العنوان المجتمع التربوي (1557)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2003
مشاهدات 99
نشر في العدد 1557
نشر في الصفحة 54
السبت 28-يونيو-2003
وقفة تربوية
وداعًا نحناح
ودعت الدنيا علمًا شامخًا من أعلام الحركة الإسلامية الحديثة، وعمودًا صلبًا من أعمدة الاعتدال فيها، ومجاهدًا من مجاهديها، إنه رائد الحركة الإسلامية في الجزائر الأخ محفوظ نحناح يرحمه الله.
لم أعرفه من خلال الصحافة والكتب والمحطات الفضائية، ولم أعرفه من خلال الآخرين، بل عرفته احتكاكًا وجهًا لوجه لسنين طويلة،
وأحببته وأحبني في الله، وأسأل الله أن يجمعني وإياه إخوانًا على سرر متقابلين في الجنة.
لا أستطيع إحصاء مواقفه الأصيلة لكثرتها، ولكنني أنقل موقفًا واحدًا عنه لا يعلمه الكثيرون من الناس، فقد كنت في غرفته في فندق سفير في الكويت عام ١٩٩٢م، فيما أتذكر، ورن الهاتف في غرفته فحمل السماعة ليرد على مكالمة من الجزائر فأسمعه وهو يرد «الحمد لله إن كان على يد إخواني فالحمد لله» فسألته بعد انتهاء المكالمة عن تلك العبارة فقال لقد أبلغني الإخوان في الجزائر أن فتوى قد خرجت للتو تبيح دمي فرددت على الأخ المبلغ إن كان قتلي على يد إخواني فالحمد لله.
إنه يعكس الأصالة وطيب المعدن وتحمل البلاء وحقن الدماء، وحب المسلمين حتى وإن كانوا من مخالفيه لقد كان -يرحمه الله- بعيدًا كل البعد عن المجاملات وأنصاف الحلول، وكان إذا رأى الحق التزمه وإن غضب عليه الجميع، وإن سار ضد التيار، وإن كان وحده ضد الأمواج العاتية.
ويسبب اعتداله، وصلابته نأى بجماعته عن الكثير من الفتن والصراعات، وخطا بهم خطوات كبيرة في المجال السياسي والاجتماعي والدعوي، حتى غدت «حمس» أصلب الحركات الإسلامية وأقواها وأرسخها قدمًا في الجزائر، بل في المغرب العربي كله.
رحم الله محفوظًا وجعله في أعلى الجنان بإذنه، وصبر محبيه وإخوانه على فراقه.
أبو خلاد
albelali@bashaer.org
أمراض القلوب وأمراض الأبدان
شیرین خورشید
قال تعالى: ﴿ألم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 1، 2، 3)
ونستدل من هذه الآية أن الغاية من خلق الإنسان هي اختبار إيمانه، ويكون الامتحان والبلاء على قدر الإيمان، عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الناس أشد بلاء؟ قال -صلى الله عليه وسلم-:
«أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه» «رواه الترمذي».
وهذه الفتن لا يستثنى منها بر ولا فاجر ولا مؤمن ولا كافر، فهي سنن إلهية، ومن أنواع الابتلاء ما قاله ابن عباس -رضي الله عنهما-:
يبتلى الإنسان بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام، والطاعة والمعصية والهدى والضلال» أو كما قال: أما المرض فهو نوعان: مرض القلوب، ومرض الأبدان، والسؤال ما سبب الأمراض؟
هل الابتعاد عن السنن الكونية التي أمرنا الله -عز وجل- بإتباعها؟ أم هي بسبب معاصي الإنسان؟ أم هي للابتلاء والامتحان فقط؟
أم هي مكفرات للذنوب؟ وقد أجاب العلماء عن هذه الأسئلة واستفاضوا فيها، وعلى الإنسان الجاحد الكفور أن يعود إلى الله تعالى استجابة لأوامره، وعملًا للغاية التي خلقه من أجلها.
أما أمراض الأبدان فيمكن اجتنابها باتباع هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-: ومما جاء فيه «شر الداء البطني». «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، وإن كان لا بد فاعلًا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه».
«المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء». أما أمراض القلوب فسببها المعاصي فهي تسبب الفساد في الأرض، فتحدث أمراضًا لم تكن في أسلافهم «كما جاء في معنى الحديث».
والذنوب تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة».
