; أمتي تأبى أن تلين أو تستكين | مجلة المجتمع

العنوان أمتي تأبى أن تلين أو تستكين

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-2000

مشاهدات 63

نشر في العدد 1418

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 19-سبتمبر-2000

ليست فلسطين ولؤلؤتُها الذي هو مهبط الوحي، ومعراج خاتم الأنبياء وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، آخر البنود على أجندة اليهود بني صهيون، ومن يؤازرونهم من الأوروبيين والأمريكيين والمستعربين، وإنما هناك بنود أخرى مكتوبة بالحبر السري الذي ستفك شفرته فيقرؤه العوام والخواص بعد التوقيع على تسليم: القدس والأقصى فلسطين مع لؤلؤتها القدس رسميًا.

ومن أبرز ما يسعون إليه: الذهب الأسود (النفط)، ومياه دجلة والفرات والنيل، وبردي، والعاصي، والليطاني، وغور الأردن، وأكل عرق العاملين والكادحين وبسط السيادة على القارة السمراء (إفريقيا)، والوصول إلى المدينة المنورة لهدم قبر النبي ثأرًا - بزعمهم- لقتلاهم في قريظة، وخيبر، والحصول على تعويضات ضخمة عما فعله بهم على نحو ما يفعلونه مع أوروبا اليوم انتقامًا لقتلاهم في محرقة النازية. كما يزعمون- وسبيلهم في تحقيق ذلك اتخاذ الأصدقاء بدل الأولياء من صناع القرار في هذه الأمة، وتكليفهم تبني سياسة هدم كيان هذه الأمة بعد القضاء على ذوي الإباء، والشمم فيها، أو على الأقل إجهاضهم بتوجيه الضربات إليهم الواحدة تلو الأخرى.

تشهد بذلك بروتوكولاتهم، ومجامعهم ومؤتمراتهم السرية والعلنية، وتصريحات المؤازرين والأصدقاء والموالين، وسلوكياتهم وأعمالهم، وإذا كان الله قد ابتلى أمتي بنفر من أبنائها عقها لسبب أو لآخر فمشى في ركب يهود بني صهيون، فحقق لهم ما عجزوا عن تحقيقه بمدافعهم ودباباتهم ومصفحاتهم وطائراتهم، وبوارجهم، فإنه سبحانه أبقى لها البقية الباقية من أبنائها حملت راية الجهاد بكل صوره وأشكاله في الماضي، وما زالت تحمله وستظل إلى أن يعود الحق السليب إلى أهله وتوضع الأمور في نصابها الصحيح، نذكر من هذه البقية الباقية: كتائب القسام وكتائب الإخوان المسلمين عام ١٩٤٨م، وأطفال الحجارة، وحركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، وما في رحم هذه الأمة من أجندة آخذة في التكوين، وسترى النور عن قريب آجل إن البقية الباقية من أبناء هذه الأمة لن تلين ولن تستكين:

أولًا: لأن لديها التصور الصحيح عن ربها، وعن نفسها، وعن رسالتها، وعن هدفها الأسمى، وعن عاقبتها ومصيرها، وعن الكون المحيط بها، وعن أعدائها، ومكائدهم، وسبيل إحباط هذه المكائد.

ثانيًا: ليقينها أنها مهما بذلت من نفس ومال في سبيل حماية المقدسات والحرمات فإن ذلك قليل وقليل في جنب نعم الله التي تصب عليها صباح مساء وأجلها نعمة الإسلام والإيمان: ﴿بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (الحجرات: 17).

ثالثًا: لحرصها على الاقتداء والتأسي بالربانيين في الأمم الأخرى، وفي هذه الأمة، إذ كان يصيبهم ما يصيبهم فلا يتلونون، ولا يغيرون، بل يظلون ماضين في الطريق إلى نهايتها، ويقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

قال تعالى مبينًا هؤلاء:

﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ (آل عمران: 146).

وكما قال: ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا (الأحزاب: 23).

رابعًا: ليقينها أن أهل الفسق والفجور إلى زوال، وأن العاقبة لأهل الصلاح والتقوى كما قال سبحانه:

﴿فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (الأنعام: 45).

وكما قال: ﴿وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ (الأنبياء: 105).

خامسًا: لخوفها من المسألة بين يدي الله -عز وجل- غدًا عن هذا الميراث الضخم الذي خلفه لها محمد الله وصحبه الكرام، وحافظت عليه أجيال بعد أجيال، ثم كان التفريط أو التضييع، سيسألهم لم فرطتم فيه وضيعتموه؟ وحينئذ لم لم تستخلصوه وتستردوه؟

سادسًا: لثقتها في معية ربها، وعونه وتأييده ونصره عند استيفاء شروط النصر كما قال سبحانه:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ (النحل: 128).

وكما قال: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ (العنكبوت: 69).

سابعًا: الضخامة الثمن الذي يقضيها ربها إياه في الدنيا والآخرة، إذ يقول سبحانه:

﴿وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا (النساء: 74).

وإذ يقول النبي-صلى الله عليه وسلم-: «تضمن الله لمن خرج مجاهدًا في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالمًا من أجر أو غنيمة (متفق عليه).

ثامنًا: لحرصها أن تكون ضمن هذه الزمرة المباركة التي بشر بها رسول الله ﷺ في قوله: ولن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على الحق ظاهرون (متفق عليه).

تاسعًا: لأن دينها يأبى عليها اليأس والقنوط، ويأمرها بالثقة والرجاء والأمل، إذ اليأس والقنوط دأب الكافرين والضالين، والثقة والرجاء والأمل شأن المؤمنين، يقول تعالى:

﴿إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ (يوسف: 87)، (قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ (الحجر: 56).

ألا ليت بني أمي العاقين يعقلون هذه الحقائق، فيتوبون قبل أن تضيع منهم الفرصة ولا ينفع الندم.

وشد الله أزر البررة والأتقياء من بني أمي وأعانهم، وسدد خطاهم وثبتهم على الحق، وثار بهم لكرامة الأمة، وما ذلك على الله بعزيز.

الرابط المختصر :