لأن رمضان ما زال- بحمد الله- يعني الكثير للمسلمين، فإذا بهم يجتهدون في الصلاة والاستغفار وقراءة القرآن.. وقد جاورت بعض العائلات التي لا تتحجب نساؤها، ولا يصلي رجالها، فرأيت نساهم إذا جاء رمضان مصليات صائمات محجبات فإذا ذهب رمضان ذهبت معه هذه الأعمال الصالحة، وعاد كل مسلم إلى سابق عهده أما الأخلاق والمعاملات فإنها تظل على ما هي عليه من إهمال.

ولذلك وخوفًا أن تكون ممن قال عنهم سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع أحببت أن أنبه الناس إلى ضرورة الاستفادة من هذه الدورة الرمضانية التي تتكرر كل عام ليستزيدوا من خيرها قدر طاقتهم فيستغلوا المشاعر الإيمانية التي تتدفق في هذا الشهر، والحماسة التي تسيطر على الجوارح في تهذيب النفس والسمو بها في كل عام درجة حتى تصل إلى منتهاها.

والدورات التدريبية تلك تعقد عادة لتنمية المهارات والقدرات والكفاءات حتى يستفيد منها الفرد في تطوير نفسه وإثراء فكره وتعديل سلوكه طوال حياته لا مدة انعقاد الدورة فقط وإلا لم يكن لهذه الدورات أي قيمة، وكانت إضاعة للجهد والمال والوقت.

ورمضان شهر فضيل نتدرب فيه على الصيام والقيام والاستغفار وقراءة القرآن ولنا الأجر إن شاء الله، فهلا احتفظنا بشيء من هذه الفضائل بعد رمضان؟ وهلا داومنا على القليل من الاستغفار والصلاة في جوف الليل وصيام بعض الأيام طوال العام حتى تريح المزيد من الحسنات؟

وفي رمضان تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين، فأبواب الرحمة مفتوحة والوسوسة بالسوء ممنوعة، فهلا اغتنمنا الفرصة فعدلنا سلوكنا وهذبنا خلقنا مع عباد الله في هذا الشهر الفضيل حتى لا نخسر بعض الأجر الذي قدمناه؟ فكلنا صائمون وكلنا مرهقو الأعصاب، وكلنا نشعر بالجوع والعطش فلم لا نتحلى بالحلم وسعة الصدر والصبر على أخطاء من حولنا الصغار منهم والكبار والأسياد والمخدومين، ولم لا نصفي قلوبنا مع إخواننا ونتدرب على ترك الغيبة والنميمة والاستهزاء والسباب والشتم... ولم لا نسعى لكل خير حتى نفوز بأعلى الدرجات؟

إننا لو عقدنا أمثال هذه الدورات مع أنفسنا كل مدة أو حتى كل عام في رمضان فقط فقرانا الآيات والأحاديث التي تحث على العمل الصالح وحسن الخلق، ثم التزمنا بهاء وجعلناها في سلوكنا طوال «رمضان» لأصبحت هذه الصفات ملازمة لنا دائمًا حتى بعد انتهاء الشهر، ولو داومنا على ذلك كل عام وأضفنا فضيلة جديدة إلى سلوكنا لأضحت أخلاقنا كأخلاق الصحابة والتابعين، ولتبوأنا مكانًا عليًا في الجنة كما وعدنا سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- بأنه «بيت أعلى الجنة لمن حسن خلقه».

ولقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- له أيضًا «إن المؤمن ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم، فماذا تتوقعون أن يكون جزاء الصائم القائم» الحسن في الخلق؟!

تقبل الله منا ومنكم وكل عام وأنتم بخير.

 لكيلا يضيع ثواب الصيام بسبب مفاسد الإعلام

العلماء يدعون إلي مقاطعة المواد المخالفة وحفظ النفس والأهل بعيدًا عنها 

تحقيق: رجب الدمنهوري

يكاد شهر رمضان الفضيل ينتهي ليبدأ أخوه شوال دون أن يتغير التعامل الإعلامي الـعـربـي الـخـاطئ مع خصوصية هذه الشهور الكريمة، وغيرها من الشهور، إذ يستمر عرض الأفلام والمسلسلات والمسرحيات والبرامج المليئة بالإسفاف والسطحية والابتذال، بل والترويج للفاحشة في كثير من الأحيان، برغم صرخات المخلصين، ونصائح الراشدين بضرورة تغيير هذا المنهج والأداء الإعلامي نحو مزيد من النظافة، والطهارة، والجدية، والالتزام.

يقول الدكتور أحمد عمر هاشم -رئيس جامعة الأزهر- يجب على المسلمين في هذا الشهر العظيم، وفيما يليه من الشهور أن يبتعدوا بأنفسهم عن كل الرذائل والمعاصي والمعاملات السيئة، هذا إذا أرادوا الانتصار على أعدائهم وشهواتهم ومواجهة التحديات الراهنة؛ لأن الله وعد الصالحين خيرًا، فيجب علينا القضاء على العادات الذميمة من مشاهدات لأفلام ومسلسلات خليعة، وقد يتعلل البعض بالتفكه والترويح عن النفس في العيد خاصة، ونحن نؤكد أن هذه المناسبات ليست فرصة للفوضى الأخلاقية بل فرصة للأدب والتخلق بأخلاق الإسلام والتقرب إلى رب العالمين.

ويرى المفكر الإسلامي حسن دوح أن الإعلام يجب أن يصوم عن نشر الفاحشة التي يلونها بألوان مختلفة من فوازير ومسلسلات وغيرها، لكنها في النهاية فحشاء، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النور:۱۹)

ومن هذا يطالب بوقف الإرسال التلفازي بصفة خاصة على الأقل بين المغرب والعشاء حتى يستطيع المسلمون أن يؤدوا صلاة المغرب والعشاء والقيام ويحذر المسلمين من تلويث صيامهم إذا ما أقبلوا على الشاشات المرئية من دون إدراك لمخاطر ما يشاهدونه ودوره في إفساد ثواب الصوم، وغيره من العبادات.

 أما الدكتور أحمد شلبي -أستاذ الحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم- فيدعو إلى الابتعاد عن كل التجاوزات التي تحدث، لأن رمضان شهر نسك وعبادات وطاعات، ولا ينبغي أن يتحول إلى شهر الفوازير والمسرح والسينما الخليعة، فهذا مخالف للشريعة الإسلامية وليس من دأب الصالحين وللأسف الشديد فإن الفوازير والإعلام الفاضح نوع من العبث والخروج الواضح على الأخلاق وليس فيها أي مثل عليا أو فضائل أو قصص تاريخية. 

ولا يمانع الدكتور شلبي أن يكون هناك بعض المسليات شريطة أن تلتزم بآداب وأخلاق الإسلام وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تكون الأوقات كلها تسالي ومرحًا، وعلى أي حال لابد من ترشيد البرامج التلفازية في جميع الشهور.

ويطالب الفنان المخرج عبد العزيز مخيون المسؤولين عن التلفاز تحديدًا بتقديم أعمال فنية جيدة وأن يبتعدوا عن المشاهد والبرامج التي لا تتفق وحرمة هذا الشهر وعيده الكريم إنما ينبغي التركيز على السلوك الإنساني والشخصيات المثالية والابتعاد عن مشاهد الإجرام والعنف والإثارة الجنسية.

ويؤكد الدكتور مصطفى الشكعة -عضو هيئة كبار العلماء- أن شهر رمضان له خصوصية، لذلك لابد من الالتزام بآداب الصوم وأولها مقاطعة البرامج والمسلسلات التي يبثها الإعلام طوال العام وليس في رمضان فقط لأنها لا تخلو من خلاعة وميوعة وانحلال من شأنها إفساد الصوم فضلًا عن تضييع الوقت فيما لا ينفع، ونحن في عصر ينبغي على كل مسل أن يستثمر كل دقيقة لصالح أمته ودينه.

ويرى الدكتور محمد المسيري -أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر- أن شهر رمضان هو شهر السمو الروحي والترفع عن المباحات فضلًا عن المحرمات، كما أنه شهر يمنح الإنسان القدرة على التحكم في إرادته ويعطيه مزيدًا من الحصاد الروحي وتربية النفس على مكارم الأخلاق والتعالي على الشهوات ومن أجل هذا حظي رمضان بجو روحي يدفع إلى الصلاة والصيام وقراءة القرآن، والذكر، ومدارسة العلم وصلة الأرحام، والتكافل الاجتماعي ومساعدة ذوي الحاجات، فينبغي لكل مسلم أن يحرص على هذه المعاني والآداب، ليتزود بخير الزاد وألا يضيع وقته أمام الإغراءات الدنيوية التي يقدمها الإعلام طوال العام.

الترفيه المباح

ويقول الدكتور عبد اللطيف عامر -أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة-: إذا كانت وسائل الإعلام تتفيأ الترفيه عن الصائمين ببعض الأعمال التي تخرج عن تعاليم الإسلام فهي تفسد الصوم ولا ترفه عن الإنسان، والإسلام لا يمنع الترفيه عن المسلم فقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «روحوا عن القلوب ساعة فإن القلوب تمل كما تمل الأبدان وإن القلوب إذا كلت عميت» وهذا اللون من الترفيه هو الترفيه المباح وهو المقصود من قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ﴾ (الأعراف:32) فعلى المسلم أن يتعامل مع وسائل الإعلام بوعي ومشاعر إيمانية ولا تأخذه المظاهر البراقة باسم الترفيه أو التسلية.

 أما اللهو فيمكن أن يكون طاعة إذا روح المسلم عن نفسه بنية سليمة، وكذلك عندما يأكل ويشرب فهو في طاعة إذا كانت نيته أنه يتقوى من أجل العبادة وليس معنى الطاعة الانخلاع عن بشرية البشر، فالذي يقيم في المسجد ليلًا ونهارًا لا يطيع الله، لأن طاعة الله تعني تأدية الفرائض في المسجد ثم الانطلاق إلى العمل.

ويوضح الدكتور محمد جودة -الأستاذ بكلية أصول الدين- أن الإعلام جهاز خطير له أثره الكبير في حياة الناس والواجب عليه أن يستخدم ما عنده من أدوات لإرشاد الناس وهدايتهم لكن للأسف الكبير نرى اليوم الإعلام مدمرًا لا معمرًا ومفسدًا لا مصلحًا بما يبثه من برامج مليئة بالمخالفات الشرع الله ومنهجه، وعلى القائمين على الإعلام أن يوجهوه التوجيه السليم لينالوا به رضا الله -سبحانه وتعالى- وليفرز لنا أصحاب القدوة والعلم والمعرفة.

الرابط المختصر :