وإن الذنوب مسببة للأمراض والأوبئة، عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما اختلج عرق ولا عين إلا بذنب، وما يدفع الله أكثر»
والمرض نعمة للمؤمن إذا رضي بقضاء الله -عز وجل-، وهو عنوان محبة الله تعالى لهذا الإنسان، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط»
ومن رحمة الله بالمؤمن أنه ما من هم أو نصب يصاب به إلا كان كفارة يكفر بها عنه ما ارتكب من الذنوب والخطايا.
وعلى الإنسان أن يؤمن بأن عليه الصبر وشكر الله -عز وجل-، فهي من الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، ولا يمنعه ذلك من التداوي، فالأخذ بالأسباب من التوكل على الله تعالى، فقد روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لكل داء دواء» فإذا أصاب دواء الداء برأ بإذن الله -عز وجل-. وهناك آيات وأحاديث كثيرة تثبت أن البلاء نعمة للمؤمن إذا صبر واحتسب. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: 10)
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة» أما الكافر فإنه إذا أصابته النعمة أعرض ونأى بجانبه، وكفر بأنعم الله، وإذا مسه الضر كان يؤوسًا متضجرًا حزينًا متسخطًا على ربه، قال تعالى: ﴿لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ (فصلت: 49).
ولا شك أن أمراض القلوب أخطر بكثير من أمراض الأبدان فغاية أمراض الأبدان الموت الذي هو مرحلة، تبدأ بعدها مرحلة أهم وأطول أما أمراض القلوب فقد تكون نهايتها الهلاك والعياذ بالله.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، يارب العالمين.
بنو إسرائيل نموذجًا:
الأمم بين الاستخلاف والاستبدال
نسيان العدو طريق الذوبان والعلاج: قراءة التاريخ جيدًا
محمد صادق عوض
أخذ الحديث عن مستقبل الحضارات وإمكان التقائها أو تصارعها حيزًا كبيرًا من ساحات الإعلام وأخذت مددًا من أقلام المحللين غزيرًا وجهدًا من عقول المفكرين كبيرًا.
وتباينت الآراء وأظهر كثير من اللقاءات والمؤتمرات صعوبة، وبالأحرى استحالة التقاء حضارات، لكل منها معينها الذي ارتوت منه، فهذا حضارته تقوم على موروث وثني، وذاك تقوم حضارته على المادية الطاغية إلى آخر هذه الخرافات التي تنم عن عقلية ليست أهلًا لإنتاج حضارة ذات إبداع، وقيادة ذات سيادة.
ولكن تبقى أمة الخير إمامًا للعالمين -رغم غيابها كقوة فاعلة حضاريًا الآن- بمنهجها القديم وأبنائها البررة فأنى السبيل؟ وكيف الوصول؟
إن أمتنا في مرحلة تخلف حضاري «مؤقت» فلا بد من إقلاع، ولا إقلاع بلا استبدال، ولكنه الاستبدال الذي هو خير بالذي هو أدنى.
وحتى يتم ذلك لا بد من تربية ونضوج، فلا كون هبوط كهبوط بني إسرائيل: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ (البقرة: 61).
فعندما انحدروا أسؤوا، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، كان الهبوط، والهبوط لا يأتي بغتة، فقد سبقته مراحل، وهنا بنو إسرائيل كان همهم الشاغل: ﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ (البقرة: 61).
نسيان العدو طريق الذوبان
عندما خرج بنو إسرائيل من مصر، كانت عند بعضهم حلي نساء المصريين أمانة فنهبوها، وبلغ بهم الإتباع الأعمى وذوبانهم في مجتمعات الإلحاد أن صنعوا بها عجلًا يعبدونه من دون الله ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾ (الأعراف: 148). فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
فبدلًا من أن يتخذوا عدوهم عدوًا اتخذوه إمامًا، رغم حداثة عهدهم بآيات الله من نجاة وإغراق آل فرعون. فلما عبدوا العجل، وأشربوا حبه في قلوبهم -تمكن من أفئدتهم جاء الأمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (البقرة: 67). ظنوا موسى مستهزئًا ونسوا أن عقولهم هي التي انحدرت عندما اتخذت العجل إلهًا من دون الله.
تقنعوا بثوب زائف من التعقل فأظهروا تساؤلًا ما كان ينبغي لهم، إنه أمر الله حتى تقتلع تبعيتهم الذليلة، وتطهر قلوبهم المدنسة بكفر.
إن تطهير القلوب معلم حضاري فلكم أشربت قلوب حب عجولها وعبدتها من دون الله.
