العنوان تحررت الأرض.. فمتى تتحرر النفوس والأفكار؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-2001
مشاهدات 101
نشر في العدد 1439
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 20-فبراير-2001
تمر الأيام والسنون وتعاودنا ذكرى التحرر من الغزو العراقي الغاشم الذي ثبت أنه لم يسبب محنة للكويت وأهلها فحسب، بل إنه فتح باب المحن والمآسي للأمة جمعاء، نعم إن مثل هذه الأحداث المزلزلة تترك أثرًا لا ينمحي لسنوات طويلة، وكلنا يرى ويلمس كيف أن الأمة لا تزال تعاني من كارثة هزيمة ١٩٦٧م، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا ونفسيًا وما تلك المفاوضات المخزية ومباحثات الاستسلام المخجلة إلا بعض آثار تلك الهزيمة النكراء التي جرها علينا فكر سقيم ابتليت به الأمة.
وقد كرر النظام العراقي الاستبدادي المأساة نفسها وأوقع الأمة في بلوى مماثلة كانت سببها أيضًا النعرات القومية، وشعارات الوحدة الجوفاء.. ودغدغة عواطف الجماهير بآمال كاذبة، وهو في الحقيقة إنما كان ينفذ مؤامرة خسيسة تستهدف الأمة.
ونكاد نسمع الآن من يحتج بأن دعاة التوجه الإسلامي إنما هم أسرى نظرية المؤامرة.. ونقول: إن شواهد المؤامرة لا تزال قائمة، ووقائع التاريخ تثبت كل يوم صحتها، أما الذين يصرون على نفي وجود المؤامرة، فهم في الواقع يبرئون أصحاب المخططات الخارجية التي تكيد لنا ويسوغون الاستبداد الداخلي الذي ينفذ مخططات الخارج.
لقد حققت القوى الغربية وعلى الأخص الولايات المتحدة من وراء كارثة الغزو ما لم تحققه من وراء أي عمل آخر عسكريًا كان أم سياسيًا، كما استفاد الكيان الصهيوني من تداعيات الأحداث، فعقد مؤتمر مدريد، وانجرفت سياسة أغلب الأقطار العربية نحو التصالح مع الكيان الصهيوني الغاصب، ناهيك عن الخسائر المادية الفادحة التي عطلت عجلة التنمية لا في الكويت أو دول الخليج فحسب، بل أيضًا في عشرات الدول العربية والإسلامية وغيرها ممن كانت تستفيد من مساعدات الصناديق الخليجية، أما العراق ذاته فقد أعادته سياسات طاغيته عشرات السنين إلى الوراء، ومات مئات الآلاف من أبنائه شبابًا وأطفالًا، رجالًا ونساء، وذاق الأحياء طعم الحرمان والفاقة والاستذلال بسبب ما قام به ذلك الطاغية، وهو لم يكتف وزمرته بما وقع، ولكنهم يواصلون إطلاق التهديدات ضد الكويت ليصبوا الزيت على النار لتشتعل وتأكل الأخضر واليابس، ما داموا يتوهمون أنهم محصنون في خنادقهم، وهم متخمون مما سرقوه من أموال الشعب العراقي، محميون بمن يخدمونهم بعمالتهم وخيانتهم للأمة.
تحررت الكويت من الغزو الغاشم، ولكن هل تحقق لنا التحرير الكامل؟ إن الحرية الحقيقية الكاملة لا يشعر بها إلا الإنسان المسلم الذي يتحرر من النظرات المادية الضيقة إلى أفق الإسلام الرحب، ومن هوى النفس ونزغات الشيطان إلى ميدان الطاعة وحسن العبادة، والناظر إلى واقعنا الكويتي خاصة والعربي والإسلامي عامة يجد أن الحرية بذلك المفهوم لا تزال بعيدة المنال فعلى الرغم من الصحوة الإسلامية الكثيرة والواضحة الجلية التي تعيشها الأمة، إلا أن قطاعات واسعة منها لا تزال بعيدة عن تيار النجاة متأثرة بإعلام منجرف وتعليم منحرف وتربية قاصرة، وتنشئة غير سوية.
وأشد ما يؤلم النفس ما نجد من مظاهر أبعد ما تكون عن صفة التحرر الحقيقي، مثلما نرى هذه الأيام ما سمي في الكويت بمهرجان «هلا فبراير»، الذي أصبح مناسبة سنوية للترويج للرذيلة والتشجيع على الانحراف.
أما حرية معظم شعوب الأمة العربية والإسلامية، فتكون بالإضافة إلى ما سبق بالتخلص من ربقة الدكتاتورية التي تسبب ويمكن أن تتسبب في مثل تلك الكوارث، وتهيئ لاستقدام الاستعمار الخارجي ويكون تحرير الشعوب بأوبتها إلى الإسلام الحنيف، وإقامة مؤسساتها على الشورى والقيم والأخلاق وإذا أدركنا أن هذا هو المعنى الواسع للحرية، فإننا لا ننشده لشعوبنا العربية والإسلامية وحدها وإنما لكل المضطهدين والمظلومين في الأرض والشعوب المستضعفة المبتلاة بالاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية والتي حيل بينها وبين رسالة الإسلام الموجهة للعالمين.
نأمل أن تكون لنا مع تلك الذكرى وغيرها وقفات تدبر وتأمل نستخلص منها العبر ونستحضر الدروس ونرتب أوضاعنا بما يكفل استقرار الحاضر والتهيئة للمستقبل: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)﴾ (ق: 37).