; مسؤولية الأطباء المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان مسؤولية الأطباء المسلمين

الكاتب نجم عبدالله عبدالواحد

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يوليو-1990

مشاهدات 52

نشر في العدد 975

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 24-يوليو-1990

يجب اعتماد الفقه الطبي الإسلامي كمادة أساسية في كليات الطب والعلوم الطبية.

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب:72).

لذلك نجد أن مسؤولية الأطباء المسلمين أصبحت ذات شقين لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فنجد أن المهارة في أداء العمل تتطلب عدم التهاون أو الخطأ المتعمد؛ لأن الأجسام التي يتعامل معها الطبيب ذات روح، وأما الشق الثاني للمسؤولية فنجده في تقوى الله، لأن المسلم يجب عليه أن يعرف حدود ما أنزل الله فلا يسخر مهارته في إرضاء الناس ويُغضِب الله، كأن يحول رجلًا إلى امرأة أو امرأة إلى رجل فقط لإرضاء وإشباع أهوائهم.

وبذلك إن قام الطبيب المسلم بهذين الواجبين قدر ما أوتي من استطاعة فقد برَّ أمانته، وأصبحت مسؤوليته كطبيب مسلم مرهونة بقبول الله سبحانه وتعالى إن عمل هذا العمل خالصًا لوجه الله سبحانه حيث يقول: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (طه :7). فإن كان صادقًا فله البشرى لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:11).

فمن أجل ذلك نود الخوض في مختلف المسؤوليات المناطة بالأطباء المسلمين حتى يتذكر من نسي ويهتدي من ضل ويرجع من أدبر وأعطى ظهره للحق، وإن كان الحديث هنا يكشف بعض هذه الحقائق فلعل آخرين يزيدون من إظهار نور الحق حتى تكون هوية الأطباء المسلمين بارزة وواضحة.


المسؤولية الأولى: العلم

يقول الله في محكم كتابه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر:9)، لذلك نجد أن العلم للطبيب هو المسؤولية الأساسية والتي بها يتميز بحمل أمانته بدليل قول الله سبحانه: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب:72). فلذلك حتى ينجح في حمل هذه الأمانة عليه التعلم والمثابرة الجادة في سبيل الحصول على العلم.

لذلك نجد أن هناك مصادر ثلاثة للعلم في حقل الطب بعد التخرج يجب المحافظة عليها والسعي في سبيل تحقيقها من أجل بقاء المواد العلمية نافعة وجيدة.

1- الدورات العلمية التدريبية والعمل في المستشفيات التعليمية بوجود الأساتذة الأكْفَاء وذوي الاختصاص الدقيق، فيصبح الطبيب تلميذًا ومتدربًا لصقل معلوماته من أجل مصلحة المريض. 2- متابعة المجلات العلمية الطبية الدورية حتى يتسنَّى للطبيب معرفة ما استجد من العلوم المختلفة والتي أصبحت تتضاعف في الساعة الواحدة من كل يوم تطلع الشمس لدرجة أن العلوم التي تعلمها الطبيب أثناء دراسة الطب قد تتغير عدة مرات في سنيِّ عمل الطبيب بعد تخرجه، وخاصة نحن الآن في عصر التكنولوجيا والتي فتحت الآفاق الواسعة لفهم أسرار تركيب الإنسان. 3- حضور المؤتمرات الطبية العالمية حيث الاحتكاك المباشر مع الأشخاص المتميزين في تطور العلوم الطبية الحديثة والذين هم خلف ما ينشر في المجلات الطبية الدورية.


المسؤولية الثانية: الإنذار

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة:122).

نجد أن الممارسات الطبية الخطيرة التي يعمل بها أهل الغرب في ضوء اختلال موازين الأخلاق الطبية تحتم على فئة الأطباء المسلمين أن يتنبهوا أولًا في عدم مجاراة أهل الفساد والانحلال، ولينذروا عامة المسلمين من عدم الانسياق وراء مثل هذه الشهوات الهدامة، فنجد على سبيل المثال بُنوكًا للمنِيِّ وبُنوكًا للبويضات الملقَّحة وغير ذلك من الأمور الخطيرة التي تؤدي إلى ضياع الأنساب من ناحية، وضياع الأخلاق من ناحية أخرى بسبب تخطي حدود ما أنزل الله بحجة الحريات الشخصية وتحقيق أهواء ورغبات الناس.

