العنوان مؤامرة دولية لإقامة فاتيكان أرثوذكسي في إسطنبول
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1994
مشاهدات 97
نشر في العدد 1102
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 07-يونيو-1994
·
قمة
أرثوذكسية لتوحيد الكنائس الأرثوذكسية تحت لواء كنيسة الفنار بإسطنبول
·
الولايات
المتحدة وكندا وأستراليا يوقعون على مذكرة رسمية إلى الحكومة التركية لإعادة آيا
صوفيا كنيسة وإقامة فاتيكان أرثوذكسي
·
اليونان
تعترض على مناقشة مجلس الشعب التركي لاقتراح بإعادة افتتاح آيا صوفيا مسجدًا
أكثر ما يتخوف المرء منه حاليًا أنه في اللحظة
التي يعلو فيها صوت الأذان من على مآذن مسجد آيا صوفيا الأربع بإسطنبول من جديد،
بعد انقطاع ما يقرب من 60 عامًا بسبب إغلاق الجامع وتحويله متحفًا لإرضاء الغرب
الصليبي بعد إقامة العبادة فيه 481 سنة، أن يسمع قرع أجراس بطريركية فنار الروم
الأرثوذكس بإسطنبول إيذانًا بإعلان تحويلها إلى فاتيكان أرثوذكسي وإقامة دولة
أرثوذكسية مستقلة في قلب مدينة إسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية والتي تضم 10
ملايين مسلم وعدة آلاف من النصارى، وهي الخطوة الأولى نحو تحقيق الحلم الصليبي
الذي يتم توريثه للأجيال الصليبية باستعادة إسطنبول مرة أخرى من المسلمين والتي ما
زالت تشكل جرحًا غائرًا في الوجدان الصليبي حيث إنها كانت عاصمة دولتهم البيزنطية
تحت اسم القسطنطينية.
وإذا كانت السرية هي إحدى الصفات الملازمة
للمؤامرة إلا أنها هذه المرة ليست كذلك، وربما يرجع السبب إلى محاولة الإمعان في
إذلال المسلمين في زمن غثاء السيل الذي نعيشه حاليًا، وإن كان فوز حزب الرفاه
الإسلامي في الانتخابات المحلية التي أجريت في 27 مارس آذار الماضي بتركيا خاصة في
مدينة إسطنبول قد أجل تحقيق الحلم الصليبي لبعض الوقت حيث أبلغت تانسو تشيللر
رئيسة الوزراء التركية بيل كلينتون الرئيس الأمريكي أثناء مباحثاتهما غير الرسمية
صعوبة تحقيق الطلب الأمريكي بإعطاء شخصية الدولة المستقلة في الوقت الحالي
لبطريركية فنار الروم، خاصة بعد النتائج التي أعطتها الانتخابات المحلية لصالح
الرفاه، وذلك الكلام على ذمة سردار تورغوت مراسل صحيفة «حريت» كبرى الصحف التركية
والمنشور يوم 24 ابريل 1994م والمراسل علماني والصحيفة يملكها اليهود أيضًا.
وكذلك أنقذ مسجد «آيا صوفيا» من إعادة تحويله
إلى كنيسة مرة أخرى كما كان يطالب الغرب بذلك وضمه إلى الفاتيكان الأرثوذكسي حيث
تتجه الحكومة حاليًا لإعادة فتحه للعبادة لتفويت الفرصة على تنامي شعبية حزب
الرفاه الذي يضع ذلك على رأس جدول أعماله ودعايته، وكذلك لامتصاص النقمة الشعبية
في حالة الرضوخ للضغوط الغربية وإعطاء بطريركية الفنار شخصية الدولة المستقلة
وإقامة الفاتيكان الأرثوذكسي في إسطنبول.
