; من الحياة: رفقًا بولدك أيها الوالد | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة: رفقًا بولدك أيها الوالد

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2011

مشاهدات 59

نشر في العدد 1948

نشر في الصفحة 58

السبت 16-أبريل-2011

هل تحولت البيئة التربوية إلى حلبة مصارعة؟!

سألت ابني عن زميله وصديقه، فأجابني وقد بدا الحزن على نبرات صوته وتعبيرات وجهه: إنه الليلة يبيت عند أحد زملائنا، فقد طرده أبوه، بعد أن حبسه مقيدًا بالحبل في غرفته أربعًا وعشرين ساعة، وضربه ضربًا مبرحًا، ترك على جسده أثرًا واضحًا!

وفي إحدى الدورات التدريبية في تربية الأبناء، خلا بي أحد الآباء في فترة الراحة بين المحاضرة وورشة العمل ثم قال لي: لقد كان أبي يضربني ضربًا شديدًا، ويعاملني بقسوة، وهكذا كان المعلم معنا في المدرسة، ولذلك تربينا على الصبر والمثابرة، والجد والاجتهاد، وتحمل المسؤولية، ومن ثم فأنا أستخدم مع أولادي أسلوب الضرب ورأيت أنه أجدى وأنفع أساليب التربية! 

قلت في نفسي: هل تحولت البيئة التربوية إلى حلبة مصارعة؟ ومع من؟ مع الابن الذي كان حلمًا لأبيه وأمه منذ أن تزوجا، فلما رزقا به كفرا بنعمة الله تعالى، ألم يقل ربنا عز وجل ممتنًا على عباده ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (النحل: 72).

 ذكرني الموقفان السابقان بموقف كان مع أحد طلابي بالجامعة منذ أكثر من خمس عشرة سنة، فقد طلب مني أن أساعده في التخلص من مشكلة تؤرقه، وحكى لي ما يعانيه، فقال: في أثناء عودتي من الجامعة إلى بيتي أركب من الجامعة إلى ميدان رمسيس بالقاهرة، ثم أركب سيارة أجرة من الميدان إلى بيتي، هكذا أصنع في كل يوم دراسي، وكثيرًا ما يحدث أن تلمح عيناي امرأة تسير في ميدان رمسيس، فأتبعها حتى تركب قطارًا أو سيارة حسبما تشاء هي دون أن أكلمها، وحسبما يسير بي نصيبي، فإن ركبت إلى داخل القاهرة ركبت معها، وإن هي ركبت إلى إحدى المحافظات الأخرى أركب معها، وأظل معها حتى تدخل بيتها، وهنالك أشعر براحة نفسية لا توصف.

تبسمت وتلميذي يحكي لي أمره، فقرأ ابتسامتي، وقال: أحب أن أوضح لك أنني والله لا أنتقي امرأة بعينها، لجمالها، أو لشبابها، بل على العكس من ذلك، أختار المرأة الكبيرة التي تكون في سن الأم ومقامها، وطوال مرافقتي لها لا أغازلها، ولا أكلمها، ولا يدور في عقلي ولا وجداني أي معنى أو إحساس مما يتبادر إلى الأذهان، ولكنني أشعر براحة نفسية، بسبب أنني أمنت طريقها، وحافظت عليها حتى عادت سالمة آمنة إلى بيتها!

حرت في أمر الشاب، وشحذت تفكيري، وتوقفت عند نقطتين في حديثه، اعتبرتهما موضع التحليل وتحديد المشكلة، وهاتان النقطتان هما تفضيله للمرأة الكبيرة، وشعوره بارتياح لا يوصف على حد قوله، وعلى الفور قلت له: احك لي عن حياتك الأسرية وظروفك.

فأجابني على الفور، وقد دمعت عيناه؛ والدتي توفاها الله، أسأل الله أن يرحمها، ويجمعني بها في الجنة. أما والدي فقد تزوج عدة مرات قبل أن تتوفى والدتي وكذلك بعد أن توفيت تزوج كثيرًا وطلق وتزوج... إلخ.