ولكم ذابت معالم وانمحت في ذات عدوها.
فاحتاج الأمر إلى ذبح ما تعلقت به القلوب، واحتاجت القلوب إلى إفراغها من غير بارئها.
وقد صدق الله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: 38)
ولا بد من قراءة التاريخ جيدًا والوقوف على ما فيه من دروس جليلة وعبر عظيمة.
والاستبدال المطلوب يتطلب مقدرة على التغيير الداخلي ثم الخارجي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (الرعد: 11)
وإذا امتلكت النفس هذه الإرادة على التغيير، كانت الإيجابية الفاعلة، وظهرت الذات المستقلة، وأخذت تنمو وتقوى حتى تقود.
وبنو إسرائيل كانت لهم قيادة ومنهج، ولكن افتقدوا النفس الإيجابية الفاعلة، فنفوسهم غير سوية، عبروا البحر ورأوا غرق فرعون وجنده أمام أعينهم وعاشوا في نعيم الله، ورغم كل ذلك لم يتأثروا، بل قالوا ولما تجف أرجلهم من الطين ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (الأعراف: 138) فأنى لهم الارتقاء وقد استعذبوا العبودية والهوان.
الذوبان الحضاري وضياع الأمة
إنها شخصية منقادة ذائبة اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (الأعراف: 138)
فبين لهم موسى عليه السلام استحالة الالتقاء ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف: 138)
فهم يريدون تقليد قوم ضالين وهلاكهم محقق، وزوال حضارتهم الزائفة مؤكدًا ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: 139).
ثم أخذ يوضح ويفصل علل هلاكهم وضلال ما هم فيه ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: 140).
أساس عقائدي باطل لا تقوم عليه حضارة، ثم ذكرهم بالله، وكيف فضلهم على العالمين، وكيف أنجاهم من آل فرعون ﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (الأعراف: 141)
ولكنهم تمادوا في باطلهم فسلط الله عليهم في كل عصر من يذيقهم الذل والهوان ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 112)
إن في ذلك لعبرة
الشيخ ناجي علوش (*)
في زمن المحن والمآسي تعالوا نحط رحلنا عند ابن الأثير، ذلك الجهبذ الذي ملك من التاريخ ناصيته، ومن الأدب فنونه، ومن المعارف فروعها، ومن يملك مثله من صدق الحرارة، ورقة القلب، وقوة الانفعال؟ خط بيراع الكمد والحسرة وقائع الهجوم التتري الوحشي، صورة الهمجية التترية ومجازرها المدوية.
يقول في كتابه الحافل المسمى بالكامل: «لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلًا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعًا»
ثم يشرع الرجل في تدوين تلك الصفحات السود مما لا يتسع المجال لذكره. ولكن مهما يكن من أمر فليس من المسوغ النأي عن ذكر الداء، إذ لا بد من معرفته لتشخيص الدواء.
فالتاريخ يعيد نفسه، القتل الهمجي، هو هو، والعبث بالبلاد والعباد لم تتغير صورته، إنها تترية القرن الحادي والعشرين.
صور الأشلاء متناثرة في كل مكان، ورائحة الموت تنبعث من كل زاوية، وشبح الظلم يسدل بستار الخوف على المستقبل، وتبلغ القلوب الحناجر بين ماض أليم وقادم حزين.
ماذا دهانا أيها المسلمون؟ تتقاذفنا الأمم وتتناوشنا المطامع ويستحكم فينا القاصي والداني، دماؤنا تراق، وثرواتنا تسرق، وأجساد أطفالنا تمزق، وأرواحنا تزهق، وأسرنا تشرد؟
ومن يعيد للأمة عزها وسؤددها، إلا أيد متوضئة، ووجوه وضيئة، تلفظ كل لغة إلا لغة الإسلام، وتدع كل راية إلا راية التوحيد؟
ولن تحلم بغد هانئ ومستقبل واعد إلا في ظل الإسلام، الذي يطهر أبناءه فتذوب الفوارق وتنقى الأفكار وتتوحد الرؤى وتشخص الأبصار إلى أفق بعيد تقتبس منه الأمل.
فهل أدركنا -ولو متأخرًا- أن من يستبسل في سبيل الدفاع عن الأمة هم من تربوا على الإسلام وخالط الإيمان قلوبهم وامتزج الصدق بدمائهم؟
أناس ثاروا على الغثائية وحطموا قيود المادة ومزقوا أغلال الائتمانية المقيتة، ولم يرتضوا سوى الإسلام دينًا قيمًا وشريعة سمحة وراية خفاقة.
