; مرحلة جديدة من التفجير في سوريا | مجلة المجتمع

العنوان مرحلة جديدة من التفجير في سوريا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يونيو-1984

مشاهدات 189

نشر في العدد 677

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 26-يونيو-1984

 

  • ريغان يعزي الأسد بضحايا الأحداث الأخيرة
  • الوضع الأمني هاجس النظام اليومي
  • المنحى الجديد للصراع بين مراكز القوى

السؤال الذي يلازم أذهان المواطنين السوريين داخل سوريا ويتردد على ألسنة المواطنين العرب داخل الوطن العربي والذي تتناوله وسائل الإعلام المختلفة في الساحة الدولية هذه الأيام هو ماذا يجري في سوريا؟ والدافع لهذا السؤال يكمن في الأنباء التي تتناقلها الصحافة العربية والعالمية عن تدهور الأوضاع الأمنية إلى الحد الذي بات معه المواطن السوري لا يأمن أن يتوجه من بلدته إلى بلدة أخرى لقضاء حاجة له، لكون طرقات السفر بين المحافظات أصبحت غير آمنة إضافة إلى ازدياد دوريات التفتيش المزروعة على هذه الطرقات وبشكل مكثف مما حمل بعض المواطنين على القول إن بين كل دورية ودورية توجد دورية أخرى.

ونحن لا نقول هذا تحاملًا منا على النظام السوري إنما ننقل حقائق تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة وأحداث حملها مواطنون سوريون في ذاكرتهم حيث لا تتمكن أجهزة الرصد والتفتيش عند الحدود أن تكتشف تسربها خارج سوريا.

ماذا يجري في سوريا؟

كانت معظم أجهزة الإعلام العربية والعالمية ومن بينها الصحف الكويتية قد ذكرت في 23 أبريل الماضي أن حملة تفجيرات واسعة النطاق قد حدثت في سوريا وأن هذه التفجيرات قد شملت معظم الأراضي السورية، بشكل لم تشهد له سوريا مثيلًا من قبل، فقد نُقل عن مسافرين قادمين من دمشق قولهم إن الضحايا الانفجارات التي حدثت في منتصف أبريل في بعض المدن السورية أكبر بكثير مما أعلن، ويقول هؤلاء إن العدد وصل أكثر من 1500 شخص وإن مستشفيات فرغت بكاملها لاستقبال الضحايا إلا أن هؤلاء كانوا في معظمهم قتلى، وكشفت صحيفة الاتحاد الصادرة في أبوظبي أن المتفجرات الموقوتة التي انفجرت على الطرقات بين المحافظات السورية كانت موضوعة داخل صفائح تحوي على دهون نباتية بيعت للمواطنين بأسعار مخفضة فتهافت عليها الناس لرخص سعرها وحملوها إلى مدنهم وأماكن إقامتهم في المحافظات الأخرى، وكان أغلب هؤلاء من العسكريين الذين تقع معسكراتهم في دمشق وما حولها، وكانت عطلة عيد الجلاء فرصة لهؤلاء لتمضية إجازاتهم في أماكن إقامتهم في المحافظات الأخرى.. وفي الطريق انفجرت القنابل الموقوتة داخل صفائح الدهن النباتي مما أدى إلى تدمير الباصات والسيارات الخاصة وهي على طرقات السفر، وأيضًا انفجرت عدة صفائح في عربات القطار مما أدى إلى تدمير ثلاثة عربات.. ولم تستطع السلطات الأمنية أن تكشف سر هذة العملية الكبيرة رغم اعتقال أكثر من 150 شخصًا.

كما ذكرت الصحافة العربية والعالمية أخبار انفجارات أخرى، فقد ذكرت صحيفة الأنباء الكويتية يوم 25 أبريل الماضي أن ثلاث حوادث تفجير جديدة وقعت في سوريا ليلة 23 أبريل وأن هذه التفجيرات وقعت في محافظة طرطوس على الساحل السوري، وقد أسفرت هذه التفجيرات عن إصابة عشرات الأشخاص وأن أجهزة المخابرات والقوات الخاصة حاصرت المدينة واعتقلت 63 شخصًا من بينهم جنود سوريون.

وكانت الصحف الكويتية قد ذكرت يوم 26 أبريل أن مسلحين مجهولين اغتالوا النقيب في المخابرات السورية حكمت العلم وأن القيادة السورية اتخذت إجراءات مشددة في ضوء تصاعد أعمال التفجير والاغتيال وأنه قد تم إحداث تغييرات واسعة في صفوف كبار ضباط الجيش وبخاصة في ثكنات دمشق، كما تحدثت الصحف الكويتية نقلًا عن وكالات الأنباء أن السوريين زادوا من حواجز التفتيش وخاصة في شمال لبنان إثر ورود معلومات عن وجود عناصر من المعارضة السورية المسلحة تنسق مع بعض الضباط والعسكريين السوريين للقيام بعمليات ضد النظام، وتعتقد المصادر السورية أن بعض العسكريين شاركوا في عمليات التفجير التي شهدتها سوريا.

وبتاريخ 1 مايو ذكرت صحيفة القبس الكويتية أن نائب حافظ أسد عبد الحليم خدام نجا من محاولة اغتيال جرت في الأسبوع الماضي خلال انتقاله بسيارته المرسيدس السوداء المصفحة عند المدخل الشمالي لمدينة دمشق، حيث وقع انفجار بالقرب من السيارة أسفر عن مقتل أربعة مرافقين إلا أن خدام نجا من الحادث بأعجوبة.

