العنوان انفجار القدس حلقة في سلسلة إستراتيجية جديدة: حركة «حماس» تواصل حرب الاستنزاف ضد الكيان الصهيوني
الكاتب ربيع حسين
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1995
مشاهدات 105
نشر في العدد 1164
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 29-أغسطس-1995
•استمرار الهجمات تذكير لأنصار التسوية أن لا جدوى من دفن الرؤوس في الرمال
•كتائب القسام: حكومة الصهاينة ستدفع ثمن الحرب الشاملة التي أعلنتها على الإسلام والمسلمين
القدس المحتلة: (*)
دوى انفجار هائل في الساعة السابعة وخمس وخمسين دقيقة من صباح يوم الإثنين قبل الماضي في حي رامات أشكول الاستيطاني الإسرائيلي شمال مدينة القدس، فيما تناثرت أشلاء القتلى والجرحى، وحطام حافلتين إسرائيليتين في الحي الذي أقامته إسرائيل، عقب احتلال الشطر الشرقي من مدينة القدس عام١٩٦٧م.
وحسب الإحصائية التي أعلنها الإسرائيليون فإن ما بين خمسة وستة إسرائيليين قتلوا في الانفجار فيما جرح نحو ۱۰۳ إسرائيليين آخرين بينهم ۲۰ وصفت حالتهم بأنها تتراوح ما بين خطيرة جدًّا وخطيرة
وقال قائد الشرطة الإسرائيلية في القدس يئير عميت: إن مقاتلًا فلسطينيًّا، كما يبدو فجر شحنة ناسفة داخل الحافلة رقم (1٢٦٠)، التابع لشركة إيغد الإسرائيلية، بينما كانت حافلة أخرى تمر قربها في نفس الوقت، مما أدى إلى تدمير الحافلتين الإسرائيليتين واحتراقهما.
وحسب الشرطة الإسرائيلية التي تتحكم في المعلومات في مثل هذه الحالات، فإن بين الجرحى ۱۱ شرطيًّا وشرطيةً أصيبوا، بينما كانوا يستقلون إحدى الحافلتين اللتين استهدفهما الانفجار في طريقهم إلى مقر القيادة القطرية للشرطة الإسرائيلية الذي يبعد بضع مئات من الأمتار عن موقع الانفجار في حي الشيخ جراح إلى الشمال من مدينة القدس المحتلة، وتقول الشرطة الإسرائيلية: «إن القنبلة «الشحنة» التي استخدمت في عملية الهجوم تتكون من مادة شديدة الانفجار يبلغ وزنها ما بين 4 إلى ٦ كيلو جرامات»
وحسب المصادر الإسرائيلية فإن القنبلة التي انفجرت في باص رقم ٢٦ في القدس كانت مركبة من ماسورتين تم حشوهما بمواد شديدة الانفجار «تي – إن- تي»، ومسامير وصواعق تفجير كهربائية، وأنه جرى تشغيل جهاز التفجير يدويًّا من قبل المقاتل الذي حمل القنبلة.
تقديرات إسرائيلية
بعد ساعات من الانفجار أعربت مصادر الاستخبارات الإسرائيلية عن اعتقادها أن المهندس يحيى عياش الذي يقول الإسرائيليون: إنه مسؤول عمليات التفجير في حركة المقاومة الإسلامية «حماس» يقف وراء تخطيط وتدبير الهجوم الانتحاري، وقالت المصادر الإسرائيلية: «إن بصمات المهندس عياش تظهر بوضوح في الهجوم، مشيرةً إلى أن التحقيقات التي جرت دلت على أن الهجوم نفذ بأسلوب مشابه لعملية تفجير انتحارية كانت استهدفت حافلة للركاب الإسرائيليين في ٢٤ يوليو «تموز» الماضي في «رامات غان» بضواحي تل أبيب، وأسفرت عن مقتل 6 إسرائيليين وجرح ۳۱ آخرين».
وتعتقد الشرطة الإسرائيلية أن المقاتل الذي نفذ الهجوم ربما قدم من الضفة الغربية. وأنه تلقى مساعدة من أكثر من شخص في تركيب القنبلة وفي الوصول إلى القدس، وحسب التقديرات الإسرائيلية فإن المقاتل صعد إلى الباص من منطقة محطة الباصات المركزية في الشطر الغربي من المدينة قبل عدة محطات من المكان الذي فجر فيه القنبلة.
وكان مجهول اتصل بعد بضع دقائق من وقوع الهجوم صباح أمس براديو إسرائيل معلنًا أن «تلاميذ المهندس يحيى عياش» إحدى مجموعات عز الدين القسام الذراع العسكري الحركة حماس، هي المسؤولة عن الهجوم.
