; الانتخابات الجزائرية المقبلة وتأثيرها على العلاقات مع المغرب | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات الجزائرية المقبلة وتأثيرها على العلاقات مع المغرب

الكاتب إدريس الكنبوري

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999

مشاهدات 61

نشر في العدد 1344

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 06-أبريل-1999

الانتخابات الرئاسية في الجزائر

انفراج أم عودة إلى تركة بومدين؟

الانتخابات الجزائرية المقبلة وتأثيرها على العلاقات مع المغرب

إدريس الكنبوري([1])

* اعتبر قادة الجيش الجزائري أن «بوضياف» ليس سوى مبعوث مغربي في الجزائر لذا يرى كثيرون أن اغتياله كان بسبب مواقفه من المغرب وقضية الصحراء أكثر مما هو مرتبط بسياساته الداخلية في الجزائر.

هل يعيد بوتفليقة في حال انتخابه رئيسًا للجزائر سياسات بومدين التقليدية المتوترة مع دول الجوار؟

تشكل الانتخابات الرئاسية الجزائرية المنتظر إجراؤها في الخامس عشر من أبريل الجاري موعدًا حاسمًا بناء على اعتبارات عدة لا تقتصر فحسب على الشأن الداخلي للجزائر التي تعيش حربًا أهلية طاحنة منذ سنوات أودت بعشرات الآلاف من الضحايا المدنيين الأبرياء، وأهمية الانتخابات الرئاسية من هذه الناحية كامنة في قدرة الرئيس المقبل على إطفاء لهيب المواجهات الدموية ووضع حد للعنف وإجراء حوار وطني يشرك الجبهة الإسلامية للإنقاذ ويكون مدخلًا إلى عودتها للحياة السياسية، لكن الانتخابات الجزائرية المقبلة أيضًا لها أهمية أخرى على مستويين: إعادة الدفء للعلاقات المغربية- الجزائرية، ومن ثم إحياء اتحاد المغرب العربي الذي يعيش جمودًا شاملًا منذ أعوام عدة هو انعكاس لجمود العلاقات بين الرباط والجزائر وفتورها، إذ ظل الاتحاد باستمرار رهينًا بهذه العلاقات ومتأثرًا بدرجة التقدم أو التراجع فيها منذ تأسيسه قبل عشر سنوات، وحتى هذا التأسيس لم يكن ممكنًا لولا تحسن العلاقات الذي شهدته الثمانينيات بين البلدين.

وتنبع أهمية الانتخابات الجزائرية في ملف العلاقات الثنائية بين الجزائر والرباط من عاملين أساسيين: العامل الأول أن هذه الانتخابات تشجع احتمال عودة الاستقرار السياسي إلى الجزائر، مما يعني أن النظام المقبل ستكون بيده مفاتيح عدة قضايا داخلية وإقليمية سيكون قادرًا على الحسم فيها أو على الأقل التعاطي معها بالجدية اللازمة، خاصة مع شيوع التكهنات بإمكان عودة جبهة الإنقاذ إلى المجال السياسي والشرعية والقانونية، الأمر الذي يدل عليه نداء الجبهة إلى أنصارها للمشاركة في الانتخابات بعدم المرشح الأكثر تمثيلًا والأقرب إلى الخيار السلمي والتصالحي، أما العامل الثاني، وهو الأهم في نظرنا، فهو عودة اسم عبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية في عهد هواري بومدين إلى الظهور على مسرح الأحداث من جديد بترشيح نفسه للانتخابات، من أجل وقوف المؤسسة العسكرية خلفه، مما يجعل الكثيرين يشيرون إلى احتمال فوزه.

ونظرًا لأهمية هذه الانتخابات على مستوى العلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر، وتأثيرها المرجح على القضية الوطنية الأولى للمغرب، وهي قضية الصحراء، فقد عبر عدد من المسؤولين في الحكومة المغربية وزعماء الأحزاب السياسية عن رغبتهم في أن يكون عهد ما بعد الانتخابات فرصة لطي صفحة وفتح أخرى، وهذا يدل على مدى الانشغال بهذه الانتخابات، والسؤال الذي يطرحه هؤلاء: ما مبلغ قدرة الرئيس المقبل للجزائر على إنهاء القطيعة مع المغرب وبدء عهد جديد؟ وفي حالة الفوز المحتمل لعبد العزيز بوتفليقة، هل تبقى العلاقات الثنائية في نفس جمودها الحالي أم أنها ستشهد انفراجا، أم أن بوتفليقة سيرفع الغبار عن تركة بومدين لتزداد العلاقات تأزمًا بسبب المواقف التقليدية من ملف الصحراء وجبهة «البوليساريو»؟.

يعتبر بوتفليقة أحد الرموز المرتبطة ارتباطا متينًا بملف الصحراء والخلاف المغربي- الجزائري بعد بومدين، فقد كان الساعد الأيمن لبومدين ومهندس سياساته بالمنطقة إبان الستينيات والسبعينيات حتى وفاة هذا الأخير في ديسمبر 1978م، ويشار إلى أنه كان أبرز المناوئين للمغرب وأكبر المعترضين على تطبيع العلاقات مع الرباط، إذ أجهض اتفاقا كان وشيكًا بين الرئيس الأسبق أحمد بن بيلا والحسن الثاني عام 1965م، وكان بوتفليقة وزيرًا للخارجية حينئذ، وأدرك بن بيلا ما يشاكله من عاتق أمام عودة العلاقات وتجاوز الأجواء القاتمة التي خلفتها حرب الرمال عام 1963م، مما دفع به إلى إزاحته عن وزارة الخارجية، لكن هذا الاتفاق الوشيك تم قبره في المهد إثر الانقلاب الذي قام به بومدين والفرسان الثلاثة، وهو الاسم الذي أطلق على جماعة بوتفليقة وشريف بلقاسم وأحمد مدغري، وذلك في 1965م، ليعود بوتفليقة على رأس وزارة الخارجية بعد أشهر قليلة فقط من إقالته، ويقود سياسة بومدين الخارجية ويتعهد أطروحات «البوليساريو» المطالبة بالاستقلال في المناطق الصحراوية الجنوبية للمغرب.

وقد شهدت هذه المرحلة أحلك المحطات التي مرت بها العلاقات المغربية- الجزائرية، كانت آخر فصولها المواجهة العسكرية عام 1967، وتميز فيها الموقف الجزائري إزاء المغرب بنوع من التشدد والعداء، زاد من تغذيته النهج الاشتراكي للسياسة الجزائرية وهيمنة الهاجس الأيديولوجي لدى قادتها وظروف الحرب الباردة وحالة الاستقطاب الدولي، وترافق ذلك مع طموح جزائري للعب دور أكبر في المنطقة كقائدة لحركات التحرر، إذ كانت قيادة بومدين ترفض أي ترتيبات سياسية بالمنطقة لا تكون الجزائر فاعلًا رئيسًا فيها أو على الأقل طرفًا حاضرًا، وكان ملف الصحراء أحد أكبر هذه الملفات التي كانت الجزائر ترى أنها معنية بها أساسًا، وتبناها بومدين شخصيًا منذ مؤتمر نواذيبوا في سبتمبر 1970م، وبعد توقيع اتفاق مدريد الثلاثي بين المغرب وموريتانيا وإسبانيا في 14 نوفمبر 1975م، تنسحب بمقتضاه هذه الأخيرة من الأقاليم الصحراوية إعتبارًا من فبراير من العام التالي، اعتبرت الجزائر الاتفاق غادرًا لأنه يتجاوزها، وأعلن الحسن الثاني: «منطقيًا أنتظر أن تشن الجزائر على الحرب»، وهو ما وقع فعلًا في معركة «مغالة» في العام نفسه والتي انهزم فيها الخيش الجزائري، ويورد الطاهر بلخوجة وزير الداخلية التونسي الأسبق في عهد بورقيبة  في كتابه الصادر بالفرنسية مؤخرًا: «الثلاثة لبورقيبة» أن وساطة هذا الأخير ووساطات عربية أخرى هي التي نزعت فتيل حرب كانت ستشتعل مجددًا وتشنها الجزائر انتقاما لهزيمتها، وفي الأيام الأخيرة من حياة بومدين كان هناك مشروع لقاء قمة بينه وبين الحسن الثاني يعقد في بروكسل أو جنيف، لكن اللقاء لم يقدر له أن ينعقد، وبقي ما كان يمكن أن يخرج به من نتائج في حكم الغيب، وفي النصف الثاني من الثمانينيات بدأت العلاقات بين المغرب والجزائر تشهد نوعًا من التحسن والتقارب نتيجة تفك المنظومة الاشتراكية الولية وزوال الحرب الباردة، وصادف ذلك انعقاد القمة العربية بالجزائر في 25 يونيو 1988م حيث انعقد على هامش القمة اجتماع بين قادة الدول المغربية الخمس في منتجع زيرالدة، دشن البوادر الأولى للاتحاد المغاربي والتي تجسدت عمليًا في معاهدة مراكش في 17 فبراير 1989م.

لكن شهر العسل المغربي- الجزائري لم يقبض له أن يستمر طويلًا بسبب الأحداث المؤلمة التي دخلت فيها الجزائر وبروز أجنحة داخل الجيش بحيث أصبحت هناك مواقع قرار متعددة وليس موقع قرار واحد، دون أن يؤثر ذلك في ملف الصحراء والعلاقات مع المغرب والذي ظل موضع إجماع باعتباره من إرث بومدين ومرحلته الثورية، كما تعكس ذلك تصريحات بعض المسؤولين الجزائريين في الأعوام والشهور الأخيرة والتي وصلت أحيانًا حد الهجوم والتحرش، ويعتبر الكثيرون أن اغتيال ممد بوضياف الذي ترأس المجلس الأعلى لفترة قصيرة جدًا في يونيو 1992م كان بدافع القضاء على أي بادرة للحوار مع المغرب، فقد اعتبر قادة الجيش أن بوضياف القادم من المغرب بعد إقامة طويلة، حيث قضى فيه سنوات اغترابه منذ الستينيات ليس سوى مبعوث مغربي لتنفيذ سياسة مغربية بالجزائر، وخصوصًا أنه قبل اغتياله بأقل من شهر تقريبًا عقد لقاء مع ملك المغرب، ويرى كثيرون من المتابعين لسياسات المنطقة أن بوضياف ذهب ضحية موافقة من المغرب وقضية الصحراء، أكثر مما كان ضحية سياساته الإصلاحية الداخلية والتي باشر خلالها عمليات تطهير واسعة.

وطوال المرحلة الممتدة من تنحية الشاذلي بن جديد طغت على علاقات الجزائر والمغرب هواجس الشك والريبة وعدم الاستقرار، الأمر الذي أثر على آليات وعمل اتحاد المغرب العربي وحوله إلى اتفاق على ورق، وفي 28 أغسطس 1994م، على إثر أحداث عنف شهدتها مدينة مراكش، اتهمت السلطات المغربية الجزائر بتدبيرها ومحاولة خلق الفتنة الداخلية على غرار ما هو الحال في الجزائر، وكان ذلك بداية تصدع العلاقات رسميًا، إذ قام المغرب بفرض نظام التأشيرة على الجزائريين والفرنسيين ذوي الأصل الجزائري، وردت الجزائر بالمثل وقامت بإغلاق الحدود البرية مع المغرب، وفي العام التالي 1995م طالب المغرب بتجميد نشاط مؤسسات الإتحاد المغاربي بسبب موقف الجزائر من مسلسل التسوية الذي ترعاه الأمم المتحدة في الصحراء، وتزامن ذلك مع رئاسة الجزائر لدورة الإتحاد السادسة.

وبقي الحال على ما هو عليه إلى حدود السنة الماضية حين دعا رئيس الحكومة المغربية عبد الرحمن اليوسفي إلى استئناف العلاقات الثنائية وفتح الحدود، وردت السلطات الجزائرية بضرورة إجراء مقاربة شاملة للعلاقات، ويعني ذلك اعتبار ملف الصحراء أحد الملفات التي ينبغي طرحها، الأمر الذي فهمه المغاربة على أنه إقرار جزائري برفض المخطط بديل.

فهل تكون الانتخابات الجزائري مناسبة لتجاوز الخلافات أم لتعميقها؟

إن ترشيح عبد العزيز بوتفليقة ودعم الجيش له يلقي ظلالًا كثيفة سوداء على مستقبل العلاقات بين البلدين في الأعوام القادمة ولا يشجع المتفائلين، فالبعض يرى أنه سينهج السياسات السابقة التقليدية مع دول الجوار، ويعزز من هذا الرأي بروز مواقف تشيد بـ «العهد البومديني» وتمجده، وهو ما صرح به بوتفليقة أيضًا في ندواته وخطاباته، حتى قال صحافي فرنسي حضر إحدى ندواته: إن بوتفليقة عندما يتكلم، تسمع في صوته نبرات صوت هواري بومدين، وبالمقدار نفسه فإن دعم المؤسسة العسكرية لترشحه وتفضيلها لا يمكنه إلا أن يكون حصيلة اتفاق سابق واستعداد من بوتفليقة لتطبيق سياسات الجيش الذي ظل دائمًا اللاعب الرئيس في سياسات الجزائر الداخلية والخارجية بنسبة تفوق التسعين بالمائة.

غير أن المتفائلين يرسمون صورة أخرى لمستقبل العلاقات في حالة فوز بوتفليقة، فوزير الخارجية الأسبق يرتبط بعلاقات جيدة مع المسؤولين الليبيين، ويمكن لطرابلس أن تلعب دورًا في تقريب وجهات النظر بين الطرفين عبر وساطة دبلوماسية، خاصة مع ما لاح في الأفق من انفراج في أزمة لوكربي بين طرابلس ولندن وواشنطن، وهو الانفراد الذي إذا تحقق يمكن أن يعيد ليبيا إلى الصف المغاربي والعربي بعد رفع الحصار، ولعب دور في إعادة تجميع الإتحاد المغربي من خلال حوار يمكن أن يجري بين الجزائر والرباط يقضي على شقة الخلاف بين الجانبين، كما أن ملف الصحراء هو الآن بيد الأمم المتحدة التي قررت إجراء استفتاء في ديسمبر المقبل إذا لم تحدث تطورات أخرى تؤجله، وقد سبق لوزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف أن صرح بأن قضية الصحراء ليست من الملفات التي ينبغي إقحامها في أي حوار جزائري- مغربي، وأن الأمم المتحدة هي المسؤولة عن هذا الملف، غير أن ذلك يبقى مجرد إشارة عابرة في محيط من سوء التفاهم والخلاف ستكون مرحلة ما بعد الانتخابات موعدًا لرفعه أو تكريسه من جديد.


 

([1]) كاتب وصحفي مغربي.

الرابط المختصر :