; القضايا الكلية للاعتقاد في الكتاب والسنة- علو الله سبحانه وتعالى واستواؤه على عرشه | مجلة المجتمع

العنوان القضايا الكلية للاعتقاد في الكتاب والسنة- علو الله سبحانه وتعالى واستواؤه على عرشه

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1983

مشاهدات 78

نشر في العدد 606

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 01-فبراير-1983

 من كان يتصور أن يحدث هذا؟

 قبل عرض القضية الثانية وموضوعها إثبات علو الله على خلقه واستواؤه على عرشه، أحب أن أمهد لذلك بالتذكير بأن معرفة الله والإيمان به ألزم الواجبات وأول الفرائض، وأساس الدين كله، ومع أن الله سبحانه وتعالى أوضح ذلك في كتبه وعلى ألسنة رسله أتم الإيضاح ، إلا أن الضلال في هذه القضية بالغ حده، وليس من الكفار الخارجين عن دائرة الإسلام فقط، بل من المؤمنين الملتزمين الذين يظنون أنهم متبعون سائرون على الدرب، فمن كان يتصور مثلًا أن بني إسرائيل الذين شاهدوا المعجزات من انفلاق البحر، وانقلاب العصا حية، وضرب الفراعنة بالدم والطوفان والجراد والقمل والضفادع وكل ذلك أمام أعينهم، أن يطلبوا من نبيهم موسى- عليه السلام- أن يجعل لهم صنمًا يعبدونه!!. وأن يعبدوا العجل في غيبته التي لم تستغرق غير أربعين يومًا فقط؟ ومن كان يظن أن حملة التوراة- بعد موسى- لا يتركون نقيصة إلا وينسبونها إلى ربهم من الغفلة والنسيان والبخل، والضعف حتى أن يعقوب «إسرائيل»- في زعمهم- يصارع الرب ويتغلب عليه!!

 وإذا تركت اليهود وجئت إلى النصارى فمن كان يظن أن عيسى- عليه السلام- لا يكاد يرفعه الله إلى السماء حتى يقوم من يزعمون اتباعه بتأليهه وتقديسه، وعبادته من دون الله سبحانه، بل ومن كان يظن أن المسلمين من اتباع محمد- صلى الله عليه وسلم- الذين شاهدوا كيف أن الله نصر رسوله وأعزه في بدر والخندق، ومكة.. يطلبون من النبي أن يكون لهم شجرة يعلقون عليها أسلحتهم رجاء النصر، كما يفعل المشركون، ومن كان يظن أن اتباع محمد والذين يستظلون بمظلة الإسلام ينفون صفات الله كلها، ويجعلونه عدمًا، فلا هو موجود في جهة، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، بل يزعمون أن من وصف ربه بما وصف به نفسه فقد كفر!! بل ومن كان يظن أنه يوجد في المسلمين من يقول بما يسمى «بالحقيقة المحمدية» ومعناها أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو حقيقة الرب، وفيه تجلت صفاته كلها، وأنه لا وحي للأنبياء إلا عن طريق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا قبول للدعاء إلا عن طريق النبي «محمد»... بل ومن كان يتصور أن ينشأ  في المسلمين من يجعل عليا هو الله، ومن يجعل الحاكم بأمر الله هو الله، بل ومن يجعل من سماهم بالأئمة أن لهم صفات الله كلها من الإعطاء والمنع والتحكم بذرات الكون، وعلم الغيب والتنزه عن النسيان والغفلة... إلخ.

 ولو رحنا نعدد عقائد الباطل التي لحقت بالمعتقد الإسلامي لطال بنا المقام.. المهم هنا التذكير والتنبيه فقط لبيان أن الاهتمام بمعرفة الله والإيمان به أهمية عظمى، حتى لا تزل بنا القدم، ونسير في ركب الضلال ونحن نحسب أننا نحسن صنعًا.

والآن إلى القضية الثانية من قضايا المعتقد:

القضية الثانية:

 «ونؤمن أن الله سبحانه بذاته فوق عرشه مستوٍ عليه على النحو الذي يليق بجلاله كما مدح نفسه بذلك في سبع آيات من كتابه، وأن عرشه فوق سبع سماواته.

الشرح

لا شك عند أهل الإيمان- أهل السنة والجماعة-  في أن الله ذاتًا يراها المؤمنون بأبصارهم في الجنة، وأن الله سبحانه وتعالى بذاته السنية مستوٍ على عرشه،  قال تعالى: مادحًا نفسه بهذا الاستواء في سبع آيات من كتابه العزيز ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأعراف: ٥٤)

وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (سورة يونس: ٣)

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (سورة الرعد: ٢) 

وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ (سورة طه: ٥)

وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (سورة الفرقان: ٥٩) 

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (سورة السجدة: ٤)

وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة الحديد: ٤)

واستوى في اللغة فعل لازم ، ويتعدى بعلى تارة وإلى تارة، واستوى بمعنى بلغ الغاية، كما قال تعالى عن موسي: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (سورة القصص: ١٤) أي بلغ غاية العقل وتمامه، ونقول «استوى الطعام» أي بلغ الغاية في النضج.