ويتصدر يحيى عياش - الذي نجح خلال السنوات الثلاث الماضية في الإفلات من محاولات الإسرائيليين المستميتة للقبض عليه أو قتله – قائمة أخطر المطلوبين لقوات الاحتلال الإسرائيلي.
وتتهم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عياش بالوقوف وراء مجموعة انفجارات أسفرت عن مقتل عشرات الإسرائيليين، وجرح مئات آخرين منذ مجزرة المصلين في المسجد الإبراهيمي في الخليل في فبراير شباط ١٩٩٤م والتي راح ضحيتها نحو ٣٠ فلسطينيًّا برصاص متطرف يهودي.
في أعقاب هذه الهجمات التي يقول المراقبون الإسرائيليون: إنها شكلت تحولًا نوعيًّا في أساليب المقاومة الفلسطينية وتأثيرها، تحول عياش- وهو فلسطيني من قرية رافات شمال الضفة الغربية، أنهى دراسته الجامعية في الهندسة في جامعة بيرزيت - إلى ما يشبه الأسطورة الخرافية، وفي نظر الفلسطينيين ارتفع عياش إلى مرتبة الأولياء، فيما يثير اسم المهندس ولقبه الذعر والفزع بين الإسرائيليين باعتباره صانع القنابل التي أودى انفجارها بحياة العشرات منهم.
إعلان مسؤولية....
على الصعيد ذاته قالت الإذاعة الإسرائيلية: إن مجهولًا قال: إنه يتكلم باسم مجموعات عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» أعلن مسؤولية المجموعات الفلسطينية عن الهجوم. وقال: إن الهجوم جاء في ذكرى حرق المسجد الأقصى، وردًا على محاولات الإسرائيليين اقتحام المسجد وتدنيسه، وقال المجهول في الاتصال الذي بثت الإذاعة العبرية نصه: «إن كتائب عز الدين القسام- وحتى الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية - أعدت حملة تأديب لحزب العمل وحكومة العمل، وذلك لأن رئيس الوزراء إسحاق رابين أعلن حربًا شاملة على حركة المقاومة الإسلامية «حماس، وعليه أن يتحمل مسؤولية ذلك».
وفي وقت لاحق وزعت «حماس» بيانًا تبنت فيه الهجوم، غير أنها لم تكشف اسم منفذ الهجوم، فيما يبدو أسلوبًا جديدًا لتجنب حملات الاعتقال في صفوف نشطائها في الضفة العربية وقطاع غزة، وكانت السلطات الإسرائيلية اعتادت شن حملات اعتقال في صفوف نشطاء حماس عقب الهجمات المسلحة؛ بحيث تتركز هذه الاعتقالات في منطقة منفذ الهجوم، مما أدى إلى ضرب عدد من خلايا الحركة في السابق.
ردود فعل.....
في أعقاب الهجوم تجمع في مكان الانفجار آلاف الإسرائيليين الغاضبين أخذوا يطلقون هتافات «الموت للعرب» و«رابين إلى البيت»، كما حالوا دون وصول وزير الشرطة موشيه شاحل إلى مكان الانفجار؛ حيث تحلق المئات منهم حوله، وأخذوا يمطرونه بوابل من الشتائم، وتمكن حراسه وأفراد الشرطة بصعوبة من إخراجه من المكان.
فيما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في أول رد فعل رسمي للحكومة الإسرائيلية على الانفجار الذي وقع صباح الإثنين قبل الماضي في حافلة إسرائيلية للركاب في مدينة القدس تجميد المفاوضات الجارية في مدينة «إيلات» مع السلطة الفلسطينية حول تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق إعلان المبادئ.
من جانبه كرر «وزير العدل في مجلس السلطة الفلسطينية فريح أبو مدين موقف السلطة الفلسطينية في مثل هذه الحالات، مشيرًا إلى أن الهجوم الانتحاري في مدينة القدس المحتلة بأنه طلقة جاءت في رأس العملية السلمية وليس في أطرافها». وأضاف أن هذه العملية استهدفت عملية السلام وقال أبو مدين عقب الهجوم: إن العملية التي استهدفت حافلتين للركاب في مدينة القدس المحتلة هي خدمة للشيطان ليس أكثر أو أقل.
كما أدان نصر يوسف- قائد الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة - حادثة تفجير حافلة ركاب إسرائيلية في مدينة القدس، وقال: «إن هذا العمل سيئ للغاية»، وأضاف: «نحن نستنكر هذا الحادث الدموي الذي لا مبرر له»، مؤكدًا على ضرورة مواصلة المحادثات المتعلقة بتطبيق الشق الثاني من اتفاقية إعلان المبادئ، وأشار المسؤول الفلسطيني إلى حتمية وضع حد لمثل هذه الأعمال المأساوية، على حد قوله، مؤكدًا أن السلطة الفلسطينية لن تسمح لأن تكون أراضيها منطلقًا للأعمال التخريبية.
