; يا مسلمي العالم انتبهوا | مجلة المجتمع

العنوان يا مسلمي العالم انتبهوا

الكاتب د. عبد الله عزام

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1983

مشاهدات 70

نشر في العدد 635

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 30-أغسطس-1983

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله- وحده لا شريك له- وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد.

فلم يعد خافيًا على المسلمين في الأرض الضربات المتلاحقة التي توجه إليهم في كل مكان، تسحق طلائعهم، وتشتت جمعهم، وتدوس قيمهم، فحيثما ظهرت للمسلمين قوة حركية، أو عسكرية تحرك الكفر، وتداعت المعسكرات المعادية للمسلمين تحذر وتنذر، ثم توعد وتهدد، ثم ترغي وتزبد، ثم تسحق وتبدد.

وما حصل للحركة الإسلامية في البلدان العربية بالذات خير مثال لما نقول وما تلاه من ضرب الفلسطينيين وملاحقتهم من بلد إلى آخر حتى كانت النهاية الأسيفة الأليمة التي شهدتها أرض لبنان ولازالت بقية فصولها تقدم للنظارة جماجم وأشلاء ولحومًا وأعضاء وأرواحًا ودماء.

لقد آن للمسلمين أن يركزوا جهودهم بعد أن رأوا المذابح والمجازر تعمل فيهم وما ملحمة حماة التي تعتبر من مآسي العصر إلا صورة واضحة تدل على أنه يستحيل اللقاء بين الإسلام والجاهلية فوق أي أرض، قال تعالى:﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 217)

لقد آن لنا أن نفكر في أرض تكون قاعدة صلبة تنطلق منها الدعوة وحصنًا حصينًا يأوي إليها الدعاة من جحيم الجاهلية المستعر، ألم يأن لنا أن نفكر في إيجاد دار للإسلام، يتمثل فوق أرضها دين الله سلوكًا وأنظمة وأناسي وأحكامًا.

إن هذه الدار الإسلامية، وهذا المجتمع المسلم، ضروري ضرورة الماء والهواء إذ ثبت قطعيًّا أنه تستحيل الحياة الإسلامية الآن في خلال هذا المجتمع المسلم.

وأنا أرى أفغانستان أفضل أرض لهذه الدار الآن وذلك بعد أن وصل الجهاد الأفغاني إلى مستوى أشبه بالأساطير وأبعد من الخيال فيما حققه من انتصارات في عالم الواقع.

فالجهاد الأفغاني الآن في موقف المنتصر القوي- إن شاء الله-

1. فقد حرر أكثر من 80% من أرض أفغانستان، وهذا ما يمكن أن يشاهده كل من زار باكستان وأراد أن يرى انتصارات المجاهدين فبإمكانه أن يركب في السيارة وتدخل به السيارة عبر الحدود الأفغانية أكثر من مائة كيلومتر.

وإليك هذه المقابلة مع شارلز دو بنار القائم بأعمال السفارة الأمريكية في كابل بعد أن أنهى أعماله فأجرت معه مجلة World Report U.S. News Nod»» ونشرتها إذاعة لندن ومونتكارلو في شهر تموز الماضي سنة 1983م قال فيها «شارلز دو بنار Charites Dawn Bar»: «لا اظن أن حكومة كابل تبقى حتى نهاية الخريف القادم».

ويضيف دو نبار قائلًا: «إن الحكومة الأفغانية لا تقوم سوى بالأعمال الإدارية في كابل وقليل من المدن الأخرى ويتضاءل وجودها بالريف أما عن الجهاد والمقاومة فيقول: 

«لقد أنشأت المقاومة المدارس في بعض المناطق الواقعة تحت سيطرتها كما أقامت نظامًا شاملًا للإدارة» «لا يساورني أدنى شك أن المقاومة تتحسن ويتحسن تسليحها في حال المقاومة يستولون على كثير من السلاح من القوات الحكومية، والجيش الأفغاني كالغربال «المنحل» فالنظام يصب الناس والسلاح من أعلى ليتسربوا من أسفل إلى أيدي المقاومة» «والمقاومة على بعد «5» كم من السفارة الأمريكية داخل كابل».

هذا كلام الأمريكي المسؤول- والفضل ما شهدت به الأعداء- أسوقه ليصدق القابعون في العالم العربي والإسلامي والذين يشككون في أهمية الجهاد الأفغاني ولكني أضيف إلى كلامه فأقول: لقد تجاوزت المقاومة الآن السفارة الأمريكية نحو وسط كابل فضرب المجاهدون الإذاعة والتلفزيون على بعد مائة متر من السفارة.

2. يقول شاليزي «صانع أفلام عن الجهاد»: ستكون أفغانستان الخطوة الأولى لسقوط روسيا.

3. يقول ميتران: إن أفغانستان كالسرطان في جسم روسيا.

4. إن خسارة روسيا يوميًّا في أفغانستان 40 - 60 مليون دولار.

5. لقد شاهد بعض الشباب خلال أشهر رمضان وشوال سنة 1403هـ المعارك في وسط كابل فقال لي أحدهم معبرًا عن شعوره «رأيت أن الله هو الذي يقاتل في أفغانستان».

ثم قال: لقد اشتركت في معركة قصفنا فيها معسكر «يحذره» في وسط كابل وكنا مائة وعشرين مجاهدًا هاجمتنا طائرات الهليوكبتر وصبت علينا وابلًا من الرصاص والقذائف وأخذنا ننطق بالشهادتين لأنا أيقنا أن الموت مدركنا لا محالة وكانت نتيجة المعركة: تدمير 3 دبابات، قتل 18 جنديًّا وضابطًا روسيا، قتل 13 شيوعيًّا أفغانيًّا، جرح عشرون منهم، ولم يجرح منا واحد.

6. رغم أنه لا يصل إلى اللجنة الثقافية للجهاد الأفغاني في بيشاور إلا قليل من أخبار المعارك التي تجري فقد كانت نتائج المعارك التي رصدت بين المجاهدين من جهة والشيوعيين من جهة أخرى خلال سنة واحدة من تشرين الثاني «أكتوبر» سنة 1981م-  أکتوبر 1982م لصالح المجاهدين وكانت نتائج الأرباح بالأرقام التالية نقلًا عن اللجنة الثقافية للجهاد الأفغاني:

غزا المجاهدون 824 غزوة

وهجم الشيوعيون 149 مرة

قتلى المجاهدين 1856 شهيدًا، 

قتلى الكفار 33129، 

جرحى المجاهدين 391 جريحًا،

الجرحى من الكفار 1272، 

الدبابات المدمرة 2048 دبابة، 

الطائرات الساقطة 61 طائرة، 

السيارات المدمرة 1128 سيارة، 

الأسلحة المدمرة 772 قطعة سلاح.

الغنائم:

2697 قطعة سلاح، 18 دبابة صالحة، 58 سيارة صالحة، 2289 أسيرًا أسلم منهم 85 أسيرًا.

يقول سياف: وهذه الأرقام لا تساوي عشرة في المائة من الحقيقة لأن التقديرات التي تصل اللجنة لا تزيد عن 10% من الوقائع..

7. إن عدد المجاهدين مليون مجاهد وأما عدد الذين يحملون السلاح منهم «ومعظم السلاح غنائم» فقد بلغ 330 – 340 ألفًا كما صرح سياف في هذا الشهر، ولقد سئل أحد القادة: أي دولة أمدتكم كثيرًا بالسلاح فقال: روسيا.

8. إن حكومة كابل تتضرع إلى قادة الجبهات أن يوقفوا القصف خاصة على کابل وعلى سبيل المثال:

أ. أرسل وزراء حكومة كابل رسالة إلى محمد صديق جكري يرجونه أن يوقف الحملات على وسط كابل ويدفعون له ما أراد من مال وغيره فرد عليهم «وأنا أعطيكم ماشئتم بشرط أن تنسلخوا من الحاكم وشيوعيتكم وتدخلوا الإسلام».

ب. وفي الشهر الماضي «شوال» سنة 1403هـ أرسل مجلس الوزراء الأفغاني إلى الحاج محمد عمر قائد جبهة بغمان- 17 كم من وسط كابل- رسالة: يقولون فيها: «نناشدك الله أن نجتمع حقنًا لدماء المسلمين» يا الله! الشيوعيون يناشدونه بالله؛ إنه الرعب والفزع والأغرب من هذا أن الرسالة تبدأ بالبسملة، والرسالة محفوظة عندي وأرسلت صورتها إلى مجلة المجتمع، فرد الحاج محمد عمر: «إن العهد الذي أعطيناه لأمير المجاهدين «سياف» أن لا نضع السلاح حتى تقوم الدولة الإسلامية أما قبل قيام الدولة الإسلامية فلا مفاوضات ولا لقاء».

وبعد هذا الجواب بيومين هجم الشيوعيون بأساطيلهم الجوية والبرية ودارت معركة بينهم وبين المجاهدين كانت نتيجتها: تدمير أربعين دبابة وإسقاط ثلاث طائرات وقتل ألف وخمسمائة شيوعي، وسقط مقابل ذلك ستة وعشرون شهيدًا.

9. لقد قصف مطار كابل مرتين خلال شهري شعبان ورمضان سنة 1403هـ، وكانت نتيجة الهجوم الثاني تدمير 24 طائرة ودمرت كذلك ثلاث عمارات كمساكن للضباط الروسيين على بعد 2 كم من قصر بابرك كارمل بل أكثر من ذلك لقد قصف قصر بابراك كارمل نفسه في شوال سنة 1403هـ ومقابل هذا الصمود المشرف ماذا تفعل روسيا؟

إنها تنتقم من سكان القرى والمدن- من المدنيين- إنها تتبع سياسة الأرض المحروقة، لقد دمرت مدينة قندهار أكثر من خمس مرات، إنها تحرق الزروع والأحياء وتهدم المنازل وتخرب الأحياء.

ولذا

فهجرة الأفغانيين تزداد يومًا بعد يوم إلى باكستان، ولكن والحمد لله عدد المجاهدين يزداد يومًا بعد يوم.

وهناك الأزمة الخانقة بالنسبة للمواد الغذائية في أفغانستان مما جعل قادة الجهاد في بيشاور يفكرون في إرسال الطحين إلى المجاهدين ولكن هل تعلم بأن أجرة الجمل الواحد الذي يحمل الطحين من بيشاور إلى كابل «220» كم تساوي؟ «ألف ومائتي ريال سعودي» وهذا المبلغ يكفي للإنفاق على عشرين أسرة أفغانية مدة شهر كامل.

فالمجاهدون بحاجة إلى المال، الأحذية، الملابس، البطانيات، الخيام.

فهم يفتقدون كل متاع الدنيا وضرورياتها وحاجياتها، يفتقدون كل شيء، ويعوزهم كل شيء، وينقصهم أي شيء إلا أنهم يملكون شيئًا واحدًا وهو أثمن كل شيء وهو الإيمان بالله، والرضا بالقضاء، والصبر على البلاء والجهاد بحاجة إلى أصحاب الكفاءة والطاقة الفنية، إنهم بحاجة إلى الصحفي المسلم، والطبيب المسلم والمهندس المسلم، خاصة في الكهرباء والكيمياء والإلكترونيات والعالم المربي: الذي يعيش بينهم فيعلمهم أمور دينهم إذ إن طلائع الموجهين والبعث الإسلامي قد سقط معظمهم وقودًا لمعركة الإسلام ومن أجل رفع رايته.

يقول سياف: كان عدد الصفوة الأولى من المسجونين ممن يمسكون زمام التوجيه والتربية والعمل الإسلامي «مائتين وسبعين» مربيًّا لم يبق منهم سوى ثمانية سألني بعض الإخوة: هل الجهاد الأفغاني بحاجة إلى رجال؟ فأجبتهم إجابة قريبة من إجابة سياف: «الجهاد بحاجة إلى مال والرجال بحاجة إلى الجهاد».

