; الإسلام.. أو الطوفان | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام.. أو الطوفان

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1978

مشاهدات 109

نشر في العدد 399

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 13-يونيو-1978

ما لم نضع النقاط على الحروف –نحن العاملين في الحقل الإسلامي- فسوف نظل ندور في حلقة مفرغة، لا نبدأ من حيث انتهينا، بل ننتهي من حيث بدأنا، والذين يرتابون في هذا ليسوا جديرين بشرف العمل في الحقل الإسلامي، ولا بشرف الانتماء إلى الحركة الإسلامية، بل أولى بهم أن ينخرطوا في سلك ذوي الإيمان العاجز الذين قنعوا من الدين باللفظ دون المعنى، وبالشكل دون الحقيقة، وبالعرض دون الجوهر.. وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. 

وإذا نحن أردنا أن نضع النقاط على الحروف كان علينا أن نضع أمام أعيننا دائمًا، وأن يستقر في أذهاننا وأن يمتزج بأحاسيسنا ومشاعرنا، هذه الحقائق الآتية، التي لا مفر من تبيانها لأنفسنا قبل كل شيء، ولمن لا يزال الإسلام يجري في عروقهم مجرى الدم: 

أولًا: إن الإسلام اليوم في معزل عن حياة المسلمين، وحياة المسلمين في معزل عن الإسلام. 

ثانيًا- إن الأنظمة الحاكمة في سائر بلاد المسلمين، هي نفسها تمثل العقبة الكأداء في طريق البعث الإسلامي، وتشكل مركز الخطورة على أي محاولة لكي يسترد الإسلام اعتباره، فهذه الأنظمة ليست إلا أدوات صنعها الاستعمار على عينه، تؤدي دور العمالة له، وتنوب عنه في تحقيق مصالحه أو مطامعه، وهذه المصالح أو المطامع ليست اقتصادية في المقام الأول –كما نتوهم- بل ما هو في المقام الأول، أن يظل الإسلام دمية تتلهى بها الشعوب المسلمة، وأن تظل الشعوب المسلمة ذاتها كمًا مهملًا، تشغل حيزًا كبيرًا من الفراغ، لا أكثر، وتعيش قانعة راضية بهامش الحياة، دون أن تفكر في معايشة صميم الحياة، ليكون لها وجود معترف به، وكيان يُحسب له ألف حساب. 

ثالثًا: إن الشعوب المسلمة هي التي أرادت لنفسها أن تكون مغلوبة على أمرها وبأيديها –لا بيد عمرو- أرادت لنفسها الهوان والضياع، بلا هدف في الحياة إلا أن تعيش كما تعيش الأنعام هدفًا لغيرها ومطمعًا لسواها!.. 

رابعًا: إن علماء المسلمين قد شغلتهم وظائفهم ومصالحهم عن رسالتهم التي تلي رسالة الأنبياء، وأصبحوا فاقدين للقيادة والريادة، ولثقة الشعوب المسلمة المطحونة فيهم، أصبحوا يبذلون من دينهم للسلطنة أضعاف ما يبذلونه للإسلام، ويبذلون من دينهم للرعاة أضعاف ما يبذلونه للرعية، بل ما يبذلونه للسلطة من دينهم هو ما يدعم السلطة على جورها، وما يسندها على طغيانها، وما يبذلون للإسلام إلا أضعف الإيمان، وما يبذلون للرعاة من دينهم هو ما يمكنهم من الاستقرار على أنقاض الشعوب، وما يبذلون للرعية إلا مخدرات ومسكنات تجعلها تقنع بالمثل السلبي: ليس في الإمكان أبدع مما كان. 

خامسًا: إن العالم الإسلامي في وضعه الراهن لا يمثل جزءًا من مركز الثقل في السياسة الدولية، ولم يعد له وزن يُذكر أو يُحسب له أدنى حساب في مسار الأحداث العالمية، ومرد ذلك بالطبع إلى أن العالم الإسلامي أصبح مجرد وهم، تمامًا كالخطوط الوهمية التي اصطلح عليها العلماء مثال: خط الاستواء، والعالم الإسلامي اليوم كمجرد وهم، يعيش في الأذهان، وليس له حقيقة واقعة، وما أكثر ما تجري أقلامنا -نحن الكُتّاب- بلفظة العالم الإسلامي، نستصرخه في الملمات، وننسى دائمًا أننا نخاطب جمادًا نتصور فيه الحركة والحياة، والمفكرون المعنيون بالإصلاح يعولون كثيرًا في مناهجهم على وجود حقيقي للعالم الإسلامي، بينما هذا العالم الإسلامي المزعوم مجرد حروف ميتة تسطر على الورق، أو مجرد ألفاظ عشوائية تلوكها الألسنة، كان من هؤلاء المفكرين المصلحين جمال الدين الأفغاني، الذي  تخيل العالم الإسلامي، كالإمام المستور في عقيدة الشيعة، موجود وغير موجود، وقام بحركته الثورية –محسنًا الظن بالشعوب المسلمة- ليجعل من اللاموجود موجودًا، وقام بحركته الثورية في تحويل ما يشبه العدم إلى وجود، وجاءت كلماته الأخيرة في آخر حياته، ترجمة صادقة عن خيبة أمله في الشعوب المسلمة التي أثرت الاسترخاء للعدم: 