فمتى نعود من التيه إلى الحقيقة ومن الأوهام إلى مصارحة الذات؟
متى ينكشف ران الأفئدة وتسقط اللاصقات السود عن العيون لنقرأ قوله -صلى الله عليه وسلم- حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله؟
ومتى نتحرر من قيود الغثائية ويتداعى إلى نصرة الحق كما تداعى أهل الباطل إلى نصرته ليغرسوا مخالبهم في قلب الأمة ويفترسوا بأنيابها الظالمة الحادة روحها الطاهرة ويحولوها إلى أشلاء ممزقة؟ كما أخبر الصادق المصدوق «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكل إلى قصعتها» فقال قائل أو من قلة نحن يومئذ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن» فقال قائل يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».
فهل أدركنا بعد طول ضياع أن الذي يحمي الأرض والعرض رجال الله في أرضه ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 111، 112)
إذًا فلنعمل جميعًا حكومات وشعوبًا، شبانًا وشيبًا على إعداد الفرد المسلم وتهيئة البيئة الصالحة لإخراج أناس بدينهم يعتزون، وللجهاد يتطلعون، وللحفاظ على البلاد قادرون وللخيانة نابذون، وللأعداء قاهرون، يتشبهون برجال قال الله فيهم مِّنَ ﴿الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).
جوهر الإيمان
د. زكريا المصري
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة» «رواه البخاري».
الإيمان بالله تعالى يعني الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى هو الخالق للأكوان والإنسان وكل شيء وأن هذا الخلق قد تم بعلم الله تعالى وقدرته وحكمته، وأنه تعالى قد وضع لهذه الأكوان سننًا كونية فانضبطت حركتها بكل دقة وإحكام فاستقام حال الأكوان بهذا الأمر الإلهي ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: 40) وأن الذي خلق الإنسان أيضًا قد وضع له سننًا شرعية أمره فيها ونهاه بما يحقق مصلحته. فالذي ضبط الأكوان بأوامره الكونية قادر على ضبط الإنسان بأوامره الشرعية.
والإيمان برسول الله -صلى الله عليه وسلم- معناه الاعتقاد بأن الله تعالى اختاره من بين البشر على علم منه بصلاحيته التامة لمهمة تبليغ شريعة الله تعالى إلى البشر بكل أمانة، بلا زيادة ولا نقص، وأن الله تعالى قد أوكل إليه أيضًا شأن بيان هذه الشرائع بالقول والفعل والتقرير، وأن الله تعالى قد جعله قمة في الالتزام بهذه الشرائع حتى أصبح قدوة للمؤمنين بها ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21).
والصلاة صلة بين العبد وربه تهدف إلى استحضار عظمة الله تعالى في القلب لتستقيم الجوارح بالعمل بما شرع الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: 45)
فالصلاة تربية أخلاقية وسلوكية للمؤمن إذا خشع فيها قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 1، 2).
والصيام امتناع عن الطعام والشراب والشهوة وسيئ الأقوال والأفعال من طلوع الفجر إلى غروب الشمس والهدف تقوية عزيمة المؤمن ليتمكن من ضبط حركته الحياتية بشرع الله تعالى في حياته، هذا هو جوهر الإيمان تصديق بالجنان وعمل بالأركان.
السعادة
عبد الرحمن بن عبد الله الجناحي
السعادة مطلب العقلاء ومبتغى الكبراء، وحلم يراود الضعفاء، ولكن الناس متفاوتون في فهم حقيقتها ومتباينون في طريق الوصول إليها، منهم من يراها في المال والولد، ومنهم من يراها في الجاه والمنصب، ومنهم من يراها في إشباع الشهوات يعب منها عبًا غير آبه بما يحل وما يحرم، ولا فرق عنده بين ممنوع ومشروع، ومنهم من يراها في السبق في مجال الصناعة، ومنهم من يراها في القصور الفارهة والحسان الغانية والخيل المسومة والأنعام والحرث، وكل ذلك متاع الدنيا الفانية، ولكن ثمة ما هو أنفع وأبقى.
لقد أخطأ طريق السعادة كل من اتبع الهوى والشيطان، وكل من خالف أمر الله وأمر رسوله الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، ولو خيل له غير ذلك.