قلت للشاب: إذن احك لي عن حياتك مع والدك ووالدتك، وكيف كانت العلاقة بينهما؟

فأجابني الشاب متألمًا: لقد حركت مواجعي، لم أكن أرغب في فتح هذا الموضوع لأنه يتعبني كثيرًا ويؤلمني، ولكنه ربما هو لب المشكلة ومنبتها.. ثم قال الشاب: والدي كان قاسيًا غاية القسوة، وكان يضرب أمي كثيرًا، وكان ضربه مروعًا، ولطالما استغاثت بي أمي وأنا طفل غض طري لا أقوى على حمايتها وإغاثتها، فكانت كل ضربة من أبي لأمي كأنها تقع على جسدي كالصاعقة.

إن تحليل مشكلة هذا الشاب تؤكد أنه بعد وفاة أمه رآها في صورة كل امرأة وخاصة النساء الكبيرات في السن -فأراد أن يعوض ما لم يقدر عليه في صغره، ومن هنا مال إلى أن يؤكد ما لم يقدر عليه من قبل، وكأنه يريد أن يرسل رسالة إلى أمه يقول فيها: أمي، إن لم أكن قد استطعت أن أحميك وأنا طفل صغير فأنا الآن أحمي كل أم لأرضيك، ولأرضي نفسي، وأعوض تقصيري.

إلى الأب القاسي:

ولدك -أيها الأب المفكر لنعمة الله -نعمة من أعظم النعم، كم من أناسي الآن يتمنون أن يؤخذ منهم كل ما حازوا وتملكوا في سبيل أن يرزق الولد.. ولدك فلذة كبدك، وحشاشة فؤادك كم كنت تتمنى أن تراه عيناك، ويطرب له قلبك.. كنت تحلم به قبل أن يكون حقيقة، فقد صار الآن حقيقة بعد حلم، وفرحة بعد طول انتظار بالأمس لم يكن شيئًا مذكورًا، والآن صار واقعًا يشد الله به أزرك، وغدًا سيكون في عداد الرجال إن شاء الله يكرمك ويبارك في حياتك، ويحسن الدعاء لك بعد مماتك «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث».

كيف ترجو خير ابنك وأنت تنكر فضل الله عليك بنعمة الولد؟!! كيف تتمنى طاعة ولدك لك وأنت تعصي ربك فيه؟!!

أيها الأب القاسي.. إنك عندما تقدم ابنك للمجتمع إنما تضع لبنة في صرح كبير، فهل يليق بك أن يسهم الناس بلبنات سليمات صلبة وأنت تقدم لبنة متهالكة مفككة ضعيفة؟!!

هلا تذكرت -أيها الوالد- لحظة فقدان والد لولده؟! استمع إلى أحد الآباء لحظة فقدانه لابنه، يقول:

إليك ولدي.. فلذة كبدي.. حين سمعت دقات قلبك عبر الجهاز.. توقف قلبي والكون معه، وتوقفت أحلامي عن العدو، سكنًا جميعًا وأنصتنا لقلبك، لا أكاد أرى أي شيء منك، لكن قلبك النابض أرغمني أن ينبض قلبي معه، جعلت فداك ولدي الحبيب، حين تبر والديك فيبتسمان لأعذب صوت وأحب وجه.

ثم إن الأيام مرت، واضطر أبوك للسفر بعيدًا عنك، دون أن يدري أنه ودعك الوداع الأخير، فهاتفت أمك لأطمئن عليك، فسمعت منها صوتًا مرتبكًا مضطربًا مفعمًا بالبكاء، شعرت أن فراقك قد وقع، أحسست بالألم والحسرة وسرى هذا الإحساس في كياني قبل أن تعلن أمك وفاتك، لم تستطع أن تقولها لي، فتركت الهاتف للطبيبة التي كانت تعالجك فإذا بها تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون!! لله ما أعطى وله ما أخذ!! لقد مات ابنك أسأل الله لكم الصبر والأجر، وجمعكم به في مستقر رحمته وفسيح جنانه!!

دارت في خلدي ذكريات وأحاسيس، منذ أن قدمت إلى حياتنا فرحنا بك استمتعنا بابتسامتك التي كنت أشعر أن الدنيا بأسرها تضحك معها، تذكرت أنسي بك، ومداعبتي وملاعبتي إياك، وساءلت نفسي: هل انقطع كل هذا الإمتاع والسحر؟ هل انتهى عهدي بفلذة كبدي في هذه الحياة؟ ثم وجدتني أردد وأسمع: سامحني يا بني، كيف بي أن أتركك في مرضك وأسافر؟ كيف سولت لي نفسي أن أهدر لحيظات بقيت من عمري دون أن أعيشها معك أملي عيني وأمتعها بالنظر إليك حتى وإن كنت مريضًا؟!! ليتك مستيقظ الآن لتلتقي عيناك بعيني وترى فيهما وتقرأ كم أنا كما قال ربي: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: 46).

لكن ما عساي أن أسعل يا بني الحبيب؟ لا أملك سوى أن أردد ما ذكرتني به الطبيبة فأحمد ربي على قضائه وأرضى، ولأسترجع قائلًا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156).

 أجل يا بني.. هكذا الدنيا أولها بكاء وأوسطها شقاء، وآخرها فناء، ليت ربي يجمع بيني وبينك في الجنة، فأقوم بعد أن يبعثني وإياك، فأضمك إلى صدري، وأعانقك وأحتضنك، وسأعرفك ساعتها بأمر ربي، ولحظتها فقط سأنسى شقائي لفراقك الآن، ولسان حالي الذي ينطق حزينًا لفقدك:

جاورت أعدائي وجاور ربه                       شتان بين جواره وجواري

وبعد..

فقد يسري عني ويخفف من ألمي وحزني أن أردد قوله ﷺ: «فإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

مصيبة الابن عند يعقوب عليه السلام:

استوقفني في سورة يوسف موقفان، أحدهما: عندما اعترف إخوة يوسف له بخطئهم، فبادر دون تردد بقوله: يغفر الله لكم قال تعالى: ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ، قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: 91، 92).

أما الموقف الثاني، فعندما سأل إخوة يوسف أباهم يعقوب أن يستغفر لهم فأجابهم إجابة تؤكد ألم الوالد لولده وحجم حزنه عليه قال تعالى: ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ، قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (يوسف: 97، 98).

النداء القرآني ورفق الآباء:

ورد نداء الأب لابنه بلفظ «يا بني» الذي يوحي بالرحمة والرفق ست مرات:

الأولى: على لسان نبي الله نوح -عليه السلام- في قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ (هود: 42).

والثانية: على لسان يعقوب -عليه السلام يخاطب ابنه يوسف- عليه السلام- قال: ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يوسف: 5).

والثالثة: على لسان لقمان وهو يعظ ابنه: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: 13).

والرابعة: على لسان لقمان: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أو فِي السَّمَاوَاتِ أو فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: 16).

والخامسة: على لسان لقمان إذ ينصح ابنه قائلًا﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: 17).

والسادسة: أتت على لسان إبراهيم -عليه السلام- في حواره مع ابنه إسماعيل عليه السلام، قال: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: 102).

 إن هذه النداءات التي وردت في القرآن الكريم على ألسنة الأنبياء والحكماء عند خطاب أبنائهم تعلمنا كيف نخاطب أبناءنا ونحاورهم، وتوصينا بالرأفة والرحمة وتجنب الغليظ من القول، ولقد كان رسولنا الكريم ﷺ هكذا فالتف حوله الشباب وأحبه الأطفال، ثم سار على دربه الصحابة الكرام، وسلفنا الصالح المربون الكرام.

الرابط المختصر :