العنوان الحج رحْلة التغيير إلى الإخلاص
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 05-نوفمبر-2011
مشاهدات 104
نشر في العدد 1976
نشر في الصفحة 46
السبت 05-نوفمبر-2011
لبيك اللهم لبيك
- من أفضل الأعمال.. وهو عبادة العمر ويجب على من استطاعه أن يبدأ فيجدد نيته ويصححها وينقيها من الشوائب
- إنه موسم تجديد النيات وتصحيح القصد والإرادة.. موسم التغيير من الرياء والسمعة وحظوظ النفس إلى التجرد لله وحده
- لبيك اللهم لبيك.. نشيد الملبين من ضيوف الرحمن يشاركهم فيه الأرض والحجر والشجر والمدر
- النية الخالصة لله ليست مطلوبة في الحج فقط بل في سائر أعمال المسلم
لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.. إنها تلبية نبينا ﷺ بالحج، ونشيد الملبين من ضيوف الرحمن يشاركهم فيها الأرض والحجر والشجر والمدر، كما قال الحبيب: «ﷺ ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا »(رواه الترمذي).
لبيك اللهم لبيك.. نداء القدوم على العظيم، تتردد بني الحجاج على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وألسنتهم ممزوجة بدموع الفرح والرغبة والخوف والرهبة، وقد طرقوا باب الملك الكبير المتعال، وأتوه من كل فج عميق امتثالاً لأمره، وها هم يقفون بين يديه شعثاً غبراً منكسرين تائبين منيبين، قصدوه وحده يرجون رحمته ويخافون عذابه، قد قدموا الأموال بين يديْ حجهم فلم يلههم مال عن ذكر الله، وساقوا أمامهم توبة تسبقهم إلى ربهم، وتركوا من خلفهم أهليهم وأولادهم وذويهم وذراريهم ليغترفوا من عطاء الكريم الرحمن.
لبيك اللهم لبيك.. كلمات تشتاق إليها النفوس المؤمنة وتحنّ، وتهفو القلوب لسماعها وهي تتردد وسط جموع الحجاج وكلّ منهم يرجو أن ينال من كرم المضيف وإحسانه، تختلط معها الدعوات وترتفع بها الأصوات امتثالاً لأمر النبي ﷺ القائل: «أتاني جبريل فقال لي: إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر الحج» (رواه أحمد).
فلبيك اللهم لبيك.. اتجاهي وقصدي إليك وحدك يا إلهي، إخلاصي ومحبتي لك وحدك يا خالقي، خضوعي وتسليمي لك وحدك يا مالكي، وها أنا مقيم على طاعتك وإجابة دعوتك.. فلبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
إنه موسم الإخلاص وتجديد النيات وتصحيح القصد والإرادة، موسم التغيير من الرياء والسمعة وحظوظ النفس إلى الإخلاص والتجرد لله وحده.
فريضة العمر
والحج فريضة سنوية لا تصح إلا مرة واحدة في السنة، وقد فرضه الله علينا مرة في العمر، وقد سئل النبي ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله وحده، ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال، كما بني مطلع الشمس إلى مغربها »(رواه أحمد).
وإذا كان الحج من أفضل الأعمال وهو عبادة العمر وجب على من استطاعه أن يبدأ فيجدد نيته ويصححها وينقيها من الشوائب، ويغير ما فيها كالرياء والسمعة إلى الإخلاص والتجرد لله تعالى وحده في كل ما يأتي وما يذر، وفي كل ما يقول وما يفعل.. يقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى »، فالأعمال صحيحة أو معتبرة أو مقبولة بالنيات، وأن مدارها على النية، وبحسب نية العبد صحتها أو فسادها، كمالها أو نقصانها، والنية هي القصد للعمل، فمن نوى فعل الخير وقصد به المقاصد العليا وهي ما يقرب إلى الله فله من الثواب الجزاء الكامل الأوفى، ومن نقصت نيته وقصده، نقص ثوابه، ومن توجهت نيته إلى غير هذا المقصد الجليل، فاته الخير، وحصل على ما نوى.
والنية الخالصة لله ليست مطلوبة في الحج فقط، بل في سائر أعمال المسلم، وذلك أن على العبد أن ينوي نية كلية شاملة لأموره كلها، مقصوداً بها وجه الله، والتقرب إليه، وطلب ثوابه، واحتساب أجره، والخوف من عقابه، ثم يستصحب هذه النية في كل فرد من أفراد أعماله وأقواله، وجميع أحواله، حريصاً فيه على تحقيق الإخلاص وتكميله، ودفع كل ما يضاده: من الرياء والسمعة، وقصد المحمدة عند الخلق، ورجاء تعظيمهم، بل إن حصل شيء من ذلك فلا يجعله العبد قصده، وغاية مراده، بل يكون القصد الأصيل منه وجه الله، وطلب ثوابه من غير التفات للخلق، ولا رجاء لنفعهم أو مدحهم، فإن حصل شيء من ذلك دون قصد من العبد لم يضره شيء، بل قد يكون من عاجل بُشرى المؤمن.. قال تعالى: ﴿مّاوَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: 5).
الحج.. والإخلاص
وقد سئل رسول الله ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله ». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله ». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور »(رواه مسلم)
وقيل: إن الحج المبرور هو الصادق الخالص لله تعالى، فلا رياء فيه ولا سمعة، ولا يخالطه إثم، ولا رفث، ولا فسوق، ويكون بمال حلال، وهو الحج المقبول، إذ إن جزاءه الجنة، كما قال ﷺ: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة »(رواه أحمد)، أي لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بد أن يدخل الجنة.
والإخلاص لغة: مصدر أخلص يُخلص وهو مأخوذ من مادة «خَلَصَ» التي تدل على تنقية الشيء وتهذيبه. والمخلَصين: الذين أخلصوا العبادة لله تعالى. والإخلاص في الطاعة: ترك الرياء.
الإخلاص اصطلاحاً: قال الكفوي: الإخلاص هو القصد بالعبادة إلى أن يُعبد المعبود بها وحده، وقيل تصفية السر والقول والعمل.. وقال المناوي: الإخلاص: تخليص القلب من كل شوب يكدر صفاءه، فكل ما يُتصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوبه وخلص منه يسمى خالصاً.
وقال الجرجاني: الإخلاص: ألا تطلب لعملك شاهداً غير الله تعالى، وقال الإمام الغزالي: كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس، ويميل إليه القلب، قَلَّ أم كثر، إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه، وزال به إخلاصه، والإنسان مرتبط في حظوظه، منغمس في شهواته، قلما ينفك فعل من أفعاله، وعبادة من عباداته عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس.. فلذلك قيل: من سلم له من عمره لحظة خالصة لوجه الله نجا، وذلك لعزة الإخلاص وعسر تنقية القلب من هذه الشوائب، بل الخالص هو الذي لا باعث له إلا طلب القرب من الله تعالى.
لذا، فإن من أراد أن يحج فليبدأ بتصفية نيته من أي شائبة، ولينوِ بحجه وجه الله تعالى حتى يتقبل منه، فلا يحج ليقال له: «حاج ،» ولا يحج ليعدّد مرات حجه ويتفاخر بها على أقرانه، ولا يحج بنية كسر الروتين الخانق من حوله، أو بغرض السياحة والنزهة مع ما تيسر الآن لحجاج بيت الله من الرفاهية التي لم تكن موجودة من قبل، ولا بنية لقاء أصحابه، بل يحج لوجه الله وابتغاء رضاه، وإن حصل أمر من هذه الأمور بعد فلا حرج عليه، لكن يجب توجيه النية من البداية لله وحده القائل سبحانه: ﴿فّمّن كّانّ يّرًجٍو لٌقّاءّ رّبٌَهٌ فّلًيّعًمّلً عّمّلاْ صّالٌحْا لا يٍشًرٌكً بٌعٌبّادّةٌ رّبٌَهٌ أّحّدْا﴾ (الكهف: 110)، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وهذان ركنا العمل المتقبل لا بد أن يكون خالصاً لله صواباً على شريعة رسول الله ﷺ.
كن مخلصاً
خرج البزار في مسنده من حديث الضحاك بن قيس، عن النبي ﷺ قال: «إن الله عز وجل يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكاً، فهو لشريكي، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله عز وجل، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أُخلِص له، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم، فإنها للرحم، وليس لله منها شيء، ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم، وليس لله منها شيء ».. فالإخلاص أساس في قبول الأعمال والأقوال، وهو تصفية السر والقلب والعمل ولهذا يقال: إنه أربعة أقسام: إخلاص في الأقوال، وإخلاص في الأفعال، وإخلاص في الأعمال أي العبادات، وإخلاص في الأحوال أي إلهامات القلب وواردات الغيب، والدين شامل لكل هذا.
والإخلاص لا يطلع عليه أحد إلا الله، فهو كما قال الجنيد يرحمه الله: «سر بين الله والعبد، لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله ».. أما ترك العمل طلباً للإخلاص وخشية الوقوع في الرياء فهذا من تلبيس إبليس الصادّ عن كل خير، ولهذا قال الفضيل بن عياض: «ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجلهم شرك، والإخلاص: الخلاص من هذين ». وقال أبو سليمان الداراني: «إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء .»
فكن مخلصاً تتحرر من عبودية غير الله.. وكن مخلصاً ليقوى إيمانك ويطمئن قلبك وتهدأ نفسك وتعلو منزلتك في الدنيا والآخرة. قال مكحول: «ما أخلص عبد قط أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه ولسانه .»