لقد حدد الكتاب العزيز طريق السعادة والفلاح مرة بإتباع هدى الله ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ (طه: 123)
ومرة بالإيمان وعمل الصالحات ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97)
ومرة بتزكية النفوس وتحليها بالصفات الحميدة وتنقيتها من الصفات المذمومة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 9، 10)
ومرة بالقيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: 1: 9).
فإذا كانت هذه طرق السعادة وسبلها فإنه محال أن يجد السعادة أصحاب الفتن وأهل الريب والرذيلة والمعاصي لأن ذل المعصية يحيط بهم، ويقعد بهم عن السعادة الحقيقية، كما قال الحسن البصري -رحمه الله-: «إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه»
فلذا أحذر أخا الإسلام أن تغرك سعادة لحظة عن السعادة الأبدية أو تفتن بلذة عاجلة تعقبها ندامة آجلة، أحذر أن تكون في حضيض طبعك محبوسًا، وقلبك عما خلق مصدودًا منكوسًا، حذار أن ترعى مع الهمل أو تستطيب دعاوي الراحة والبطالة، وتستلين فراش العجز والكسل، فتبصر حين تبصر وإذا بجياد الآخرين قد استقرت في منازلها العالية، وأنت دون ذلك بمراحل، وتود الرجعة لتعوض ما فات، ولكن هيهات كيف تجد السعادة وتأمل النجاة ولم تسلك مسالكها؟
تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس
بقلب سليم
أسامة علي متولي
نكت سوداء ينقيها، يحاسب نفسه، يتوب ويستغفر ليفك الختم، وينجلي الران، ويزول العمي.
يخشى يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار، يوم ينكشف المستور، تبلى السرائر، ويحصل ما في الصدور.
يصبح ويمسي، يرى جنة ربه، وأهلها فيها يتزاورون، ويرى ناره الأليمة، وأهلها فيها يتضاوون، يرى عرش ربه بارزًا، وتلك حقيقة إيمانه.
يعبد مولاه، يزكي نفسه، بصلاة خاشعة، بزكاة طيبة، يصوم، يحج، يدعو، ويجاهد، يعظم شعائر الله ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32).
يسيح في الكون، يتأمل، يتدبر، يتفكر، يسبح مع الجبل والشجر، مع الطير، مع الرمل، مع النهر.
ينظر صديقه، فالمرء على دين خليله، يذكره بالله، برق القلب برؤياه.
مخموم القلب، تقي نقي، لا يحسد، ولا يحقد، لا يغش، لا يتجسس، لا ينتقم ولا يتشفى، لا يلعن، لا يظلم، لا يتحمل إلا خيرًا، يألف إخوانه ويألفونه، ويحبهم ويحبونه.
لا ذرة كبر تغزو قلبه، فالكبر يحرق صاحبه، يتواضع، يكرم إخوانه، يخدمهم، يلقي السلام عليهم، يحب الخير لهم، يدعو ربه أن يصلح بالهم، لا يسمح أن يسمع غيبتهم، بل يذب عن أعراضهم ويستر عوراتهم.
يحفظ سمعه وبصره وبطنه وفرجه، لا يسمع فاحشة، لا يتمنى، لا يشتهي، يفر من الفتنة قرار السليم من الأجرب.
قوي كالجبل الراسخ، لا يهتز لشهوة، ولا ينهزم أمام الفتنة، لا يحمل في القلب الدنيا، لا يفرح بإقبالها، لا يحزن لإدبارها.
يحب الرب الرحمن، ويلتذ بتلاوة القرآن.
رسول الله محمد، أحب إليه من أهله وماله وولده ونفسه، والناس أجمعين، وكل حب في قلبه لله وفي الله.
ربط الله على قلبه، فشرح صدره، ونور دربه يرضى بما قسم الله لا يتهم قضاء الله ولا ييأس من روح الله.
شجاع، لا يخشى لومة لائم، لا يجبن، لا يتردد لا يتأخر عن نصرة دينه، فإن عاش كان العزيز الأبي، وإن مات كان سيد الشهداء.
هكذا يكون المؤمن وكذا يكون قلبه مليئًا بالخير والحب لكل الناس.
أما المنافق، فينطق بالتوحيد، كلام مزوق منمق ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ (البقرة: 204).
﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10)
يحقد، يحسد، يتمنى الشر لمن حوله، يتكبر، يغتر، يظن الخير في نفسه.
ختم على قلبه، لا ينتفع بموعظة، لا يلين لقرآن، لا يرق، ولا يخشع، ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ (محمد: 16) فأي الفريقين خير مقامًا وأحسن نديًا. ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الملك
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل