العنوان العراق بعد ستة أعوام من الاحتلال..
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 04-أبريل-2009
مشاهدات 95
نشر في العدد 1846
نشر في الصفحة 12
السبت 04-أبريل-2009
8 ملايين من اليتامى والمشردين والأرامل واللاجئين
حصاد الإنسانية المر.. في المجتمع العراقي!
ثلاثة ملايين أرملة.. كثيرات منهن يعلن عوائل كبيرة ويمارسن أعمالا تعود عليهن بالقليل من المال
٨٣ ألف أرملة فقط يتسلمن راتب الحماية الاجتماعية البالغ ٥٠ دولارًا.. أي بمعدل ۱۲ دولارًا فقط لكل طفل شهريًا!
«اليونيسيف»: ٥,٧ مليون طفل يتيم حتى عام ٢٠٠٧م.. النسبة الأكبر منهم يعيشون مشردين في الشوارع بلا مأوى
أعداد كبيرة من الأيتام تركوا مدارسهم وباتوا يمارسون أعمالًا شاقة من أجل إعالة عوائلهم
يبدو أن العراق - بفضل «التحرير الأمريكي» المزعوم - سوف يدخل موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية من أكثر من باب!! فبعد أن حصل على المرتبة الأولى في الفساد عالميًا، وحازت العاصمة بغداد لقب المدينة الأسوأ في العالم من حيث انعدام الأمن، وبعد أن تفوق العراق على كل جيرانه في تجارة المخدرات في ظل الاحتلال، وصار الأول في نسبة الأمية بعد أن كان قد قضى عليها نهائيًا قبل ثلاثين عامًا.. ها هو اليوم يحصل على المرتبة الأولى عالميًا في نسبة عدد الأرامل والأيتام!!
بغداد: خاص - المجتمع
حذرت خمس منظمات دولية - في تقارير لها - من ارتفاع نسبة جرائم الطفولة والتشرد، وتفشي الأمراض النفسية في المجتمع العراقي، فيما أكدت منظمة «اليونيسيف» أن حصيلة العنف في العراق بلغت أكثر من خمسة ملايين و۷۰۰ ألف طفل يتيم حتى عام ٢٠٠٧م، نتيجة قتل آبائهم في حوادث التفجيرات والمداهمات المسلحة وسقوط القذائف والاغتيال الطائفي.
وهناك إحصاءات أخرى تقدَّر عدد هؤلاء الأطفال بما لا يقل عن سبعة ملايين يتيم يعيشون في كنف أرامل وثكالى، ومعظمهم يعاني سوء التغذية والأمراض المزمنة، وقسم كبير منهم أصبحوا معاقين، فيما تضم دور الأيتام نسبة قليلة منهم؛ بينما تعيش النسبة الأكبر منهم في الشوارع بلا مأوى!
وقبل فترة قليلة، كشفت «مفوضية النزاهة» عن وجود خمسة ملايين يتيم حسب الإحصاءات الرسمية، ودعت الحكومة والبرلمان ومنظمات المجتمع المدني إلى مواصلة دعم الأطفال اليتامى، ووضع برامج تشريعية ومؤسسية لمساعدة الطفل اليتيم.
برامج التدريب وتأهيل الأيتام التي تقوم بها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لا تكفي، والمِنَح التي تُقدَّم لهم ضمن برنامج شبكة الحماية الاجتماعية غير مؤثرة، ولا تكفي لسد أبسط متطلبات عوائلهم التي تعيش تحت خط الفقر.
الأيتام والأرامل أمام محنة حقيقية، في مواجهة الظروف المعيشية الصعبة جراء ارتفاع أسعار المواد الغذائية والإيجارات، مما دفع الآلاف من هذه العوائل إلى البحث عن وسائل أخرى للعيش؛ كبيع بعض المستلزمات في تقاطعات الطرق، أو التسول أو الهجرة إلى مناطق متدنية الخدمات بهدف التمكن من مسايرة الحياة الاقتصادية الصعبة.
محنة حقيقية
أعداد كبيرة من الأيتام تركوا مدارسهم وباتوا يمارسون أعمالا شاقة من أجل إعالة عوائلهم بعد أن فقدوا معيلهم الوحيد في الحرب، أو جراء أعمال العنف الطائفي التي شهدها العراق بعد الاحتلال الأمريكي.
والمشكلة أن الحكومات المتعاقبة لم تتبنَّ مشروعًا لإعادة تأهيل الأيتام، فظلوا عرضة للظروف الاجتماعية، وربما الانحراف بسبب انخراطهم في مهن وأعمال لا تناسب أعمارهم، أو الالتقاء بأصدقاء السوء الذين يدفعونهم إلى تعاطي المخدرات وحبوب الهلوسة، وغيرها من مظاهر الفساد الأخرى.
هكذا تبدو صورة العراق اليوم كئيبة مكفهرة، حيث مشاهد الأيتام والأرامل، واللاجئين والمعتقلين، وضحايا الحروب والحصار، وأطفال الشوارع.. إنه مجتمع يعيش شظف العيش، تُسرق ثرواته وصروحه الثقافية والأثرية، وتهاجر عقوله وأدمغته المفكّرة، ويُقتل علماؤه، ويُختطف أطباؤه ومثقفوه، وتحكمه قواعد العنف والإرهاب وفرق الموت، بدل سلطة القانون وسيادة العدالة ناهيك عن استفحال ظاهرة الميليشيات والقتل على الهوية، والتعليم المتردي، والأمية المتفشية، والمذهبية والطائفية المستشرية، والانقسامات المجتمعية التي يتم تغذيتها.
لقد وعدت أمريكا وحلفاؤها الشعب العراقي بالديمقراطية والرفاهية منذ اليوم الأول للاحتلال، ولكن الصورة السيئة اتضحت شيئًا فشيئًا.. أخطاء، ودستور طائفي تقسيمي، وحل لمؤسسات الدولة خصوصًا القوات المسلحة، وفقًا لنظرية «الفوضى الخلاّقة».
أطفال الملاجئ
المعلومات المتوافرة عن أطفال الملاجئ تشير إلى أن أغلبيتهم الساحقة فقدوا آباءهم في فترات متقاربة، وفي ظروف العنف والإرهاب بعد الاحتلال والحكومة تتكفل بـ (٤٦٩) ملجأ للأطفال، وهي نسبة تصل إلى 5%.
وقد لجأت الحكومة أخيرًا إلى إغلاق الملاجئ الخاصة بسبب سوء الأداء والصعوبات التي تواجهها، وزاد هذا الأمر من تعقيدات الحالة القائمة في المؤسسات الحكومية في ظروف الإهمال والتقصير وغياب الرعاية الصحية والاجتماعية، ناهيك عن الفساد الإداري والمالي.
«المفوضية العليا للاجئين» أعلنت عن وجود أكثر من أربعة ملايين لاجئ عراقي، أغلبيتهم الساحقة في سورية والأردن «ما يزيد على مليونين»، وأن هناك نازحين داخل البلاد بما يقارب هذا الرقم، رغم ما قيل عن تحسن الوضع الأمني. وهناك «عودة معاكسة» للاجئين العراقيين إلى الوطن، وأعداد اللاجئين الذين عادوا- كما كشفت عنه مصادر «المفوضية العليا للاجئين»، و«اللجنة الدولية للصليب الأحمر» - لم تصل نسبتها إلى 1%، بسبب القوانين الصارمة لدول الجوار بخصوص سمات الدخول والإقامة ونفاد مدخرات الأغلبية الساحقة منهم.
معاناة الأرامل
أكدت دراسة أجرتها الأمم المتحدة ومراكز أبحاث أخرى أن عدد الأرامل في العراق قد بلغ ثلاثة ملايين امرأة، كثيرات منهن يعلنَ عوائل كبيرة ويمارسن أعمالًا تدر عليهن بعض المال البسيط، تاركات أطفالهن دون رعاية، وبالتالي يُصبحن عرضة للاختلاط مع غير الأسوياء!
وقد تضاعف عدد الأرامل في العراق بعد عام ٢٠٠٣م، وظهورهن في شوارع المدينة من أجل التسول لسد الأفواه الجائعة أصبح رمزًا مثيرًا للغضب بسبب تقاعس حكومات الاحتلال وفشل البرلمان ومنظمات المجتمع المدني في تقديم أية معونة لسد حاجاتهن المعيشية.
وزارة المرأة بحثت مشكلة الأرامل العراقيات وتم تشكيل دائرة خاصة بهن في الوزارة، لكن الوزيرة نوال السامرائي - عن جبهة التوافق السنية - أكدت أن هذا المشروع حبر على ورق، وقدمت استقالتها من الوزارة لأسباب تتعلق بآلية التعاطي مع هذه المعاناة الضخمة للأرامل.
والبرلمانيات في مجلس النواب العراقي لم ينجحن في جمع أصوات أعضاء البرلمان لسن قانون يساعد الأرامل، ويوفر لهن سبل العيش الكريم، رغم أن أرامل الحرب يتجمعن حول نقاط التفتيش ويتسولن بين السيارات والمارة، كما ينتظمن في طوابير خارج الجوامع انتظارًا لصدقات المحسنين، ويعيش البعض منهن مع أطفالهن في الساحات العامة أو في العراء.
الحكومة العراقية أقامت لجنة لدراسة المشكلة، وبدأت حملة لإلقاء القبض على المتسولات اللواتي لا يملكن مكانا للعيش فيه ومنهن أرامل الحرب، ولكن الأرامل قلن: إننا نحتاج إلى الرعاية والاهتمام من الدولة وليس العقاب!
أظهرت دراسة أجرتها مؤخرًا وزارة التخطيط، أن أكثر من نصف الأرامل في العراق فقدن أزواجهن بعد أبريل ۲۰۰۳م، وأن غالبيتهن مسؤولات عن إعالة طفل واحد إلى ثلاثة أطفال. وذكرت الدراسة أن المستوى التعليمي للنساء الأرامل يتباين بين الابتدائي والمتوسط والجامعي، وأن عدد الأرامل اللواتي يحملن الشهادات العليا ضئيل جدًا.
١٢ دولارًا.. شهريًا!
ويوجد في العراق الآن ٨٣ ألف أرملة فقط يتسلمن راتب الحماية الاجتماعية البالغ ٦٥ ألف دينار فقط، أي ما يقارب ٥٠ دولارًا بمعدل ۱۲ دولارًا لكل طفل شهريًا، لا يسد احتياجاتهن الغذائية فقط!!
ولكي تحصل بعض الأرامل على معونة، فيجب أن يكون لديهن ارتباط سياسي مع الجهات المسؤولة النافذة، أو يوافقن على «الزواج المؤقت» من مسؤولين نافذين يسيطرون على توزيع الأموال الحكومية، وهذه عقوبة ثانية لهن كما يقول بعضهن!!
إن عراق ما بعد الاحتلال لا توجد فيه أية قوانين دستورية ولا أسرية ولا حتى آلية سياسية لحماية المرأة الأرملة وتأمين حقوقها أو تمويلها بخدمات اجتماعية لها ولأطفالها اليتامى.