من جانبها قالت مجموعات القسام في بيانها: «إن هذه العملية تأتي، ضمن حملة عسكرية منظمة ومدروسة، قررت قيادة كتائب القسام تنفيذها تحت شعار حكومة إسرائيل ستدفع ثمن الحرب الشاملة التي تشنها على الإسلام والمسلمين»، مشيرة إلى أن عملية رامات غان التي وقعت الشهر الماضي بالقرب من تل أبيب وأدت إلى مقتل ستة إسرائيليين وإصابة العشرات بجراح، وعملية القدس التي نفذت يوم الإثنين قبل الماضي هي جزء من هذه الحملة العسكرية، مهددة أن المستقبل سيحمل كابوسًا مزعجًا ومرعبًا للإسرائيليين المحتلين لشعبنا وأرضنا على حد تعبير البيان.
وهدد بيان المجموعات الفلسطينية المسلحة بمواصلة أعمال المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقال: «إن حزب العمل الحاكم بزعامة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين الذي وصفته أنه «الإرهابي رقم 1..» إذا كان يتوقع أن الحرب الشاملة التي أعلنها على حركة «حماس» ستقضي على حركة «حماس»، فإنه واهم، والأيام ستثبت للجميع أن كتائب العز الحمساوية أقوى مما يتصوره هذا العجوز المعتوه» على حد تعبير البيان، مشيرًا إلى أن قيادة الكتائب تمكنت في الآونة الأخيرة من ترتيب أوراقها جيداء، وكانت السلطات الإسرائيلية وجهت سلسلة ضربات لنشطاء المجموعات الفلسطينية في الضفة الغربية، مما أدى إلى مقتل عدد من كبار قادة المجموعات المسلحة واعتقال الآلاف من نشطاء حركة «حماس».
وأكد البيان أن «على رئيس حكومة العدو الإسرائيلي أن يعلم من الآن وحتى الانتخابات الإسرائيلية القادمة أن قيادة القسام ستقوم بالرد المطلوب على حرب رابين الشاملة التي أعلنها على الإسلام والمسلمين».
ودعا البيان السلطة الفلسطينية في مناطق الحكم الذاتي إلى «عدم ارتكاب الخطيئة تجاه أبناء حماس في غزة»، وأضاف: «يتوجب على رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، أبو عمار ألا ينسى أنه صاحب أول رصاصة أطلقت نحو الاحتلال الإسرائيلي عام ١٩٦٥، ولنكن جميعًا أوفياء لدماء شهداء خليل والوزير أبو جهاد والقائد صلاح خلف أبو إياد، وكافة شهداء الثورة الفلسطينية الأبرار» حسب تعبير البيان.
وقال وزير الشرطة الإسرائيلية موشيه شاحل في ختام مشاورات جرت في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين بمشاركة كبار قادة الأمن الإسرائيلية المختلفة: إنه سيتم بحث سلسلة من التدابير الأمنية الإضافية التي ستتبع في خطوط المواصلات العامة «الباصات»، مشيرًا إلى أنه اتخذت في الاجتماع قرارات قال: إنها سرية ليست للنشر.
وأعلن الوزير أن الشرطة ستبدأ اعتبارًا من الأسبوع المقبل باستخدام وحدة خاصة جديدة مزودة بكلاب أثر مدربة على اكتشاف المواد المتفجرة، مشيرًا إلى أن هذه الوحدة أنهت مؤخرًا تدريبات ودورات خاصة في الولايات المتحدة، وقال المفوض العام للشرطة الإسرائيلية الجنرال أساف حيفتس: من جهته في حديث لصوت إسرائيل باللغة العبرية: إنه أوصى بتعزيز تدابير وأنظمة الحراسة في المواصلات العامة، لكنه قال: لا توجد إمكانية لوضع حارس دائم في كل باص، وأضاف أن الشرطة ستوظف في مجال محاربتها للعنف جهودها في الميدان الاستخباري، غير أن مصادر استخبارية إسرائيلية أعربت عن مخاوفها من موجة هجمات انتحارية أخرى في الفترة القريبة المقبلة إثر ما وصفته بالنجاح الذي حققته عملية التفجير في القدس، داعية الإسرائيليين إلى إبداء أقصى درجات اليقظة والحذر.
(*) خدمة خاصة لـ «المجتمع» من قدس برس