المؤامرة من أفواه أصحابها
وحتى تخرج «المجتمع» من دائرة اتهام
العلمانيين للإسلاميين بأنهم ينتهجون منهج التفسير التآمري عند تقييمهم للأحداث:
فسنعتمد على التقاط تفاصيل المؤامرة من أفواه أصحابها وكتاباتهم وهو ما سيتضح عبر
رصد المواقف وتطورات الأحداث حول الفنار وآيا صوفيا.
وتعتبر بطريركية فنار الروم أحد أضلاع المثلث
التآمري حيث يتم العمل على قدم وساق لتحويلها إلى فاتيكان أرثوذكسي رغم تعارض ذلك
مع أحكام معاهدة لوزان والتي نصت على بقائها ككنيسة للروم الأرثوذكس وتعميرها فقط
دون غيرها من الكنائس الأخرى علاوة على عدم إقامة كنائس جديدة أو تعمير المهدم
منها ورغم ذلك تم تعمير مئات الكنائس وليس الفنار فقط تحت ستار المحافظة على
الأماكن السياحية.
جدير بالذكر أن بطريركية الفنار شاركت الجيش
اليوناني في عدوانه على تركيا عام 1918م حيث أرسلت متطوعين بلغ عددهم خمسة آلاف
بأسلحتهم لدعم هذا الجيش في الوقت الذي انشق فيه 72 راهبًا أرثوذكسيًا على أسقف
الكنيسة بسبب موقفه وشاركوا في (المقاومة الوطنية)!
وعند احتلال إسطنبول في 16 مارس 1920م رفعت
بطريركية الفنار الأعلام البيزنطية ابتهاجًا.
ويعتبر الأسقف ديمتري بارتيليميوس أسقف
بطريركية كنيسة الفنار هو الأكثر نشاطًا لتحقيق الحلم الأرثوذكسي حيث يقود تحركًا
يعتمد محورين: الأول خارجي يستهدف من خلاله توحيد أرثوذكس العالم واستثارة المشاعر
الدينية لدى زعماء الدول الأرثوذكسية لممارسة الضغوط الدولية على تركيا. والثاني
القيام بشراء مساحات من الأراضي المجاورة للبطريركية والمطالبة باستعادة جامع آيا
صوفيا وتحويله كنيسة.
ففي تقرير اللجنة البرلمانية المشكلة من 9
أعضاء من مجلس الشعب التركي عن أحزاب الطريق القويم والاجتماعي الشعبي والوطني
الأم والرفاه إشارة واضحة إلى عملية الشراء حيث قامت البطريركية بشراء 4 آلاف متر
دفعت فيها مبالغ كبيرة لا تتناسب مع تلك المساحة كما استولت على 600 متر من أراضي
البلدية بشكل غير قانوني وتم إرسال نسخة من التقرير إلى كل من رئيس الجمهورية
ورئيسة الوزراء ووزراء الخارجية والداخلية والتعمير والثقافة. بينما أكد أرجون
جوزده الكاتب الصحفي أنه تم شراء 19 منزلًا من المنازل المحيطة بالكنيسة وتم ربطها
بوقف الكنيسة وتبلغ مساحتها 4920 مترًا وذلك بهدف توسيع مساحة الكنيسة قبل إعلان
الدولة الأرثوذكسية.
أعلن ذلك في مؤتمر وقف الوحدة يوم 17/4/1994م
وكان عنوانه «البطريركية والاتفاق الأرثوذكسي»، والذي عقد في إسطنبول لمناقشة
المخطط السري لإقامة دولة أرثوذكسية.
