العنوان بعد عمليتي سوق القدس.. انكشاف نتنياهو
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1997
مشاهدات 72
نشر في العدد 1262
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 12-أغسطس-1997
- توقعات بلجوء الصهاينة إلى اغتيال بعض قيادات حماس في الداخل أو الخارج لتعويض الفشل في منع العمليات الاستشهادية
- العصفور المتهم في قضية بروكلين عميل لإسرائيل وشريكه له صديقة أمريكية. فهل يمكن أن ينتميا لحماس؟!
على الرغم من عدم إعلان حركة المقاومة الإسلامية حماس بشكل رسمي عن مسؤوليتها عن العملية الاستشهادية المزدوجة التي نفذها شابان فلسطینیان ظهر الأربعاء ٣٠ يونيو الماضي في سوق محنى يهودا في القدس الغربية المحتلة، إلا أن بصمات حماس كانت واضحة على العملية التي نتج عنها مقتل 13 إسرائيليا بينهم عربي من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨م كان متواجدا في السوق لحظة وقوع الانفجارين، إضافة إلى استشهاد الشابين اللذين لم يعرف اسميهما، كما أصيب في الانفجارين اللذين كانت تفصل بينهما ثوان قليلة أكثر من ۱۷۰ يهوديا جراح بعضهم خطيرة.
وكان الفلسطينيان يقفان في وسط سوق الخضار المكتظ عادة بالمتسوقين في مثل هذا الوقت من النهار ويفصل بينهما مسافة ثلاثين مترا تقريبا، وقدر خبراء المتفجرات الصهاينة وزن المادة المتفجرة التي كان يحملها كل منهما بعشرة كيلو جرامات من مادة تي إن تي محشوة بالمسامير.
جاءت العملية في وقت وصلت فيه العلاقة بين الحكومة الإسرائيلية وسلطة عرفات إلى طريق مازوم نتيجة إصرار الحكومة الإسرائيلية على المضي قدما في سياساتها الرامية إلى خلق حقائق جديدة على الأرض بمحاولاتها تهويد المدينة المقدسة وبناء مستوطنة في رأس العامود قريبا من الحرم القدسي الشريف وقبلها مستوطنة أخرى على جبل أبو غنيم، وهي سياسات أحرجت رئيس السلطة عرفات الذي وصلت شعبيته وسلطته إلى الحضيض داخل الأراضي المحتلة نتيجة مواقفه المتهالكة من سياسات نتنياهو التوسعية والعدوانية.
كما جاءت العملية بعد المواجهات البطولية التي جرت الشهر الماضي بين أهل الخليل وجنود - الاحتلال وقطعان المستوطنين اليهود، وبلغت تلك المواجهات ذروتها في أعقاب الإساءة التي - استهدفت الدين الإسلامي ممثلا بشخص رسول الله ﷺ، واقتحم مستوطنون يهود مدرسة اليعقوبية في المدينة ومزقوا نسخا من المصحف الشريف وصبغوا نسخا أخرى بالدهان
وعلى الرغم من محاولات شرطة الحكم الذاتي تهدئة الأوضاع والوقوف دون وصول الشباب الفلسطيني الثائر إلى جنود الاحتلال ومستوطنيه. إلا أن نفوس الملايين من الشعب الفلسطيني ومعهم مئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم ظلت تغلي وتتوق إلى انتقام مشرف للنبي محمدﷺ ولدين الإسلام والمريم العذراء عليها السلام التي لم تنج هي الأخرى من إهانات يهود، وهكذا جاءت العملية لتشفي الصدور ولتعيد العلاقة مع المحتلين إلى سياقها التاريخي والطبيعي على الرغم من محاولات تسويق السلام المزعوم.
كتائب القسام والبيان الغامض
بعد يوم واحد على العملية ادعي راديو الجيش الإسرائيلي أنه تلقى بيانا موقعاً باسم كتائب القسام وهي الجناح العسكري لحماس - يعلن مسؤولية الكتائب عن الانفجار، وتتوعد فيه بمزيد من العمليات إذا لم تفرج سلطات الاحتلال عن الشيخ أحمد ياسين الزعيم الروحي لحماس والشيخ عبد الكريم عبيد أحد قادة حزب الله اللبناني الذي اختصته القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان قبل سنوات، وعن جميع المعتقلين الآخرين في سجون الاحتلال، وقد أعطى البيان السلطات اليهودية مهلة انتهت يوم الأحد 3\8\1997 لتلبية تلك المطالب.