وكانت وكالة الأنباء الفرنسية قد ذكرت في نهاية أبريل الماضي أن سيارة ملغومة انفجرت الأسبوع الماضي عند مدخل المسجد الأموي بدمشق وأن انفجارًا آخر وقع في ميدان العباسيين.

وكانت الصحف السورية قد ذكرت في نهاية أبريل نبأ إعدام المواطن اللبناني أحمد عيد من سكان مدينة طرابلس بشمال لبنان بعد اتهامه بمحاولة تفجير شاحنة أمام مبنى مجلس الشعب إلا أنه لم يتمكن من ذلك.

كما تحدثت الأنباء الواردة من سوريا ونقلتها الصحافة العربية أن العشرات من طلاب الكلية العسكرية في محافظة حمص قد وقعوا بين قتيل وجريح نتيجة لانفجار ثلاثة باصات كانت تحملهم من الكلية إلى أماكن إقامتهم في الساحل السوري لتمضية إجازاتهم الأسبوعية. ويعتقد أن الانفجارات تمت بواسطة قنابل موقوتة كانت مزروعة في تلك الباصات.

دلالات في الأحداث

ما ذكرناه من أحداث وقعت في سوريا مؤخرًا ما هو إلا غيض من فيض ولكنها تظهر حقيقة ما ذكرناه عن التدهور الأمني الذي تعيشه سوريا بحيث أصبح تتبع هذه الأحداث هاجس النظام اليومي.

والمتمعن في هذه الأحداث يجد أن هناك دلالات معينة يمكن أن تفسر حقيقة ما يجري على الساحة السورية.

الدلالة الأولى: وتتمثل في عجز النظام عن إنهاء المعارضة كما كان يدّعي دائمًا وبخاصة منذ أحداث حماه عام 1982م، حيث أخذ النظام يردد منذ ذلك الوقت أنه قضى على كل أشکال المعارضة بينما تؤكد الأحداث المتوالية أن المعارضة ما زالت قادرة على التحرك داخل الساحة السورية.

الدلالة الثانية: وتتمثل في تزايد العزلة الداخلية للنظام حيث يفتقر إلى أي دعم شعبي مهما كان نوع هذا الدعم، وبكل بساطة فإن مظاهر سلبية واللامبالاة التي تسيطر على شارع السوري تجاه كل تحركات النظام سواء كان التحرك سياسيًّا أو اقتصاديًا أو.. بحيث أصبح الشعور السائد داخل سوريا بأن النظام يعيش في واد والشعب في واد آخر.

الدلالة الثالثة: وتتمثل في قدرة المعارضة على التحرك داخل المؤسسة العسكرية فالأنباء التي تحدثت عن الأحداث الأخيرة ذكرت أنه تم اعتقال عشرات من العسكريين السوريين.. ويؤكد على ذلك ما ذكرته وكالات الأنباء من أن تغييرات واسعة تمت في صفوف الضباط كما لوحظ أن حواجز التفتيش على الطرق تقوم بتفتيش السيارات ولا تستثني من ذلك السيارات العسكرية.. إضافة إلى أن الحادث الذي تعرضت له ثلاثة باصات تقل طلاب الكلية يؤكد على أن يدًا عسكرية هي التي وضعت القنابل الموقوتة.

الدلالة الرابعة: وتتمثل في ضخامة الأحداث وشدة تأثيرها على النظام ويلاحظ في هذا الصدد أن الرئيس الأمريكي ريغان ندد بالتفجيرات الأخيرة التي شهدتها سوريا ووصفها بأنها عمليات إرهابية، وقدم تعازيه لحافظ الأسد على ضحايا هذه الانفجارات.. كما قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية معلقًا على التفجيرات في سوريا: نحن ندين أية أعمال إرهابية من هذا النوع في أي مكان تحدث فيه ونأسف لأي خسارة في أرواح الأبرياء.

الدلالة الخامسة: وتتمثل في المنحى الجديد للصراع بين مراكز القوى داخل النظام، فمما لا شك فيه أن البعض من مراكز القوى يستغل تحرك المعارضة للقيام ببعض العمليات التي يمكنه توظيفها لمصلحته مستقبلًا وتبين أحداث التفجيرات التي وقعت مؤخرًا أن بعضًا منها لا يتناسب وحجم الإمكانات التي تملكها المعارضة السورية، وبالتالي فإنه من المؤكد أن هذه الأحداث من صنع جهات محسوبة على النظام يمكنها أن تتحرك بسهولة على الساحة السورية، إضافة إلى أن انعدام الوازع الأخلاقي لهذه القوى يتيح لها توجيه ضربات للتجمعات المدنية، وهذا ما لا يمكن أن تفعله عناصر المعارضة السورية.

وعلى سبيل المثال فإن حادثة التفجيرات التي استهدفت ركاب السيارات على الطرق بين المحافظات والتي عُرفت بعملية صفائح الدهن النباتي لا يمكن أن تتم بهذه الدقة والجرأة، إلا إذا كانت من صنع قوى داخل النظام قادرة على التحرك وبسهولة على الساحة السورية.

هذه بعض الدلالات التي تساعد على فهم ماذا يجري في سوريا، وتوضح مدى ما يعانيه النظام نتيجة اهتزاز الوضع الأمني المستمر بحيث لم يدع للنظام فرصة لالتقاط أنفاسه على مدى أكثر من عشرين عامًا.. والسؤال الذي يمكن طرحه على ضوء هذه الأحداث.. وماذا بعد ذلك؟

الرابط المختصر :