ويحذر الكاتب الصحفي مصطفى نجاتي أوزفاتورة في
مقاله المنشور في صحيفة تركيا يوم 8/3/1994م والذي كان عنوانه الاستعداد لتحويل
مسجد آيا صوفيا إلى كنيسة من أن البطريركية تخطط وتقوم بالفعل بشراء 500 ألف متر
مربع على أطراف آيا صوفيا وبجوار البطريركية وذلك في سرية تامة لتكون أساس الدولة
الأرثوذكسية ويشير إلى ارتباط بعض رجال الأعمال الأتراك بتلك العملية، مذكرًا في
مقاله إلى أنه لم يكن لليهود دولة في فلسطين في العصر العثماني إلا أنه بعد
الاحتلال البريطاني اشترى اليهود أراضي أصبحت أساسًا للكيان الصهيوني. وقال أوزفاتورة
في مقاله التحذيري إن أراضي الدولة الدينية للروم الأرثوذكسية ستكون المنطقة
التاريخية فيما بين أسوار إسطنبول التي يرقد تحت ثراها السلاطين العثمانيون وآلاف
الشهداء والعلماء والأولياء. وتضم آيا صوفيا والمقدسات الأخرى والأراضي التي في
أيدي المسلمين ويسلمون بقدسيتها وهو ما يعني اعتداء على حرمات الأمة.
وتعتمد بطريركية الفنار سياسة «الخطوة خطوة»
في عملية الشراء حتى تصل إلى آيا صوفيا، خاصة وأن المساحة ليست مهمة لإعلان
الدولة، فكل دولة تحتاج إلى أرض وسكان ولدى البطريركية حاليًا الأرض وألفان من
الروم الأرثوذكس معظمهم من العجائز بعد أن كان عددهم عام 1950م مئات الآلاف هاجر
معظمهم إلى الولايات المتحدة ويخدم هذا العدد 46 مدرسة حيث تضم كل مدرسة أفرادًا
يعدون على أصابع اليد الواحدة من التلاميذ، فإذا كانت موناكو دولة رسمية وعدد
سكانها 1000 نسمة فإن الأمر ليس صعبًا بالنسبة للبطريركية.
القمة الأرثوذكسية
وفي إطار تحقيق ذلك الحلم عقد في كنيسة الفنار
في الفترة من 7 - 9 فبراير 1993م قمة أرثوذكسية تستهدف توحيد الكنائس الأرثوذكسية
في العالم تحت لواء كنيسة الفنار ودعم التحركات السياسية لروسيا التي تستهدف إقامة
المحور الأرثوذكسي الجديد كبديل لحلف وارسو ليصبح من قوى النظام العالمي الجديد
وهو الأمر الذي باركه الأسقف بارتيليموس أثناء زيارته لموسكو في تموز الماضي.
شارك في تلك القمة جوهانز ياكوفارس كبير
أساقفة الولايات المتحدة وكندا وسراقييم رئيس أساقفة اليونان وبارثاينوس بطريرك
الإسكندرية واتفقوا على تحقيق وحدة الكنائس الأرثوذكسية وتشكيل قوة ضغط سياسية
وعسكرية قادرة على حماية الأرثوذكس في العالم ومحاصرة الصحوة الإسلامية.
وتم عزل 3 قساوسة من المتمردين على سلطة كنيسة
الفنار وهم من بطريركية القدس وتهديد ديدوروس أسقف القدس بعزله كنسيًا لمحاولاته
الانفصال عن كنيسة الفنار والتحرك المنفرد ومحاولة منافسة بطريرك الفنار الأب
الروحي للأرثوذكس.
وأعلن سلجوق أرانه رول من البطريركية
الأرثوذكسية التركية في تصريحات صحفية أن هدف القساوسة الروم من تلك القمة محاولة
إظهار القوة وتوحيد جهودهم لاستعادة آيا صوفيا وتحويله إلى كنيسة والقيام بشراء
المناطق المحيطة بآيا صوفيا وكنيسة الفنار وإعادة افتتاح مدرسة الرهبان التي كان
يعيش فيها القساوسة في هايباليادة قبل 400 سنة وقرع أجراس آيا صوفيا 500 مرة عند
استعادته. وطالب سلجوق الحكومة التركية بمساءلة 5 مطارنة شاركوا في القمة وهم
مطارنة أنقرة، طرابزون، نيغدا، قيصري، ماتشكه، وذلك لعدم وجود روم أرثوذكس في
مناطقهم.