لكن الدكتور عبد العزيز الرنتيسي زعيم حماس القوي في قطاع غزة والذي أفرجت عنه السلطات الإسرائيلية مؤخرا نفي صحة ذلك البيان، والواقع أن صيغة البيان والمطالب المحددة فيه تشير إلى صحة نفي الدكتور الرنتيسي فمطالب حماس الآنية لا يمكن اقتصارها على مسألة الإفراج عن المعتقلين وإن كانت من أهمها إلا أن نفي صحة البيان لا يعني بالضرورة عدم مسؤولية حماس عن العملية، وإذا كان هذا النمط من العمليات الاستشهادية قد اقتصر على حركتي حماس والجهاد الإسلامي وحدهما، فإن حركة الجهاد لم تعلن هي الأخرى مسؤوليتها عنهما.
ويبدو أن كتائب الشهيد عز الدين القسام قد بدأت لأسباب موضوعية انتهاج سياسة جديدة بعدم الإعلان الفوري عن عملياتها الجهادية ذات النمط الاستشهادي، وهي السياسة التي اتبعت في عملية مقهى تل أبيب بتاريخ ۲۱ مارس الماضي. والتي نفذها الشهيد موسى غنيمات من بلدة صوريف قضاء الخليل وأدت إلى مقتل ثلاث - يهوديات وجرح ٤٦ آخرين.
ومن الواضح أن سياسة حماس هذه تهدف. إلى امتصاص رد الفعل العنيف والغاضب المتوقع - من جانب سلطات الاحتلال ضد قيادات حماس - وكوادرها ومؤيديها في المناطق المحتلة، كما تهدف - إلى حماية أقارب وأصدقاء الشهداء منفذي العمليات من أعمال الانتقام والاعتقال وتدمير - بيوتهم، وهو رد فعل إسرائيلي معتاد في مثل هذه – الظروف.
رد الفعل الإسرائيلي
كانت عملية محنى يهودا مفاجئة ومربكة للحكومة الإسرائيلية وأجهزة الأمن المختلفة، كما أنها أحرجت الإرهابي نتنياهو الذي كان قد تبجح قبل أيام قليلة من العملية بنجاحه في وقف العمليات الانتحارية الفلسطينية، وحتى يخفف - نتنياهو من ضغط العملية واثارها على حكومته سارع إلى اتهام سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية بأنها هي التي شجعت على مثل تلك الأعمال، كما رد رئيس وزراء العدو على رئيس السلطة الفلسطينية الذي اتصل به معزيا ومواسيا، رد عليه بحدة ووقاحة طالبا منه اتخاذ إجراءات حازمة ضد من أسماهم بالإرهابيين المتطرفين وألا يكتفي بالمواقف الكلامية.
وفرضت سلطات الاحتلال حصارًا كاملًا على مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة وأغلقتهما ومنعت حركة الدخول والخروج عبر المعابر المختلفة وتشمل هذه العقوبة الجماعية أكثر من ٦٥ ألف عامل فلسطيني كانت سلطات الاحتلال قد سمحت لهم بعد رفع الإغلاق الأخير في ٢٩ أبريل الماضي بالدخول إلى المناطق المحتلة عام ١٩٤٨م بقصد العمل، والمزيد من المضايقة والمحاصرة مُنعت هذه السلطات الصحف الفلسطينية الصادرة في الضفة الغربية من الوصول إلى قطاع غزة وبدأت عملية تشويش على إذاعة السلطة الفلسطينية التي تبث من أريحا إضافة إلى أنها أوقفت جميع الاشتراكات الفلسطينية على شبكة الإنترنت الإسرائيلية.
العمليات الجهادية أسقطت نظرية الأمن مقابل السلام
كما بدأت القوات الإسرائيلية حملة اعتقالات واسعة في صفوف الشباب الإسلامي المؤيدين الحماس والجهاد الإسلامي داخل ما يعرف بمنطقتي (ب)و (ج) في الضفة الغربية، وهي المناطق التي ما زالت تحت سيطرة الاحتلال بموجب اتفاق أوسلو.
إلا أن الأخطر في رد الفعل الصهيوني هو احتمال جنوحه إلى توجيه ضربات وعمليات اغتيال ضد قيادات حماس سواء داخل الأراضي المحتلة أو خارجها بغرض التعويض عن فشله الذريع في كبح الهجمات الاستشهادية، وقد تحركت جما كت جماعة كاخ الإرهابية فخطفت أربعة مواطنين فلسطينيين من بلدة الظاهرية قرب الخليل، حيث كانت السلطات الإسرائيلية تعتقد بأن منفذي الهجوم منها، وخطفت وحدات المستعربين المتخفية مواطنا آخر من منزله في ضاحية «أم الشرايط» في رام الله وقتل مستوطن صهيوني شابا فلسطينيا قرب إحدى المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية.
السلطة الفلسطينية عاجزة
كما هي العادة عقب كل عملية ضد الاحتلال سارع عرفات إلى استنكار العملية ووصفها بأنها عمل إرهابي، وكانت كلمات نتنياهو البذيئة وصراحه في عرفات عبر الهاتف طالبا منه إثبات موقف عملي من العملية لوقف ما أسماه بإرهاب المتطرفين، كان صفعة مذلة لرئيس السلطة.
إلا أن واقع الحال يدل على أن السلطة الفلسطينية ممثلة بأجهزتها الأمنية العديدة أصبحت عاجزة عن شن أي حملات اعتقال أو توجيه ضربات لحركات المعارضة والمقاومة الفلسطينية، وهي التي لم تفرغ سجونها بعد من مئات المعتقلين القابعين هناك منذ العمليات الاستشهادية الثلاث في شهري فبراير ومارس من العام الماضي.
وشعبية السلطة الفلسطينية وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ قدومها إلى الأراضي المحتلة عام ١٩٩٤م، بعد أن أثبتت فشلا ذريعا في إدارة ما يسمى بعملية السلام وبعد تراجعها امام هجمات نتنياهو السياسية ومحاولاته إعادة صياغة اتفاق أوسلو بالطريقة التي تخدم برنامجه اليميني المتطرف ومما زاد من: عزلة سلطة الحكم الذاتي الهجوم الذي تتعرض له حاليا من جانب غالبية أعضاء المجلس التشريعي «البرلمان» بسبب الفساد المالي والإداري في عدد من وزارات السلطة ودوائرها والذي أثبته تقرير هيئة المراقبة، وقد قدم جميع أعضاء حكومة السلطة باستثناء أربعة منهم استقالاتهم من مناصبهم بعد إعلان تقرير لجنة التحقيق التي شكلها عرفات والتي رأسها أمين عام السلطة الطيب عبد الرحيم
وهكذا فمن غير المحتمل تجاوب السلطة الفلسطينية مع الضغوطات الإسرائيلية لشن حملة شبيهة بتلك التي نفذتها العام الماضي ضد النشطاء الإسلاميين، وقد لاقت العملية ترحيبا واسعا من قطاعات الشعب الفلسطيني بما فيهم بعض مسؤولي السلطة وعدد كبير من ضباط وأفراد أجهزة الأمن نتيجة سياسات نتنياهو المتعنتة وعدم التزامه بتطبيق اتفاق أوسلو.
أما رد الفعل العربي الرسمي فقد كان - نسبيا - أكثر توازنا من موقف السلطة في تعامله مع الحدث، وكان موقف العاهل الأردني مفاجئا على الرغم من استنكار الأردن رسميا للعملية حيث قال بأن هذا الحادث مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأحداث أخرى سبقته من جولدشتاين والمجزرة التي ارتكبها في الخليل إلى كل الحوادث المشابهة التي وقعت خلال المرحلة السابقة بما فيها اغتيال إسحاق رابين في إسرائيل وأعلن وزير الخارجية المصري عمرو موسى في تعليقه على العملية بأن «الإحباط لا يمكن إلا أن يؤدي إلى انفجار».
مسرحية بروكلين
ومحاولة أمريكية لتوريط حماس
كان رد فعل الإدارة الأمريكية على عملية القدس من نوع آخر ففي محاولة لدعم موقف الحكومة الإسرائيلية المترنح بعد العملية قامت إدارة التحقيقات الفيدرالية بفبركة حادث بروكلين حين أعلنت عن اعتقال فلسطينيين وهروب ثالث كانوا يخططون حسب الرواية الأمريكية لزرع متفجرات في محطات مترو الأنفاق ومهاجمة أهداف يهودية أمريكية، وعلى طريقة الكاوبوي وأفلام هوليود زعمت مصادر أمنية أمريكية أن رجال الأمن ضبطوا خمس قنابل قبل ساعات من وقوع كارثة ونُسبت هذه المصادر إلى محققين في مكتب التحقيقات الفيدرالية زعمهم بأن لديهم أدلة على قيام المشتبه بهم بالاتصال تلفونيًا بمسؤولين من حماس ذكر منهم اسم الدكتور موسى أبو مرزوق من هواتف في متاجر في حي بروكلين.
والعجيب أن المجموعة لم يكشف أمرها إلا بعد يوم واحد من وقوع عملية القدس، كما امتنع جيمس كالستورم - رئيس مكتب التحقيقات في نيويورك - عن التعليق على وجود صلات محتملة بين المشتبه بهم وحماس، وفي واشنطن أشاد الرئيس كلينتون برجال الشرطة لإحباطهم المؤامرة، لكنه قال بأنه من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات حول القضية.