«لقد جاهدت في المسلمين زهاء نصف قرن من الزمان، فوجدتهم جميعًا مرضى لا علاج لهم إلا أن يُقضى عليهم، ثم يتعهد النشء الجديد، ويُربَّى التربية الإسلامية الصحيحة، وعلى عواتق هذا النشء الجديد يمكن أن تقوم دولة الإسلام الفتية». 

*** 

والحديث لم ينتهِ بعد.. 

فالسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا أصبحنا –نحن المسلمين- في وضع مهين لا نُحسد عليه؟؟ 

إن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في سؤال آخر: أين نحن اليوم من الإسلام، وأين الإسلام منا؟ ويمكن أن يُقال: لا جدال في أننا قطعنا كل علاقة بالإسلام، أعني الإسلام الذي رضيه الله لعباده دينًا.. وقد يسألنا سائل: وكيف حدث هذا؟ سوف تكون الإجابة ساذجة لو قلنا: إنه الاستعمار.. فمثل هذا القول اليوم حق يُراد به باطل، فقد رحل الاستعمار عن ديار المسلمين منذ عشرين عامًا، صحيح أن الاستعمار قد رحل عنا جسدًا، وبقي لدينا روحًا، لكن أين مقر هذه الروح؟ مقر هذه الروح في ورثة الاستعمار، والشعوب لم ترث الاستعمار لأنها ضحية له، وإنما ورثته الأنظمة التي تحكم الشعوب، الأنظمة التي اعتمدها الاستعمار ممثلًا له، بعد أن احتفظ لديه بكل إرادة لها، إنها أشبه ما تكون بالعرائس التي تتحرك بلا إرادة منها، بل بإرادة اليد الممسكة بالخيوط المشدودة إليها، تحركها هذه اليد كيف شاءت، وما على العرائس إلا الاستجابة الصماء. 

والأنظمة الحاكمة اليوم ومنذ أمد غير قصير، كلها ملة واحدة، قد تتغير الوجوه من آن لآخر، لكن المنهج والأسلوب لا يتغيران، وإذا حدث أحيانًا تغيير طفيف فإنما مرد ذلك إلى ظروف طارئة.. ولئن كانت الأنظمة الحاكمة قد ورثت الاستعمار، فإن التركة التي خلفها الاستعمار هي الشعوب ومقومات الشعوب: الأرض، ما تحتها وما فوقها، وحاضر الشعوب ومستقبلها، ومقومات الشعوب.. المكدودة من بذل الجهد والعرق حتى تصل إلى لقمة العيش اللائقة بأنصاف الآدمية، ولك أيضًا أن تتصور ما تعانيه الأنظمة الحاكمة من تخمة أدى إليها البطر والشره والنهم، ثم التجرد من خشية الله ويوم الحساب.. إن الامتيازات التي تتمتع بها الأنظمة الحاكمة وأعوانها أكبر من أن تحصى وأجل من أن توصف.. ولا تسل مصارف أوروبا وأمريكا عن حساباتها أو أموالها المودعة لديها، رحمةً بأعصابك.. 

وبعد.. فالإسلام اليوم ضائع بين أنظمة لا ترعوي، وبين شعوب لا تفكر في أن يكون لها وجود.. والأنظمة والشعوب معًا لا تريدان العودة إلى الإسلام، الأنظمة تخشى الإسلام لأنه سوف يتصدى لمطامعها وشهواتها. والشعوب تتجاهل الإسلام الذي يفرض عليها أن تواجه طغيان الأنظمة وأعوانها وسفاهتهما معًا، وسوف تكون النتيجة –آن قريبًا وآن بعيدًا: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء:16). 

وإن ذلك لآت لا محالة.. وكل آت قريب...! 

الرابط المختصر :