ولم يخف جوهانز ياكوفارس كبير أساقفة الولايات
المتحدة وكندا أهداف القمة حيث قال: إذا قامت الكنيسة بواجبها سيتأسس تحالف قوي
للأرثوذكس خلال 3 سنوات وسيضم الأرثوذكس الأرمن والجورجيين والرومان والصرب
والأوكرانيين والألبان واليونانيين. وقال حول الضغوط اليونانية على بطريرك القدس:
إنها تأتي في إطار رفضها لفكرة انتقال مركز الأرثوذكس الروحي إلى القدس لأنه يعني
التنازل عن ميراثها السياسي في إسطنبول.
ويؤكد الكاتب الصحفي أي تونش الطيند وذلك في
ندوة البطريركية والتحالف الأرثوذكس التي عقدت برعاية وقف الوحدة بشعبة إسطنبول
يوم 17/4/1994م على أن الإعلان الصادر عن القمة الأرثوذكسية المشار إليها لم يتضمن
متنه التركي توصيفًا لأسقف الفنار كرئيس دولة إلا أنه وجد تعبيرًا مساويًا لرئيس
الدولة في المتن الإنجليزي.
وفي رمضان الماضي عقد في إسطنبول مؤتمر تحت
اسم «السماحة والسلام» برعاية الشؤون الدينية التركية وحضر البطريرك بارثولوميس
بصفته الزعيم الروحي لأكثر من ألفين من رجال الدين الروم الأرثوذكس، ووقع باسم 260
مليون أرثوذكسي في ألفي مكان على بيان المؤتمر، وبذلك يكون قد انتهك رسميًا معاهدة
لوزان على حد وصف مصطفى نجاتي أوزفاتورة في المقال الذي أشرنا إليه سابقًا.
التحرك الدولي
كانت الولايات المتحدة وكندا وأستراليا قد
وقعوا على مذكرة رسمية- تحت ضغوط أسقف الفنار قدمت إلى الحكومة التركية في العام
الماضي ولم تنفِ أنقرة رسميًا- ذلك يطالبونها فيها بتحقيق الطلب الأرثوذكسي الخاص
بإعادة آيا صوفيا والمناطق المحيطة به وإقامة فاتيكان أرثوذكسي. كما أرسلت الحكومة
اليونانية يوم 8 تموز (يوليو) 1993م مذكرة للحكومة التركية تطالب فيها بترميم آيا
صوفيا التي وصفتها المذكرة بالمهملة وعرضت استعدادها للقيام بتحمل كافة النفقات.
وأثناء زيارة بوريس يلتسين الرئيس الروسي
لليونان العام الماضي تم توقيع معاهدة من 12 مادة ولم يتم توضيح ماهية المعاهدة
إلا أن سلجوق أرانه رول وكيل بطريرك الأتراك الأرثوذكسي أشار إلى أن المادة
العاشرة مرتبطة بإقامة الفاتيكان الثاني في إسطنبول وطبقًا لهذه المادة ستكون آيا
صوفيا مركزًا لدولة الروم الأرثوذكس في إطار المشروع الأرثوذكسي بإقامة دولة داخل
الدولة في إسطنبول. وحضر أسقف كنيسة الفنار اجتماعات المجلس الأوروبي في
20/4/1994م ليس بصفته رجل دين ولكن كبطريرك للعالم الأرثوذكسي بصفة رئيس دولة وإن
كان دميتري بارتيليميوس أسقف بطريركية الفنار والذي كان قد زار صربيا مرتين قد نفى
في تصريحات بمطار إسطنبول يوم 18/4/1994م قبل سفره إلى ستراسبورج أنه سيحضر
المؤتمر كرئيس دولة وقال إن هذه الأنباء عارية عن الصحة وأنه سيحضر كرجل دين،
مؤكدًا أنه يعمل في إطار احترامه للدستور التركي إلا أن المعلومات الأولية تشير
إلى أنه تم مناقشة موضوع إقامة الفاتيكان الأرثوذكسي وسرعة تحقيق ذلك خاصة وأن
الظروف الدولية مواتية حاليًا، ووعدته ألمانيا واليونان بأنه سيكون أحد شروط دخول
تركيا الاتحاد الأوروبي الموافقة على ذلك وأنقرة لم تبدِ رفضًا حتى الآن وإن كانت
تؤجل التنفيذ لظروفها الداخلية.
الضغوط الأمريكية
والرئيس الأمريكي بيل كلينتون لم يُخفِ موقفه
من تلك المؤامرة بل أكد ضلوعه فيها ففي حديثه أمام اللوبي اليوناني أثناء حملته
الانتخابية في العام الماضي قال إنه يجب بذل جهود خاصة من أجل حرية أداء كنيسة
الفنار لرسالتها.
وفي الرسالة التي بعث بها كلينتون للسيدة
تانسو تشيللر قبل الانتخابات المحلية بعدة أيام والتي أجريت في 11 مارس الماضي
وكانت تتضمن 5 صفحات تناولت إحدى فقرات الموضوع حيث قال إنه يأمل أن تتعاون تركيا
وتبدي حسن نيتها في موضوع كنيسة الفنار وضرورة تحويلها إلى فاتيكان.
وفي مقالة له تحت عنوان «كلينتون.. ماذا أخذ
وماذا أعطى لتشيللر؟» كتب علي رضا قره دور في صحيفة صباح يوم 19/4/1994م (علماني)
قائلًا: إن كلينتون طالبها بإعطاء شخصية الدولة لبطريركية الفنار مثل الفاتيكان
حيث إنه يجب على حكومتكم اتخاذ بعض الخطوات الرمزية لتضييق الفجوة في العلاقات مع
اليونان ولتكن خطوة الاعتراف بشخصية مستقلة للفنار إحدى تلك الخطوات. إلا أن
السيدة تانسو تشيللر وفقًا لجريدة حريت 24/4/1994م أكدت لكلينتون صعوبة تحقيق هذا
الطلب الحساس خاصة بعد نتائج الانتخابات المحلية وذلك دون أن ترفض ذلك الطلب
الخطير.
مؤامرة الفنار في ألبانيا
ولا يقتصر نشاط بطريركية الفنار على التآمر
على تركيا فقط بل تمتد مخالبها إلى مناطق إسلامية أخرى ففي يونيو الماضي 1993م
أرسلت كنيسة الفنار قسيسًا يونانيًا إلى ألبانيا حيث قام بتوزيع خرائط على سكان
جنوب ألبانيا التي يقطنها أقلية يونانية أرثوذكسية، وتشير الخرائط إلى أن هذه
المنطقة جزء من الأراضي اليونانية مما أدى إلى قيام ألبانيا بطرد القسيس اليوناني
مما أثار توترًا سياسيًا بين البلدين قامت أثينا على أثره بطرد أكثر من عشرة آلاف
ألباني في 3 أيام فقط.
إعادة آيا صوفيا للعبادة
وفي مواجهة تلك الضغوط قررت الحكومة تحريك
مشروع اقتراح للمناقشة كان قد تقدم به أرتكين دوروتورك نائب الطريق القويم عن
أسبرطة والقريب من جماعة يني نسل النورسية الإسلامية منذ سنتين لإعادة فتح آيا
صوفيا للعبادة من جديد، وكذلك قراءة القرآن لمدة 24 ساعة يوميًا في غرفة الأمانات
المقدسة في قصر طوب قابي. حيث وافق 153 نائبًا في مواجهة رفض 86 على وضع الاقتراح
على جدول المناقشة في مجلس الشعب، وهو الأمر الذي أدى إلى أزمة حكومية حيث يرفض
الحزب الاجتماعي الشريك الأصغر في الحكومة مناقشة ذلك ووصف زعماء الحزب هذا التحرك
بأنه يدخل في إطار الفعاليات المعارضة للعلمانية وأنهم سيخرجون لمواجهتها.