لذلك نجد أن انعقاد المؤتمرات الطبية الإسلامية بوجود هذه الفئة من الأطباء المسلمين لتوضيح ما يحبه الله ويرضاه هو خير مصداق على أهمية وجود مسؤولية الطبيب المسلم في عصر كهذا الذي نعيش فيه... ولكن هذا لا يعني أن كل الأمور الخطيرة قد تم كشف سرها وإنذار الناس حولها، فمطلوب من كل الأطباء المسلمين أن يفتحوا أعينهم وآذانهم لكشف أسرار ما خفي عن المسلمين من خطر ودمار وتقديم ذلك إلى المجامع الفقهية من أجل غربلة هذه الأمور ومعرفة الحلال والحرام.


المسؤولية الثالثة: التخصص

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (رواه الطبراني).

لا شك أن المجتمع يحتاج إلى الطبيب العام والطبيب المتخصص في العلوم الطبية المختلفة سواء العامة أو الفرعية، خاصة وأن علوم الطب أصبحت واسعة ومتشعبة، نجد أن الحاجة لمثل هذه الاختصاصات المختلفة لبلاد المسلمين تغني عن التوجه إلى بلاد الغرب، وبالتالي تواجد الأطباء المسلمين والمختصين في بلاد المسلمين هو خير معين على اتباع ما يحب الله ويرضى، وبالمقابل فإن المسلم عندما يتوجه إلى الغرب فإنه يتعرض في الغالب إلى ما يغضب الله سواء عرف بذلك أو لم يعرف، خاصة ونحن في عصر اختلت به موازين الأخلاق الطبية لدرجة أن الكنيسة كمصدر لأخلاق النصارى أصبحت تعارض كثيرًا من ممارسات الأطباء علاوة على انقسام الأطباء أنفسهم في تحديد الأخلاق الحميدة من الخبيثة فيما استجد من ممارسات طبية، ونجد كذلك على سبيل المثال أن القوانين في السويد تمنع نقل البويضات من امرأة لأخرى، بينما هذا العمل مقبول في بلدان مثل أمريكا وبريطانيا وإن كان هذا العمل لا يختلف عن مفهوم الزنا في نظر الإسلام، ونجد أن الأخطر من ذلك أن نساء المسلمين عندما يذهبن إلى تلك البلاد من أجل طفل الأنابيب فإنهن لا يأمنَّ على ذرياتهن أن تكون في أرحام نساء أخريات بعلمهن أو بدون علمهن.


المسؤولية الرابعة: البحوث

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» (رواه الطبراني).

نجد أن مصادر العلم من الأمور الطبية تقوم على التجربة ودقة الملاحظة، وهذا ما يسمى بالبحوث، ونجد أن ما يشتهر به هذا البلد من مشاكل مرضية ليس بالتحديد ما يشتهر به البلد الآخر، فأصبح لزامًا أن تتم دراسة المشاكل الكامنة في كل بلد من أجل معرفة الأمراض الغالبة وسبل علاجها المناسب.

لذلك ومن أجل الاهتمام بأمر المسلمين أصبح من الواجب إجراء البحوث وكشف أسرار المشاكل الكامنة والتي لا يهتم بالنظر إليها أهل الغرب بسبب أنها ليست من بيئتهم من ناحية أو لأنها ليست مثيرة لاهتمامهم من ناحية أخرى.

نجد أن التحمس لإجراء مثل هذه البحوث يرتكز على عدة اعتبارات سواء لحصول الباحث على ترقية أكاديمية أو جائزة مادية أو دلالة علمية، ولكن أهم من كل هذه الحوافز هو الحصول على رضى الله سبحانه، وهذا لا يتأتى إلا إذا كانت هذه البحوث لمنفعة الناس مع كون النيات خالصة لوجه الله سبحانه، والسبب الذي يدعونا لهذا الحديث هو أن هناك كثيرًا من الباحثين قد انشغلوا مثل بعض أهل الغرب الباحثين بالقشور من الأمر من أجل تحقيق غايات شخصية كحضور مؤتمرات ونشر أبحاث والحصول على الجوائز العلمية والنتيجة لم ينتفع بها أهل البلد، فأصبح المال والجهد مهدورًا.

لذلك أصبح من الواجب تحديد الأولويات في إجراء مثل هذه البحوث من أجل منفعة الناس وليس فقط إشباع الأنانية الشخصية.


المسؤولية الخامسة: المؤتمرات

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33).

إن حضور المؤتمرات العلمية العالمية له أبعاد عديدة، ذكرنا إحداها في المسؤولية الأولى من أجل التعلم، والأخرى ذكرناها عند مناقشة الأبحاث في المسؤولية الرابعة، وأما البُعد الثالث لحضور هذه المؤتمرات هو بتذكير علماء الغرب بأن المسلم لا يرضى بما يغضب الله فيقف أمامهم ويقول: إنني من المسلمين، وبذلك يُبر قول الله سبحانه وتعالى حيث يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة:143).


المسؤولية السادسة: التثقيف

إن الإسلام حث على العلم والتعلم لكافة الناس، ويكفي فخرًا أن نقول إن أول آية نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (سورة العلق).

إن مسؤولية الأطباء المسلمين في رفع المستوى الثقافي لا تقل عن مسؤولية أي تخصص آخر في مجالات العلم المختلفة، وهو فرض عين على كل مختص لأسباب عديدة منها أن ما هو موجود في المكتبة العربية قد لا يتناسب مع ما جاء به الإسلام بسبب كون من كتبه من المستشرقين أو من أذنابهم العلمانيين المندسين في صفوف العرب أو كون من كتبه من الغرب أنفسهم وموجه لأهل الغرب، وبالتالي يكون خاليًا من قيم وروح الإسلام، كذلك نجد الارتجال والتخبط في المنهج في الكتابة لدى المسلمين حيث نجد عشرات أو مئات الكتب في نفس الموضوع والمضمون وبتكرار منقطع النظير مما يجعل الناشر والقارئ يضيع المال والوقت في أمر متكرر، وهذا بحد ذاته له أسباب وسلبيات مؤدية إليه يجب أن تدرس وأن يوضع لها الحلول، فالمطلوب هو إثراء المكتبة العربية بكتب ذات أبعاد ثقافية تخدم الإسلام بكافة الاختصاصات العلمية والأدبية ومنها العلوم الطبية والتي هي من مسؤولية الأطباء المسلمين أنفسهم، والمطلوب كذلك تشجيع مثل هذه الأعمال من قبل دور النشر العربية والإسلامية.


المسؤولية السابعة: التعليم

لا شك أن تعريب دراسة الطب هي من أهم مسؤوليات الأطباء المسلمين نظرًا لأن اللغة العربية هي لغة القرآن ونظرًا لأن تعداد الجالية الإسلامية هي من أكثر الجاليات العالمية عددًا ونظرًا لأن الإمكانيات المتوفرة لهذه الجاليات الإسلامية كبيرة مما يساعد على تطبيع سياسة تعريب الجامعات، والمطلوب من الأطباء المسلمين توفير المواد الدراسية كل بحسب اختصاصه باللغة العربية كخطوة أولى، وأما قرار تعريب دراسة الطب فهو بلا شك كما قال معالي الوزير الدكتور عبد الرحمن العوضي في صدد الحديث عن هذا الموضوع بأنه يحتاج إلى قرار سياسي.

نجد أن التعليم بحاجة ماسَّة أيضًا إلى وضع سياسات تعليمية إضافية لما هو معمول به الآن وذلك باعتماد الفقه الطبي الإسلامي كمادة أساسية في كليات الطب والعلوم الطبية المساعدة كالتمريض والصيدلة وغيرها، ونجد لحسن الحظ أن هذه المواد أصبحت متوفرة من جراء انعقاد المؤتمرات العديدة والقرارات الكثيرة التي صدرت عنها بخصوص الطب الإسلامي ومفهوم الفقه الطبي.

 

الرابط المختصر :