من جهتها، استنكرت حركة حماس ما أعلنته المصادر الأمنية في شرطة نيويورك عن وجود علاقة بين المعتقلين وحركة حماس واصفة إياه بأنه محاولة سافرة تستهدف الإساءة الجهاد شعبنا وحركتنا وتشويه أهدافنا المشروعة والتشويش على بطولات مجاهدي شعبنا الرائعة فوق الأرض الفلسطينية، وأكدت حماس أنها لا تستهدف بجهادها أحداً إلا الاحتلال الصهيوني، وأن ساحة جهادها هي أرض فلسطين المباركة.
كما أصدرت حركة حماس بيانا صحفيا فندت فيه المزاعم الأمريكية وكشفت فيه عن ارتباط أحد المعتقلين ويدعي خليل لافي من قرية عجول قرب رام الله بجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «الشاباك» وهي أدلة أثبت صحتها أقارب لافي فقد قال أحد أقربائه الذي فضل عدم ذكر اسمه بأن قريبه خليل كان من «العصافير»، وهي كلمة تعارف عليها المعتقلون داخل السجون الإسرائيلية وتعني عملاء اليهود الذين يندسون بين المعتقلين الجدد لجمع المعلومات عنهم لخدمة محققي الشاباك.
كما أكد بيان حماس بأن المتهم خليل اعترف للمعتقلين في السجن بعد أن شكوا فيه وأخضعوه للاستجواب بأنه عميل للشاباك، وأنه غرر بعدد من الفتيات الفلسطينيات وجندهن في الشاباك، وقد أعطته السلطات الأمنية الإسرائيلية بطاقة خاصة لتسهيل تنقلاته داخل فلسطين المحتلة وسيارة ذات لوحة صفراء إسرائيلية ومبلغا من المال، كما كان يحمل مسدسًا وهو بحد ذاته دليل كافٍ على عمالته، وبعد افتضاح أمره وعندما أصبحت حياته مهددة ساعدته السلطات الإسرائيلية في الحصول على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة من السفارة الأمريكية في تل أبيب.
أما المتهم الآخر المعتقل ويدعى غازي إبراهيم أبو ميزر من الخليل والذي تتهمه السلطات الأمنية الأمريكية بالانتماء لحركة حماس فلم تكن له أي علاقة مهما كان نوعها بالحركة الإسلامية وهو معروف بسلوكه الأخلاقي السيئ وأنه - حسب كلام شقيقته - كانت له صديقة أمريكية تحدثت
معها على الهاتف.
ومن الواضح أن بعض الدوائر اليهودية المتنفذة داخل أجهزة الإدارة الأمريكية ورطت جهاز التحقيقات الفيدرالية بالإسراع عن إعلان هذه المسرحية المفبركة، الأمر الذي أحرج بعض المسؤولين الأمريكيين وخلق تناقضات ونزاعات داخل الأجهزة الأمريكية المختلفة.
فقد أعرب رودولف جولياني رئيس بلدية نيويورك ومفوض الشرطة هاوارد سافير عن غضبهما بشأن إشارة أحد المسؤولين الأمريكيين إلى أن المتهم غازي أبو ميزر كان قد قدم طلب هجرة للولايات المتحدة أوضح فيه أنه اعتقل من قبل إسرائيل بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية معروفة، وتساءل رئيس البلدية إن كانت هذه المعلومة صحيحة فكيف سمح لهذا الشخص بدخول الولايات المتحدة بعد إعلانه بأنه عضو في
منظمة إرهابية في إسرائيل.
إذا كانت حادثة بروكلين صحيحة وهو أمر مستبعد في ظل الملابسات التي اكتفتها فلابد من أن تتجه أصابع الاتهام الأمريكية إلى جهاز الشاباك الإسرائيلي الذي دفع بعملائه إلى نيويورك لتفجير أهداف أمريكية بهدف نسبتها إلى جهات فلسطينية أو عربية، لكن من غير الممكن أن يقوم طاقم الإدارة الأمريكية وغالبيته العظمى من اليهود باتهام إسرائيل، أما إذا كان الحادث مفتعلًا للتغطية على فشل أجهزة الأمن الأمريكية في السيطرة على ا«لإرهاب» ولتحقيق إنجازات «سوبرمانية» كبيرة في هذا الجانب عندها لا يمكن وصف مسرحية بروكلين إلا بالسذاجة المكشوفة.
الرابط المختصر :