إن الذي فطر النفوس البشرية- سبحانه- جعلها تتأثر بالوقائع والأفعال أكثر من الكلمات والأقوال فجو التضحية وميدان ضرائب العزة هو أفضل جو تعيش فيه النفوس وتتربى وتصقل الأرواح وتسمو؛ ولذا فرؤية النماذج الحية أحسن بكثير من الحياة بين الكتب ولو إلى سنوات.

والذين يقضون إجازاتهم السنوية في أوروبا وتركيا وقبرص عليهم أن ينتبهوا أن «سياحة أمتي الجهاد» «حديث صحيح رواه أبو داود» لقد ودعني أحد أساتذة الشريعة قائلًا: سأسافر إلى تركيا، فقلت له: ولماذا؟ قال: لزيارة عاصمة الخلافة؟ فقلت: أو معك أسرتك قال: نعم، فقلت: ولماذا لا تزور بيشاور وترى الناس الذين يحاولون إعادة الخلافة، ولكن هيهات هيهات؛ إنهم لا يعيشون قضية الإسلام ولا يحسون بالحرقة التي تؤرقهم على حال المسلمين وكم يحز في النفس والقلب أن ترى أهم قضية حية في الأرض، مهملة في أذهان المسلمين بل في أذهان بعض الدعاة، ومتروكة في زوايا النسيان سألت بعض الإخوة في باكستان: كم أستاذ شريعة من العالم العربي وصل بيشاور في زيارة للتدليل ولو مرة واحدة على الاهتمام بأمر المسلمين فكان الجواب مما تنقبض منه النفس.

لقد خاطبت الأساتذة المؤتمرين في «المؤتمر العالمي الثاني للاقتصاد الإسلامي» بإسلام آباد أو تريدون زيارة بيشاور؟ فاعتذر بعضهم بضيق الوقت فقلت لهم: «إني أعتبر أن رجوعكم من إسلام آباد دون زيارة بيشاور موبقة شرعية أي من الكبائر» لأن هذا يعني أنه لم يعد في قلوبكم ذرة من حرقة على أهم قضايا المسلمين في الأرض.

وقال بعضهم: لقد رتبوا لنا زيارة إلى «سد تر بلا «Terpella Dam فقلت: كان الأولى بهم أن يرتبوا لكم زيارة ليس لسد من التراب والحجارة ولكن زيارة «للسد البشري» الأفغاني الذي يقف أمام الدب الروسي والسرطان الأحمر بحيث لو انهار هذا السد لوقعت عشرات الملايين تحت أقدام هذا الحيوان الأهوج الشرس؛ كيف يغيب عن أساتذة الشريعة وعلماء الاقتصاد الإسلامي قوله- صلى الله عليه وسلم: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» «متفق عليه».

كم علموا الجيل ورددوا عليهم: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» «رواه الترمذي وقال حسن صحيح».

كم سمعنا منهم وتعلمنا: أن «الجنة تحت ظلال السيوف» «متفق عليه».

إن زيارة واحدة لأرض الجهاد كفيلة بعون الله أن تحيل الإنسان إلى كتلة من حماس يتذكر الشهادة والجهاد في نومه ويقظته.

وفي الحديث: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» «رواه مسلم».

قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (التوبة: 39)

ولينتظروا النكال في الدنيا قبل الآخرة «من لم يغز أو يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة» «حديث صحیح رواه أبو داود وابن ماجة».

ليت شعري متى يستفيق المسلمون؟ ومتى ينتبهون؟ قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ (التوبة: 126) ، «ليعلم ذوو الكفاءة والطاقة التي يحتاج إليها الجهاد أن الجهاد بالنفس في حقهم فرض عين»، فإما المشاركة وإما العذاب وعلى كل مسلم أن يدلي بدلوه في هذا الميدان وأن يشارك في الجهاد كل على قدر طاقته ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا الله الا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

الرابط المختصر :