العنوان مقاومة الفقر في الشمال كما في الجنوب واقع العالم الإسلامي
الكاتب جمال الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1995
مشاهدات 75
نشر في العدد 1144
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 04-أبريل-1995
في ندوة عالمية عقدت مؤخرًا في مونتريال عن مقاومة الفقر في الشمال والجنوب دارت مناقشات واسعة على امتداد ثلاثة أيام بين خبراء من كندا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، يمثلون مؤسسات عديدة حول العديد من جوانب هذا الموضوع، وكان أبرزها اختلاف مظاهر الفقر وحدوده بين دول الشمال ودول الجنوب، واختلاف المطالب والمعالجات بين دول الشمال ودول الجنوب؛ وأخيرا.. حظوظ مواجهة الفقر بين الجهتين.
فالفقر في دول الجنوب ليس أمرا طبيعيا بقدر ما هو نتاج لتراكم العديد من العوامل السالبة، وعدم نمو الجنوب، مع شيء من التفاوت فيما بينها، لا يرجع إذن إلى كونها كلها دولًا فقيرة، بمعنى أنه ليس لديها الإمكانات، بل أن الدراسات تؤكد أن عموم دول الجنوب غنية بالموارد الطبيعية إلى درجة أن البعض يجعل من غناها هذا عاملًا أساسيًا لعدم نمائها بسبب استهدافها من طرف حركة الاستعمار سابقًا، ومن طرف القانون الدولي «الجات مثلًا»، حاليًا.
ولتقريب الصورة أكثر يمكن أن نأخذ حالة العالم الإسلامي باعتباره أكبر مكون من مكونات عالم الجنوب جغرافيًا، وبشريًا وماديًا؛ كمثال يمكن أن نؤكد من خلاله أن فقره ليس فقرًا طبيعيا تبرره قلة الموارد المادية والبشرية، وإنما هو إفراز الجملة من العوامل والأسباب التي تراكمت ولا تزال في دول العالم الإسلامي منذ عقود عديدة.
العالم الإسلامي.. المساحة والسكان
تبلغ المساحة الاحتمالية للعالم الإسلامي ٣٢,٦ مليون كلم، أي ما يقارب ٣٠٪ من جملة مساحة العالم، أي ٣.٥ أضعاف مساحة الولايات المتحدة الأمريكية أو الصين، وتبدو هذه المساحة الشاسعة مقسمة إلى ٥٤ بلدًا يختلفون فيما بينهم اختلافًا كبيرًا من حيث حجم المساحة، وكمثال مُعبِّر عن ذلك. يمكن أن نأخذ مثال الجزائر التي تبلغ ۱۱۹۱ أضعاف مساحة جزر القمر، ٣٨٤٢ مساحة البحرين، و٧٩٤0 مساحة ملديفيا.
أما من حيث عدد السكان، فإن التعداد العام لسكان دول العالم الإسلامي يبلغ حاليًا ۱,۱ مليار نسمة «منهم ١٤ فقط من غير المسلمين، مع إضافة قرابة ٣٠٠ مليون من المسلمين الذين يعيشون كأقليات في أماكن عديدة من العالم»، ويمثل سكان العالم الإسلامي ۲۲٪ من إجمالي سكان العالم وهي نسبة مماثلة لما هو في الصين مع اختلاف هام، وهو أن مساحة العالم الإسلامي كما أشرنا سابقا تمثل ٣,٥ أضعاف مساحة الصين، وتشير الدراسات إلى أنه من المتوقع أن يرتفع عدد سكان العالم الإسلامي في سنة ٢٠٢٥ إلى ٢,٢ مليار نسمة، أي بزيادة نسبتها ١٠٠٪، أي بما يمثل ٢٦% من جملة سكان العالم، مقابل زيادة بنسبة ٥٠٪ فقط في حالة الصين ١.٥ مليار نسمة فقط، ولقياس أوجه المفارقات في وضعية العالم الإسلامي، يمكن أن نأخذ كمثال على ذلك القطاعات الأساسية التالية:
- التعليم:
تفيد إحصائيات آخر تقرير سنوي ١٩٩٤م للبنك الدولي أن ٪۸۰ من مجمل سكان العالم الإسلامي لا يحسنون لا القراءة ولا الكتابة منهم ٤٧٪ من الكهول وهي نسبة عالية جدًا قياسًا للعديد من دول الشمال النامية التي تتجه فيها هذه النسبة إلى (صفر٪). وتتفاوت نسبة الأمية بين بلد مسلم وآخر 7٪ في ألبانيا، و٪۲۳ في إندونيسيا وفي أفغانستان، و٨٣٪ في بوركينا فاسو، كما تشير هذه الإحصائيات إلى أن ١٥٠ مليون طفل في سن الدراسة في العالم الإسلامي محرومون من التعليم لأسباب مادية، أما عن التعليم العالي الذي يعتبر المصدر الأساسي للبحث العلمي، فإن جملة الهياكل الأساسية الموجودة في العالم الإسلامي لا تؤمن الدراسة الجامعية إلا لأقل من ٤ مليون فقط، أي ما يقارب ٣٦٠ عن كل ۱۰۰,۰۰۰ طالب مقابل ٤٨٠٠ في الولايات المتحدة.
- الصحة:
تشير كل المعطيات أن سكان العالم الإسلامي يعيشون أتعس ظروف صحية في العالم؛ بحيث نجد طبيبًا واحدًا لكل ۲۱۰۰ ساكن مقابل ٥٤٠ ساكنا في استراليا، ويرتفع هذا الفارق أكثر بكثير في حالة بعض الدول الإسلامية مثل أثيوبيا ۷۸,۸۷۰ ويفسر هذا الضعف في الرعاية الصحية ارتفاع نسبة وفيات الأطفال في العالم الإسلامي التي تصل بشكل عام إلى ٧٠ حالة عن كل ۱۰۰۰ ولادة حية، ونجدها ترتفع أكثر في أفغانستان إلى ١٦٥، وفي مالي إلى ١٦٦، في حين أنها لا تزيد عن ٦ في الولايات المتحدة، وعن 5 في كل من اليابان والسويد.
سكان العالم الإسلامي يعيشون أتعس ظروف صحية
- الفلاحة:
رغم أن جغرافية العالم الإسلامي تتكون في عمومها من مجتمعات زراعية، فإن بلدانه لا تزال غير قادرة على تحقيق اكتفائها الذاتي من الغذاء مما عمَّق ارتباطها بدول الشمال وبالسوق العالمية، وزاد في عجز ميزانياتها، فالواردات من الحبوب مثلا، التي كانت في حدود ٣٦,٢٣ مليون طن في سنة ١٩٦٩م-۱۹۸۰م ارتفعت خلال عشرية الثمانينات إلى حدود ٦٣ مليون طن، أي بزيادة جملية قيمتها ٧٥٪، أي في حدود ٦,٨٪ سنويًا، ومع أن عوامل هذا الضعف وهذا العجز عن تحقيق الأمن الغذائي عديدة؛ منها نوعية الأرض، الهياكل التقنيات المستعملة. إلا أننا يمكن أن نأخذ كمثال على ذلك كمية الأسمدة المستعملة، ففي الوقت الذي يتوفر فيه العالم الإسلامي على ٪۸۰ من احتياطي الفوسفات في العالم، نجد أن فلاحته غير مستفيدة من هذا الاحتياطي بالقدر المطلوب ١٥ كلج فقط في السنة من الفوسفات لكل هكتار في العالم الإسلامي، مقابل ٥٣٠ كلج في كندا، و۷۸۳ في المملكة المتحدة، و٢٧٦٨في اليابان، وينتج عن هذا الأمر ضعف المردود الزراعي الذي يدور حول ١٥٠٠ كلج لكل هكتار خلال عقد الثمانينات في العالم الإسلامي مقابل ۸۰۰۰ كلج في هولندا في الفترة نفسها.
- الديون والدخل القومي الخام:
لا يتجاوز معدل الدخل السنوي الخام للفرد في العالم الإسلامي ٨٦٤ دولارًا واعتبارًا من عدد سكان العالم الإسلامي يصل مجمل الدخل العام في كل العالم الإسلامي إلى ٩٥٤ مليار دولار، أي: ما يعادل تقريبا ٧٣٪ من الدخل القومي الخام الفرنسي رغم أن سكان فرنسا لا يمثلون سوى ٠.٠٥ من جملة سكان العالم الإسلامي، وتبدو المفارقة أكبر إذا ما قارنا الدخل الخام السنوي الإسلامي بنظيره الأمريكي الذي وصل في سنة ۱۹۹۲م إلى ٥٨٦٦,٦ مليار دولار مع فارق جوهري، وهو أن جملة سكان الولايات المتحدة هي أقل من ثلث سكان العالم الإسلامي.
وتفيد الأرقام إلى أن العالم الإسلامي إذا ما اعتبرناه بلدًا واحدًا سيكون ترتيبه ١٦٨ ضمن دول العالم ٢٢٥ من حيث قيمة الدخل السنوي الخام، أي: بعد الفلبين مثلًا، وتشير نفس هذه التقارير إلى تراجع معدل الدخل السنوي الخام للفرد في العالم الإسلامي؛ حيث كان في سنة ١٩٩٣م «٩٦٩» دولارًا ليصبح في سنة ١٩٩٢م لا يتجاوز ٨٦٤ دولارا فقط، أي: بنسبة تراجع قيمتها ١٢٪ خلال عشرية واحدة، ويعود هذا التراجع أساسًا إلى تراجع سعر البترول في العالم خلال السنوات الأخيرة وبقدر تراجع الدخل السنوي الخام بقدر ما تتعاظم الديون الخارجية لدول العالم الإسلامي، حيث قفزت جملة هذه الديون من ١٦٥,٩٤١ مليون دولار في سنة ١٩٨٠م إلى ٤٦٩,٩٨٥ مليون في سنة ۱۹۹۲م، أي: بزيادة جملية قيمتها ٪۱۸۳ أي ١٥٪ في السنة، وهي أعلى نسبة زيادة في العالم.
- البنية التحتية: الطرقات والسكك الحديدية:
يمثل تواضع البنية التحتية من الطرقات والسكك الحديدية في العالم الإسلامي عائقًا كبيرًا أمام جهود ومشاريع التنمية، فمن مساحة جملة قدرها ٣٢,٦ مليون كم2 لا يوجد في العالم الإسلامي سوى 613.000 كم2 فقط من الطرق المعبدة، أي: ما يعادل تقريبا ٨٥٪ من شبكة الطرقات الموجودة في فرنسا التي لا تزيد مساحتها عن 0.17٪ من جملة مساحة العالم الإسلامي، أما بلجيكا التي لا تزيد مساحتها عن ٣٠,٥١٣ كم2 نجدها تتوفر هي الأخرى على ١٢٩,٦٠٣ كم2 من الطرق المعبدة، أي ٢١٪ مما هو موجود في كامل العالم الإسلامي، وتصل شبكة الطرقات المعبدة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى 5,169,092 كم2، أي ٨,٤ أضعاف ما هو موجود في كامل العالم الإسلامي.
أما عن السكك الحديدية، فإن الفوارق تبدو شاسعة جدًا هي الأخرى، إذ لا يوجد في العالم الإسلامي سوى ٩٠٠ كم سكك حديدية، مقابل ٤٢,٠٠٠ كم في ألمانيا، و٢٠٥,٠٠٠ كم في الولايات المتحدة، وحتى الهند الذي يعتبر بلدًا متخلفًا يتوفر على ٧٥,٠٠٠ كم في مساحة هي أصغر بكثير من مساحة العالم الإسلامي التي لا تتعدى ٣,٣ مليون كم2.
ثم إن المتوفر من هذه السكك الحديدية في العديد من دول العالم الإسلامي قد بناه الاستعمار، ولذلك فغالبًا ما نجده يربط بين المناجم والموانئ والتجمعات السكنية الكبرى وهو ما يدل على أنه وضع لخدمة الاستعمار من خلال تسفير المواد الخام، وليس من الداخل إلى الداخل، لتيسير تنقل الأشخاص والبضائع والتواصل لتنمية البلد المستعمر وتفسر هذه الوضعية إلى حد ما ضعف نسبة التبادل التجاري الحالي بين بلدان العالم الإسلامي التي لا تتجاوز ۸ فقط رغم قرب والتصاق عديد من الدول بعضها ببعض.
هل الفقر طبيعة في العالم الإسلامي؟
نفهم إذن من خلال هذه المعطيات الدالة في حالة العالم الإسلامي، أن المؤهلات والإمكانات الطبيعية البشرية لا تكفي لوحدها المواجهة الفقر ومظاهره فضلًا عن تحقيق التنمية والنهوض أن الفقر كما رأينا ليس طبيعة إنطولوجية مرتبطة بالتكوين الذاتي لدول العالم الإسلامي خاصة وعالم الجنوب، عامة، وإنما هو مسألة مكتسبة في عمومها يمكن أن نجد ما يبررها في نوعية السياسات والأولويات المتبعة في هذه المجتمعات الفقيرة، يضاف إلى ذلك طبعًا الإطار الدولي العام وما يسود فيه من قيم وقوانين.
الفقر ومظاهره في العالم الإسلامي ليس طبيعة ذاتية. وإنما هو مسألة ناتجة عن نوعيات السياسات والأولويات المتبعة
ما أسبابه الرئيسية؟
وفي العموم وزيادة على تراجع الخلفية الفكرية الواضحة والمشروع الاجتماعي المنشود، يمكن اختزال بقية الأسباب الرئيسة للفقر في سبب واحد محوري، وهو غياب السوق الداخلية سواء على مستوى كل جزء من أجزاء عالم الجنوب أو على مستوى كل الجنوب، فدول العالم الإسلامي، مثلًا لا تزال تخلو من سوق داخلية فضلًا عن سوق إسلامية مشتركة تسود فيها قوانينه الخاصة به وتنعكس فيها سياساته الداخلية والخارجية، فدول العالم الإسلامي لا تمثل في عمومها سوى تابع مهمش للسوق العالمية بعد أن كانت لعقود طويلة مصدرًا لتهريب المواد الخام واليد العاملة.
ما آفاق علاجه؟
وإذا ما كان الحديث اليوم يدور في الغرب حول ضرورة تعديل النظام الاقتصادي القائم في اتجاه تفعيله من جديد بطريقة معينة تساعد على مواجهة أو على الأقل التقليل من انحرافاته، فإن الحديث الذي يجب أن يدور في فضاءات العالم الإسلامي خاصة والجنوب عامة، لا بد أن يتمحور حول ضرورة إيجاد وتوليد النظام الاقتصادي الخاص به الذي من شأنه أن يساعد على بناء اقتصاد وطني متوازن وسوق حرة غير تابعة، وبالتالي فإذا كانت مواجهة الفقر في دول الشمال ممكنة من خلال الإصلاح والمعالجة والتكييف فإن هذه المواجهة لن تكون متيسرة في دول الجنوب ومنها العالم الإسلامي إلا من خلال التأسيس وإعادة تشكيل الأوضاع انطلاقًا من خصوصيات الذات ومصالحها دون تعدٍّ على الآخر طبعًا.
(*) المدير التنفيذي لمركز دراسات تنمية المغر