وقال وزراء الاجتماعي لتشيللر أثناء اجتماع
مجلس الوزراء إن مناقشة ذلك الاقتراح سيسبب مشاكل عند ذهابك إلى الولايات المتحدة.
وقال رئيس المجموعة البرلمانية للطريق القويم طوران طابان إن إخواننا في الحزب
وضعونا في موقف اضطرار، بينما قال أسعد قيراط أوغلي أمين التنظيم في الطريق القويم
إنه سيتم بحث الموضوع ثانية في الحزب وذلك في محاولة لامتصاص غضب الاجتماعي. بينما
دعم نواب الرفاه والوطن الأم الاقتراح، وقال دوروتورك في كلمته أمام مجلس الشعب
التركي: إن إعادة فتح آيا صوفيا للعبادة لن تبعث السرور فقط في العالم الإسلامي بل
وفي العالم الصليبي أيضًا.
ويؤكد ألطان سونجورلو وزير العدل التركي
السابق أن وضع آيا صوفيا الحالي لا يستند إلى أي قانون، ووصف القرار الخاص بذلك
بأنه سياسي. وجدير بالذكر أن قرار مجلس الوزراء التركي الصادر في 24 أكتوبر 1934م
لا ينص على تحويل المسجد إلى متحف ولكنه اعتبره رمزًا وليس في القرار سلطة تحويله
إلى متحف خاصة وأن الدستور آنذاك لم يوضح وظائف مجلس الوزراء.
وكان الإمبراطور البيزنطي قسطنطين قد أقام آيا
صوفيا كنيسة عام 532م حتى اشتراها السلطان محمد الفاتح بماله الخاص وأوقفها كمسجد
للمسلمين اعتبارًا من 1453م وظلت تقام فيه الصلاة حتى 24 أكتوبر 1934م بل استمر
آيا صوفيا كمسجد زمن الاحتلال والذي انتهى عام 1934م.
وعندما أحضر عصمت إينونو خليفة كمال أتاتورك
خبراء لترميم آيا صوفيا حيث تم ذلك تحت رعاية المديرية العامة للأوقاف تم تحويل
مظهر المسجد إلى مظهر الكنيسة ثانية.
وظل الأمر هكذا حتى يوم 5/8/1980م عندما تم
إعادة فتح مسجد عبدالمجيد للعبادة وهو ملاصق لآيا صوفيا في ذكرى ليلة القدر فتم
إعلان الأذان من على مآذن آيا صوفيا الأربع وهو الأمر الذي أبرزته الصحف واستقبله
الشعب بترحاب كبير إلا أن العبادة في هونكر محفلي بمسجد عبدالمجيد توقفت ثانية في
12/9/1980م وأعيدت مرة أخرى أثناء حكم تورغوت أوزال.
رد الفعل اليوناني
وأبدى المسؤولون اليونانيون ردود فعل معارضة
لمناقشة اقتراح إعادة آيا صوفيا للعبادة من جديد مما يؤكد أن آيا صوفيا هي هدفهم
الرئيسي وليس إقامة فاتيكان أرثوذكسي في كنيسة الفنار فقط، فقال الوزير ستاليوس
بابا تاماليس: إن آيا صوفيا تعود إلى العالم الأرثوذكسي ويجب على تركيا تسليمها
لبطريركية الفنار منبهًا الغرب المسيحي بضرورة الاستيقاظ وألّا يسمح ببقاء آيا
صوفيا وكنيسة الفنار داخل دولة تكن العداء لدين غيرها.
وأبدى يانيس حاجي فوتيس المتحدث باسم الكنائس
اليونانية عدم ارتياحه من مناقشة ذلك داخل مجلس الشعب التركي مشيرًا إلى أن
استخدام آيا صوفيا كمتحف يحقق إمكانية أن يظل ذلك الأثر محل المتابعة والاهتمام،
وأن انفجار التعصب والعداء الموجه للأديان الأخرى في تركيا لن يساعد على خلق
الأجواء المناسبة لتطوير العلاقات التركية اليونانية.
ووصف أفانجبليوس فانيزيليوس المتحدث باسم
الحكومة اليونانية الخطوة التركية بأنها تتعارض مع محاولات تركيا لإثبات صلتها
بالثقافة الأوروبية.
وأعلن سرقييم أسقف كنيسة أثينا بأنه سيرسل
خطابات إلى زعماء الدول الأرثوذكسية وللمنظمات الكنسية العالمية وللأمم المتحدة
يشكو فيها التحركات التركية لإعادة آيا صوفيا للعبادة الإسلامية مؤكدًا بأنها مركز
الأرثوذكسية.
وهذه العينة من التصريحات وفق القوانين
المتعارف عليها تعتبر تدخلًا في الشؤون الداخلية التركية أولًا، وتأكيدًا لما
ذهبنا إليه من أن المؤامرة الأرثوذكسية تستهدف آيا صوفيا ثانيًا لتكون الضلع
الثاني في الحلم الأرثوذكسي الذي سيقام على قاعدة إسطنبول حيث لا تخفى منظمة
«الشفق الذهبي» العنصرية اليونانية حلمها بعودة إسطنبول فورًا إلى اليونان
باعتبارها كانت عاصمة للإمبراطورية البيزنطية وأنها أرض يونانية ويطلقون عليها اسم
القسطنطينية. ويعتقد العديد من الكتاب والمفكرين الأتراك من ذوي الاتجاه الإسلامي
وعلى رأسهم مصطفى نجاتي أوز فاتورة أن الحملة الصليبية الخامسة عشرة ضد العالم
التركي والإسلامي قد بدأت حيث تحالف الاتحاد الأوروبي مع روسيا والولايات المتحدة
ومع اتحاد الكنائس المسيحية وتستهدف تلك الحملة محو الوجود الإسلامي وكافة الآثار
العثمانية في البلقان باستخدام اليونانيين والصرب والكروات، وكذلك إخضاع شمال
وجنوب القوقاز من جديد لسيطرة روسيا الاتحادية التي تتلقى الأوامر من الغرب وتقتل
المسلمين في القوقاز، وأيضًا لجورجيا وأرمينيا، والهدف الثالث هو إقامة دولة
أرثوذكسية على غرار الفاتيكان في إسطنبول تضم بطريركية فنار الروم والمناطق
البيزنطية داخل أسوار إسطنبول وعلى رأسها آيا صوفيا.
يتم كل ذلك وبشكل علني سواء في تصريحات الساسة أو في مذكراتهم أو بالنشر على صفحات الصحف والعالم الإسلامي يغط في سبات عميق وماذا يستطيع أن يفعل والبوسنة تذبح أمام أعين زعمائه؟ وفلسطين ما زالت تئن تحت نير الاحتلال الصهيوني، والمسلمون يذبحون في كشمير وطاجيكستان وأذربيجان وفي غيرها، فهل يمكن أن يكون هناك أمل في تحركهم لإنقاذ عاصمة الخلافة العثمانية من المؤامرة الصليبية الجديدة في ظل هذه الأوضاع المزرية؟ بالطبع الأمل موجود في ظل الصحوة الإسلامية الحالية سواء في تركيا أو في العالم الإسلامي وهو ما تفطنت إليه الحكومة التركية، ولذلك ما زالت تقاوم خشية أن يؤدي أي تنازل من جانبها إلى التهاب المشاعر الدينية وسقوط النظام العلماني خاصة في ظل نجاح حزب الرفاه الإسلامي والذي يضع إعادة فتح آيا صوفيا للعبادة في مقدمة أولوياته.