ونقول استوى كذا وكذا، إن تعادلًا وتساويًا كما نقول «استوى عند فلان المدح والذم» أي لا يفرح بالمدح ولا يتأثر للذم فهما سواء عنده. 

وأما «استوى إلى» فهي بمعنى عمد وقصد، كما قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (سورة فصلت: ١١)

قال ابن عباس أي علا وارتفع «سبحانه» إلى السماء، ومثل هذه الآية أيضًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة: ٢٩)

وأما «استوى على» فمعناها اعتلى واعتدل على، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (سورة الزخرف: 14,13,١٢)

وقوله تعالى أيضًا: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة المؤمنون: ٢٨)

ولا شك أن الاستواء إذا أضيف إلى البشر فهو معلوم، لأننا نشاهد البشر ونعلم كيفية استوائهم على الفلك والأنعام وظهور المنازل ونحو ذلك.

 وأما بالنسبة الله تعالى فيستحيل أن نعلم كيفية الاستواء، وإن كنا نعلم المعنى الذي هو مطلق الاعتلاء والاعتدال، ولذلك يقول أهل السنة والجماعة: إن الله مستوٍ على عرشه حقيقة، على النحو الذي يليق به سبحانه وتعالى، فما مدح الله بذلك نفسه إلا أنه مدح وكمال، وما أخبرنا الله بذلك في الكتاب إلا لنؤمن بذلك ونعتقد، ولذلك نقول إن الله تقدست أسماؤه مستوٍ على عرشه حقيقة على النحو والكيفية اللائقة بذاته.

ولذلك لما سئل الإمام مالك عن «الرحمن على العرش استوى» كيف استوى!؟.... فقال للسائل: « الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة» والاستواء معلوم أي في اللغة، والكيف مجهول، لأن ذات الله غير معلومة لدينا، ولذلك كانت كل الكيفيات غير معلومة لدينا، فكيف يسمع وكيف يبصر وكيف يعلم، وكيف يتكلم؟!

 لا شك أن كل هذه الكيفيات غير معلومة لدينا، ولذلك فلا يجوز أن نسأل كيف يبصر الله ويسمع ؟! بل يجب على كل مسلم أن يؤمن بأن الله يبصر ويسمع دون أن يسأل عن كيفية ذلك، وكذلك الأمر في شأن الاستواء فيجب على المؤمن أن يعتقد أن الله مستوٍ على عرشه على النحو اللائق بذاته دون أن يسأل عن كيفية ذلك.

واستواء الله على عرشه صفة كمال، لأن العرش فوق السماوات السبع، وهو عرش مجيد وعرش عظيم، قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ِ (سورة التوبة: ١٢٩) 

وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ (سورة البروج: ١٥) وفي الحديث «والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل» وعلو الله فوق عرشه يقتضي رفعة الله ومجده، وأنه سبحانه فوق مخلوقاته جميعا على النحو اللائق بذاته، وأنه سبحانه قد قهر كل شيء، وذل له كل شيء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ (سورة الأنعام: ٦١) وكل هذا يشعر الإنسان بضآلته وصغره وفقره واحتياجه إلى العظيم رب العرش الكريم.

وقد اتفقت كلمة السلف الصالح على كفر من لم يشهد لله باستوائه على عرشه على النحو اللائق به، وعلى ضلال من حرف ذلك إلى «الاستيلاء» كما يقوله من يجهلون صفات الله وكماله، ومن يحرفون الكلم عن مواضعه، فإن ثمة فارقًا كبيرًا في المعنى بين الاستواء والاستيلاء، فالاستواء كما قدمنا صفة مدح وعلو ورفعة للعلى الأعلى سبحانه وتعالىـ وأما الاستيلاء فصفة ذم، لأنها تستلزم أن هناك من يغالب الله ويضاده، والحق أنه ليس هناك من إله يضاد الله ويغالبه، والذين قالوا الرحمن على العرش استوى بمعنى استولى. فنقول لهم ممن؟ وهل كان العرش خارج ملكه وقبضته حتى يستولى عليه؟! وأليس الله هو خالق العرش والكرسي والسماوات والأرض؟! فما معنى أن يستولي عليها وهي جميعًا خلقه وملكه ورهن تصرفه ومشيئته؟!

 فلا شك أن تحريف معنى استوى باستولى إنما هو في حقيقته سب وشتم الله وتحريف لكلماته عن مواضعها، زيادة على أن قائل هذا يقول ما لم يقله سلف الأمة قط، ولا أحد من أئمة المتبوعين، وإنما يقول هذا وأمثاله من نقلوا هذا عن أعداء هذه الأمة من الزنادقة، والفلاسفة الضالين، الذين تخيلوا الله  بأوهامهم، ووصفوه بتخيلاتهم، وتخرضاتهم من ضلال المسلمين يتبعونهم، فيما تخوضوا فيه عن الله ورسالاته، وظنوا أن كل هذا من العقليات القطعيات وما هي إلا جهليات ظنيات.

الرابط المختصر :