; الفتنة الطائفية متى.. وكيف.. ولماذا؟ مصر بين الإسلام.. والتغريب | مجلة المجتمع

العنوان الفتنة الطائفية متى.. وكيف.. ولماذا؟ مصر بين الإسلام.. والتغريب

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 09-يناير-2010

مشاهدات 58

نشر في العدد 1884

نشر في الصفحة 42

السبت 09-يناير-2010

  • ثورة ١٩١٩م عالجت كثيرًا من جراحات النزعات الطائفية العنصرية الانعزالية
  • مشروع المعلم يعقوب ظل مستمرًا في محاولة سلخ مصر عن العروبة والإسلام وتغريبها بقيادة قطاعات من النخب الأرثوذكسية

وعلى الجبهة المصرية.. جاءت ثورة سنة ۱۹۱۹م. فداوت الكثير من جراحات تلك النزعات الطائفة العنصرية الانعزالية.

فاجتمعت الأمة وأجمعت بدياناتها المختلفة الإسلام والمسيحية واليهودية وتياراتها المتنوعة - إسلاميين وعلمانيين - على الهوية العربية الإسلامية المصر.. وتم النص على ذلك في دستور سنة ١٩٢٣م الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، واللغة العربية هي لغتها الوطنية والقومية.

وأعلن ابن مصر البار مكرم عبيد باشا (۱۸۸۹ - ١٩٦١م) - وهو أحد أبطال ثورة سنة ۱۹۱۹م وقادتها - عن عروبة مصر والمصريين حتى قبل قيام جامعة الدول العربية سنة ١٩٤٥م، فكتب سنة ١٩٣٩م يقول:

المصريون عرب.. وتاريخ العرب سلسلة متصلة الحلقات.. لا، بل هو شبكة محكمة العقد ورابطة اللغة والثقافة العربية والتسامح الديني، هي الوشائج التي لم تقضمها الحدود الجغرافية، ولم تنل منها الأطماع السياسية منالًا، على الرغم من وسائلها التي تتذرع بها إلى قطع العلاقات بين الأقطار العربية واضطهاد العاملين لتحقيق الوحدة العربية التي لا ريب في أنها أعظم الأركان التي يجب أن تقوم عليها النهضة الحديثة في الشرق العربي. 

وأبناء العروبة في حاجة إلى أن يؤمنوا بعروبتهم وبما فيها من عناصر قوية استطاعت أن تبني حضارة زاهرة.

نحن عرب، ويجب أن نذكر في هذا العصر دائما أننا عرب، وحدت بيننا الآلام والآمال، ووثقت روابطنا الكوارث والأشجان، وصهرتنا المظالم وخطوب الزمان، نحن عرب من هذه الناحية، ومن ناحية تاريخ الحضارة العربية في مصر وامتداد أصلنا السامي القديم إلى الأصل السامي الذي هاجر إلى بلادنا من الجزيرة العربية.

فالوحدة العربية حقيقة قائمة موجودة ولكنها في حاجة إلى تنظيم فتصير كتلة واحدة، وتصير أوطاننا جامعة وطنية واحدة[1]...

هكذا تحدث مكرم عبيد باشا - حديث العالم - عن عروبة مصر والمصريين حضارة... بل ومن ناحية الجنس والعرق.. فالأصل القديم للمصريين سام.. وهم قد تواصلوا مع الساميين العرب الذين هاجروا إلى مصر في التاريخ السابق على ظهور الإسلام[2].

كما تحدث - سياسيًا - عن الوحدة العربية التي يجب أن تجعل كل أوطان العالم العربي جامعة وطنية واحدة.

وهذه الحضارة التي أسهمت مصر في بنائها وبلورتها، والتي تنتمي إليها هي عربية إسلامية. 

وعن إسلامية مصر الوطن والحضارة أعلن مكرم عبيد فقال:

نحن مسلمون وطنًا، ونصارى دينًا... اللهم اجعلنا نحن المسلمين لك وللوطن أنصارًا، واللهم اجعلنا نحن نصارى لك وللوطن مسلمين[3].

نعم، حدث هذا بفعل تأثيرات ثورة سنة ۱۹۱۹م، وتطلع الكثيرون إلى مستقبل تتجاوز فيه الأقلية الأرثوذكسية شباك الغواية الاستعمارية.

لكن قطاعات مؤثرة من نخب هذه الأقلية قد ظلت متطلعة إلى السير على ذلك الطريق.. طريق الغواية الاستعمارية والاستعانة بالغرب وخاصة الثقافي والحضاري (أي التغريب) - الإلحاق مصر بالغرب وتحويل رسالتها وبوصلتها الحضارية عن قبلة العروبة والإسلام.... فلقد ظل مشروع المعلم يعقوب يخايل هذه القطاعات من النخبة النصرانية المصرية - العلمانية منها والكهنوتية - حتى لقد أطلقوا على هذا المشروع، وصف المشروع الأول الاستقلال مصر... دون الكشف عن طبيعة هذا الاستقلال - الذي لم يكن استقلالًا عن الاستعمار الغربي - العدو التاريخي المصر والشرق، وإنما كان استقلالًا عن الهوية العربية والإسلامية لمصر .. أي عن الذاتية والرسالة الحضارية لمصر…ويشهد على هذه الحقيقة ما كتبه د. لويس عوض (١٩١٥ - ١٩٨٩م) عن المعلم يعقوب بعد قرابة القرنين من هلاكه - فلقد وضعه في مصاف عظماء الأمة وأبطالها، من مثل: علي بك الكبير ( ١١٤٠ - ١١٨٧هـ / ۱۷۷۳-۱۷۲۸م)، ومحمد علي باشا (١١٨٤ ١٣٦٥هـ / ١٧٧٠ - ١٨٤٩م)، وجمال عبد الناصر (۱۳۳۹ - ١٣٩٠ هـ / ۱۹۱۸ - ۱۹۷۰م)!! كما وصف لويس عوض اللغة العربية بأنها لغة دخيلة.. وميتة.. وأنها الأغلال التي يجب تحطيمها[4]

وذلك فضلًا عن هجومه على عروبة مصر.. وعلى العروبة عامة.. ووصفه لها بأنها عنصرية - وفاشية - وأسطورة من الأساطير[5]

ومن قبل لويس عوض دعا سلامة موسی (۱۸۸۸ - ١٩٥٨م) إلى الذوبان الكامل في الغرب - حتى عندما كان هذا الغرب يحتل مصرا .... ودعا إلى الانسلاخ الكامل عن العروبة والإسلام، قال: .... أنا كافر بالشرق، مؤمن بالغرب.. وإذا كانت الرابطة الشرقية سخافة، فإن الرابطة الدينية وقاحة.. ونحن نريد العامية لغة الهكسوس، لا العربية الفصحى لغة التقاليد العربية والقرآن[6] وهكذا ظل مشروع المعلم يعقوب سلخ مصر عن العروبة والإسلام، وتغريبها يخايل قطاعات من النخبة الأرثوذكسية.

لقد بدأ التغريب - في الشرق - مسيحيًا.. جاءت به مدارس الإرساليات التنصيرية الفرنسية التي أقامتها فرنسا على أرض لبنان، والتي استقطبت فيها العديد من أبناء الطائفة المارونية - الكاثوليكية.. ذات الهوى الفرنسي .... وذلك لصناعة نخبة تقدم النموذج الحضاري الغربي إلى الشرق ليكون بديلا عن النموذج الحضاري الإسلامي.. وذلك عن طريق تخريج جيش - ثقافي - متفان في خدمة فرنسا في كل وقت ..... وحتى تنحني البربرية العربية (!!!) - لا إراديًا أمام الحضارة المسيحية لأوروبا بتعبير القناصل الفرنسيين ببيروت في القرن التاسع عشر[7] وإذا كان التغريب قد تعدى نطاق الطوائف المسيحية الشرقية فشمل قطاعات من النخب المسلمة، فلقد ظل - الإطار الإسلامي خيار قطاع محدود من النخبة، بينما تطور - على الجانب المسيحي - ليصبح خيار المؤسسات الفاعلة التي رأته البديل عن النموذج الإسلامي وخاصة بعد تصاعد المد الإسلامي عقب إفلاس النموذج العلماني ونماذج التحديث على النمط الغربي. 

فلما حدث تغرب الكنائس الوطنية الشرقية - بتأثير الحداثة الغربية، والمذاهب المسيحية الغربية، ومجلس الكنائس العالمي عمت بلوى تغرب مراكز التوجيه الديني والعلماني لدى أغلبية المسيحيين الشرقيين! على حين ظل التغريب في النخبة المسلمة تنويرًل شاذًا لا تأثير له في الشارع الإسلامي فلما تعاظم من اليقظة الإسلامية المعاصرة دفعت هذه النخبة المسلمة المتغرب إلى نفق الإفلاس.

[1] مكرم عبيد - مجلة الهلال، عدد أبريل سنة ١٩٣٩م.

[2] للمقريزي كتاب نفيس في هذا الموضوع عنوانه: الإعراب عمن نزل بأرض مصر من الأعراب تحقيق د. عبد المجيد عابدين، طبعة القاهرة. 

[3] صحيفة الوفد عدد ۲۱ - ۱ - ۱۹۹۳م. 

[4] د.لويس عوض تاريخ الفكر المصري الحديث ج ۱، ص ١۸۲، ١٨٤، ١٨٦، ١٩٤، ۱۹۷، ۲۰۹ طبعة دار الهلال - القاهرة سنة ١٩٦٩م.

[5] الأهرام، في ٧ ٢٠ أبريل ۱۱ مايو سنة ١٩٧٨م، والسياسة الدولية عدد أكتوبر سنة ١٩٧٨م.

[6] سلامة موسى (اليوم والغد) ص ٥-٧ ۲۰۰ ۲۰۱، طبعة القاهرة سنة ١٩٢٨م. 

[7] من محفوظات أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية لسنوات ١٨٤٠ - ١٨٤٢-١٨٤٨ ۱۸۹۷ ۱۸۹۸م انظر: (محمد السماك الأقليات بين العروبة والإسلام) طبعة بيروت سنة ١٩٩٠م.

الرابط المختصر :