; في ظلال رمضان.. أخي الصائم: الإيمان والاحتساب شرطًا المغفرة. | مجلة المجتمع

العنوان في ظلال رمضان.. أخي الصائم: الإيمان والاحتساب شرطًا المغفرة.

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1983

مشاهدات 59

نشر في العدد 626

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 21-يونيو-1983

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»[1].

فالشرط الأول الإيمان: بأن يؤمن أن صيام هذا الشهر فرض قد فرضه الله من عنده وواجب عليه صيامه.

والشرط الثاني الاحتساب: بأن يحتسب كل ما يلاقيه من مكاره في هذا الشهر في سبيل الله فيحتسب العطش الشديد في هذه الأيام الحارة، ويحتسب طول اليوم من أيام الصيف، ويحتسب ما يلاقيه من الصداع وقرص المعدة والنصب من أي عمل يقوم به، ويحتسب حرمانه من لقائه مع زوجته أثناء النهار، ويحتسب السب والشتائم من السفهاء، ويقول إني صائم، ويحتسب قيامه لليالي هذا الشهر..

وهكذا ينتقل من احتساب إلى احتساب في كل ذلك يرجو الأجر من الله لا يتأفف ولا يتذمر، ولا ينتظر عند المذياع يرجو انتهاء القرآن بسرعة ويستعجل الأذان، إنما يصبر ويحتسب كل ذلك في سبيل الله.. وبعد ذلك الإيمان والاحتساب نرجو أن نكون ممن يغفر الله لهم ما تقدم من ذنبهم.

عطش الآخرة

عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك، قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة، إذا هاتف فوقهم يهتف: يا أهل السفينة! قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، فقال أبوموسى: أخبرنا إن كنت مخبرًا. قال: «إن الله تبارك وتعالى قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف، سقاه الله يوم العطش». فكان أبوموسى يتوخى اليوم الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ فيه حرًا فيصومه([2]).

ولا يظنن ظان أن هذا كان تكلفًا من أبي موسى رضي الله عنه، إنما هو استشعار اليوم الآخر وما فيه من العطش الشديد، في ذلك اليوم الذي مقداره خمسين ألف سنة من أيامنا حيث يحشر الناس عراة غرلًا، وتنزل الشمس على مقدار ميل من الرؤوس، فتغلي الأرض، ويذهب العرق في الأرض سبعين ذراعًا، ويلجم الناس حتى يبلغ آذانهم، حر شديد يجعل العرق يخرج من الناس كصنابير المياه، وعطش يبلغ بالناس مبلغه يجعل الناس يندفعون بالآلاف نحو حوض الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا بالملائكة تتخطفهم قبل أن يصلوا إلى الحوض ليشربوا شربة واحدة تسد ما أصابهم من الظمأ الشديد، إلا أولئك الذين احتسبوا طاعاتهم في سبيل الله وتحملوا عطش أيام الصيف وحرارته فيسقيهم الله سبحانه وتعالى في يوم العطش.

وهكذا يجب أن يكون المؤمن يربط كل ما يراه من أمور الدنيا بالآخرة، فيهون عليه ما يلقى في الدنيا، ويقل تعلقه بهذا الطين، فإذا ما رأى ظلامًا تذكر ظلمة القبر، وإذا رأى نارًا تذكر نار الآخرة، وإذا لفحه ريح السموم الحار، تذكر سموم النار وحميمها، وهكذا يربط المؤمن دنياه بآخرته.

المحروم
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: «آمین، آمین، آمین» قيل: يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت: «آمین، آمین، آمین». فقال: «إن جبرائيل عليه السلام أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل: «آمين» فقلت: «آمین»[3].

ما أعظمها من فرصة لكسب الأجر وطلب المغفرة هذا الشهر الذي تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتقيد فيه الشياطين مردة الجن، وتفتح فيه أبواب الخير والطاعات «ومن صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه من النار سبعين خريفًا»

كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك تبقى فئة لا يغفر لها، وتحرم من دخول الجنة، وذلك بإصرارها على المعاصي من أكل للربا، ومن تبرج، ومن شرب الخمر، ومن ظلم للإنسان، ومن زنا، ومن سب وشتم، وقذف وغيبة، وكذب، ونميمة حتى وهو صائم، فهذا هو المحروم الذي لم يغفر له حتى هذا الشهر فليس له من الصيام إلا العطش والجوع.

___________________________

[1] جزء من حديث رواه البخاري ومسلم.

[2] رواه البزار «صحيح الترهيب والترغيب» رقم ٩٧٤.

[3] رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحه واللفظ.  

الرابط المختصر :