واعلم أن الجنة لا يدخلها إلا المخلصون، وأن رسول الله ﷺ قال: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله إلا حرم الله عليه النار »(رواه مسلم).
لذلك، فقد أوجب الله على المنافقين عند توبتهم من النفاق أن يخلصوا إيمانهم وأن يصدقوا فيه، ويبتغوا بقول «لا إله إلا الله » وجهه وحده، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)﴾ (النساء: 145-146)، قال القرطبي: ومن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله أي يجعله ملجأ ومعاذاً، ويخلص دينه لله كَمَا نَصَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَة، وَإِلا فَلَيْسَ بِتَائِبٍ.
وقال ابن كثير: أي بدلوا الرياء بالإخلاص فينفعهم العمل الصالح وإن قلّ، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال «أخلص دينك يكفِك القليل من العمل .» النية والإخلاص في حياتنا إن هناك أعمالاً كثيرة في حياتنا نقوم بعملها إلفاً واعتياداً دون أن نفكر أو نحدث لها نية، حتى صارت لنا عادة، كالطعام والشراب والنوم وتأليف القلوب، والزواج وتربية الأولاد وخدمة الزوج وطلب العلم الدنيوي والعمل في الوظيفة، ولو استصحبنا النية الخالصة لله في أي منها لصارت عبادة نؤجر عليها.. قال الله تعالى: ﴿۞ لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114)﴾ (النساء: 114)، قال ابن كثير في تفسيره: أَيْ مُخْلِصاً إِلَى ذَلِكَ مُحْتَسِباً ثَوَاب ذَلِكَ عِنْد الله عَزَّ وَجَلَّ. وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أثبت عليها، حتى اللقمة تضعها في في (فم) امرأتك »، وهذا كله مقيد بإخلاص النية، ولذلك قال ابن المبارك: رب عمل صغير تعظّمه النية، وربّ عمل كبير تصغّره النية.
وقال بعض السلف: «من سره أن يكمل له عمله، فليحسن نيته، فإن الله عز وجل يأجر العبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة.»
ومن هنا، قال زبيد اليامي: إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء، حتى في الطعام والشراب.. وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه ينوي بنومه التقوّي على قيام الليل وطاعة الله ويقول: «إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي .»
فإذا خلصت الأعمال كلها لله وارتبطت النوايا بمراقبة الله، وكان القصد فيها رضاه، فلن نجد في حياتنا من يغش ويكذب ويداهن ويخادع، ولن نتعرض لمن يرتشي أو يعطل المصالح، أو من يأكل أموال الناس بالباطل.. بل سنسد جوع الجائعين، ونواسي المصابين، ونكون قلباً واحداً.
سيكون العامل مخلصاً في عمله يحافظ على وقته فيه ويؤدي المطلوب منه بإتقان، ستذهب الأنانية وتختفي إلى غير رجعة، لن نجد إهمالاً أو تقصيراً منا، بل سيكون الجدّ طريقنا فيخلص الطالب في دروسه، ويخلص المعلم والعالم في بذل علمه، ستأخذ النصيحة مكانها الصحيح بلا مداهنة أو مجاملة، فالإخلاص ينافي الإشراك، والرياء، والغش والخداع والكذب ولذا قد نجد بينه وبين الصدق قرابة معنى، وكذلك يمتد إلى معنى الصراحة، ويلتقي بمفهوم الوضوح، والأمانة والصفاء.
ولو دخل نور الإخلاص بيوتنا فسنرى ثمراته في تربية أولادنا ورعايتهم وفي معاملة الزوجين معاً، وفي بر الأهل وصلة الرحم وإحسان الجار لجاره وتحمل الأذى متى وجد.
ولو جعلنا الإخلاص شعارنا لقلت مظاهر القطيعة والتنافر والشجار والتخاصم، وحلت مكانها أخلاق عالية من العفو والرحمة والصلة والمغفرة ابتغاء رضا الله.
إننا نعيش أزمة إخلاص وحسن نوايا نحتاج لاستعادته من جديد وتقويته وزرعه في نفوسنا ونفوس الأجيال الصاعدة، وظهور أثره في حياتنا وأعمالنا وأقوالنا، فهل سيكون الحج درساً لنا في هذا التغيير المنشود إلى خلق الإخلاص والتجرد؟
المراجع
-1 تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، «فتح الباري شرح صحيح البخاري »، موقع «الإسلام دوت كوم »، إشراف الشيخ صال بن عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم آل شيخ.
-2 موسوعة «نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ﷺ »، إعداد مجموعة من المختصين بإشراف صالح بن عبدالله بن حميد، وعبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن ملوح.
« -3 جامع العلوم والحكم » للإمام ابن رجب، ج 1.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل