; عصر الديمقراطية الإفريقية.. البديل الاستعماري للتغيير | مجلة المجتمع

العنوان عصر الديمقراطية الإفريقية.. البديل الاستعماري للتغيير

الكاتب محمد البشير أحمد موسى

تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2005

مشاهدات 67

نشر في العدد 1662

نشر في الصفحة 34

السبت 30-يوليو-2005

الوجه الجديد للحكم في القارة من يتنازل أكثر يحكم أطول

تمر القارة الإفريقية هذه الأيام بمرحلة يمكن أن نطلق عليها «عصر الديمقراطية الإفريقية» البديلة عن مرحلة الانقلابات العسكرية والثورات والحروب، والتي عانت منها القارة حينًا من الدهر. حيث تناقلت وسائل الإعلام المختلفة أنباء موسم التعديلات في بعض الدساتير في بعض البلدان الإفريقية كتعديل دستور مصر وتشاد وتوغو وأوغندا، حتى يتسنى للرؤساء الحاليين حق الترشح لفترة رئاسية ثالثة أو إعادة انتخابهم مرة أخرى.

  • إنشاء كوادر إفريقية البشرة.. أمريكية الفكر والثقافة تتولى زمام الحركة السياسية والثقافية في القارة.

  • بالتخطيط المحكم استطاعت الأقلية النصرانية في تشاد فرض دستور علماني على بلد ٩٥% من أبنائه مسلمون.

  • الحكومة الحالية جاءت محمولة على ظهور الدبابات.. فهل يعقل أن تتنازل عن مكاسبها لأجل عيون التشاديين؟

وجرت كذلك انتخابات في بعض البلدان كغينيا بيساو والانتخابات الأثيوبية والتي راح ضحيتها أكثر من ٣٦ شخصًا وحوالي مائة جريح، وأكثر من ثلاثة آلاف معتقل، وتستعد بوروندي لإجراء انتخابات بعد مرور ١٢ عامًا من الحرب الأهلية والتي يقدر ضحاياها أكثر من ٣٥٠ ألف شخص وتشريد الملايين وتجرى الاستعدادات للانتخابات في عدد من البلدان الإفريقية. كما انعقدت أيضًا في الأسابيع المنصرمة قمة مالي الإفريقية حول قضايا الديمقراطية تحت عنوان: قمة القيادة والحكم الديمقراطي، وذلك في الفترة ما بين ٨يونيو ٢٠٠٥م.

وهكذا فإن إفريقيا تنتقل إلى مرحلة أخرى من الصراع على الحكم عبر ما يسمى بالانتخابات الديمقراطية الحرة والمباشرة وتحولت هذه المرحلة إلى مرحلة تكريس الحكم وأبديته تحت حاكم واحد كخطوة أخرى من خطوات التغيير التي تشهدها المنطقة الإفريقية في السنوات الأخيرة. 

وتقف وراء هذه الموجات عدة تيارات وقوى وطنية وغربية، وتسعى بعض القوى الغربية لنقل التجارب الناجحة في الإصلاح والديمقراطية والحرية في الدول الغربية- حسب ادعاءاتها- إلى القارة الإفريقية وإلى المنطقة الإسلامية والعالم الثالث بصورة خاصة. فكما أن قمة مجموعة الثماني والتي انعقدت في «سي أيلاند»، بولاية جورجيا الأمريكية في (يونيو/ حزيران ٢٠٠٤م) كانت البداية لدعوة الإصلاح في الشرق الأوسط أو الكبير أو المنطقة العربية، وهي دعوة أجنبية غريبة عن تربتها، فقد كانت أيضًا دعوات الإصلاح في إفريقيا وخاصة الإصلاح الديمقراطي وحرية المرأة دعوات جاءت من خارج القارة، فقمة مالي تبنتها دعمًا ماديًا وفكريًا المنظمات التالية: مؤسسة بيل وميلاندا جيتس، والمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية، وهي من المنظمات المدعومة خارجيًا، و«المنحة القومية للديمقراطية» (NED) الأمريكية، ونادي مدريد، والمؤسسة الديمقراطية القومية للعلاقات الدولية (الأمريكية)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بالإضافة إلى بعض الحكومات الغربية الأمريكية والبريطانية والهولندية. 

وأعقب ذلك أيضًا زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية «كوندليزا رايز» لمراقبة الوضع الإصلاحي على الطريقة الأمريكية في بعض البلاد العربية ومنح بعض الناس شهادة شكر وتقدير، وبعضهم الآخر منح فرصة إعادة لدور ثان! 

تناقلت وسائل الإعلام تلك التحركات في سبيل الديمقراطية والإصلاح والحرية في إفريقيا وما صاحبها من تزوير وانتهاك لحقوق الكثيرين. 

فما موقف الدول الغربية وخاصة أمريكا من هذه الخطوات؟!

الولايات المتحدة للحفاظ على مصالحها الاقتصادية في هذه المنطقة الاستراتيجية، تغض الطرف عما يجري من تزوير وانتهاك لحقوق الإنسان في هذه المناطق، والتي تمثل إحدى المصالح القومية للأمن الأمريكي كما أعلن ذلك «والتر كانستينر»، مساعد وزير الخارجية للشؤون الإفريقية في فبراير ٢٠٠٢م في حديثه عن النفط الإفريقي وما يمثله لأمريكا: «إن هذا النفط الإفريقي أصبح مصلحة استراتيجية قومية لأمريكا». وهو ما أشارت إليها مجلة الإيكونوميست البريطانية أيضًا في عددها الصادر في أغسطس عام ٢٠٠٢م، منوهة إلى «أن النفط هو الغاية الأمريكية الوحيدة في إفريقيا». وهو ما أكده أيضًا «مايكل كلير» مؤلف كتاب «حروب مصادر الثروة»، وهو أحد المحللين الأمنيين الأمريكيين في حواره مع نشرة «آسيا تايمز أون لاين» في رده على سؤال عن الهدف الأمريكي التالي الغني بالنفط بعد العراق، حيث أجاب «كلير»: أرى أن إفريقيا ستكون هي الهدف، وستندلع الحرب هناك!

مصالح النفط والثروات

كلٌ هذه وغيرها من التصريحات والتقارير التي تم إعدادها سواء من قبل الحكومة الأمريكية أو الشركات البترولية الأمريكية، تدل دلالة واضحة على أن مصلحتها تقتضي الحفاظ على الوضع الحالي للحكومات الموالية لها في القارة دون تغيير ولو بتعديل الدساتير، أو الفوز في انتخابات مزورة كالحالة النيجيرية وغيرها وقد ورد على ألسنة كثير من الخبراء الأمريكان سواء المدنيين أو العسكريين ما يدل دلالة واضحة على ذلك. 

وبنًاء عليه ولتسهيل الحصول على الواردات النفطية وغيرها من الثروات المعدنية اتبعت الولايات المتحدة سياستين بارزتين في القارة، أولاهما: سياسة تقليص النفوذ الأوروبي في القارة وزيادة نفوذها على كافة الأصعدة وخاصة العسكرية منها، وهذا ما جعلها ترسل عددًا من كبار الجنرالات الأمريكيين في رحلات مختلفة وغير عادية إلى القارة الإفريقية، منها زيارة الجنرال «جيمس ل جونس»، قائد قوات مغاوير البحرية الأمريكية في أوروبا، والجنرال «كارلس والد» نائب قائد القوات الجوية في أوروبا، وذلك في إطار التنسيق مع عدد من الدول الإفريقية فيما يطلق عليه عمليات مكافحة الإرهاب في إفريقيا جنوب الصحراء وتوج ذلك بمناورات عسكرية أطلق عليها اسم «عملية فلينتلوك ٠٥» وقد شارك في هذه المناورات حوالي ثلاثة آلاف جندي من تشاد والنيجر والجزائر والمغرب ومالي وموريتانيا وتونس والسنغال ونيجيريا إلى جانب ۷۰۰ جندي من القوات الخاصة الأمريكية، وبناء على ذلك ستقدم واشنطن لهذا المشروع مساعدات تتراوح قيمتها بين ثلاثين وستين مليون دولار عام ٢٠٠٦م و ۱۰۰ مليون دولار في السنوات الخمس التالية.

أما السياسة الأخرى: فهي إنشاء كوادر إفريقية البشرة أمريكية الفكر والثقافة والميول، حتى تتولى زمام الحركة السياسية والثقافية في القارة وليقدموا بديلًا للخطاب الفرانكفوني وغيره من الخطابات الخارجة عن الخطاب الأمريكي في المنطقة، والترويج لأسس الديمقراطية على الطريقة الأمريكية والحرية وحقوق الإنسان.. إلى آخر الشعارات التي ترفعها الولايات المتحدة في القارة وتسعى بها إلى إقصاء الدول الأوروبية وخاصة فرنسا من هذه القارة. وقد كان الخطاب الأمريكي حاضرًا في قمة مالي ويتضح لنا ذلك من عناوين بعض الموضوعات التي طرحت في القمة بالإضافة إلى حضور بعض منظماتها في ذلك اللقاء.

أما في تشاد فقد أدلى الناخبون بأصواتهم في الأسابيع المنصرمة في استفتاء حول تعديل المادة (٦١) والتي تحول دون ترشح الرئيس الحالي إدريس ديبي لفترة رئاسية ثالثة، وذلك في الانتخابات القادمة في عام (٢٠٠٦م)، وقد وافق البرلمان التشادي على التعديلات المقترحة على هذه المادة. ونصها قبل التعديل: «ينتخب رئيس الجمهورية لفترة خمس سنوات في انتخاب عام مباشر، ويعاد انتخابه مرة واحدة فقط».

وبالفعل ظهرت النتائج في الأيام الماضية حيث صوت ۷۷,۸۰ ٪من الناخبين بـ«نعم»، مقابل ٪۲۲,۲۰ بـ «لا» للتعديل وفق ما أعلنت لجنة الاستفتاء، وأن نسبة الناخبين بلغت ٪۷۱,۱۱ أي بما يعادل ٥.٣ ناخب، وأن المشاركة في التصويت كانت ضعيفة جدًا وخاصة في العاصمة نفسها، وطلبت معظم الأحزاب المعارضة من أعضائها عدم المشاركة في التصويت. وقد اعترف الحزب الحاكم في بداية الاستفتاء بضعف الإقبال في العاصمة وعزا البعض ذلك إلى تعقيد الإجراءات المتبعة مما حال دون مشاركة الكثيرين في الاستفتاء.

وجهة نظر كهذه قد تكون سليمة. ولكن يضاف إليها الوضع العام للشعب التشادي والذي أيقن أن الديمقراطية إذا كانت في بلدانها التي تدعيها لا تطبق فكيف تطبق في إفريقيا ولنا في الانتخابات المنصرمة عبر ودروس؟! وأيضًا فإن الحكومة الحالية أتت محمولة على ظهور الدبابات والصواريخ فهل يعقل أن تتنازل عن مكاسبها من أجل سواد عيون التشاديين؟!

وقد صاحبت الاستفتاء كذلك موجة من الاعتقالات وخاصة من أبناء بعض المناطق الشمالية، مما كان له أيضًا تأثير في إحجام الكثيرين عن المشاركة في الاستفتاء، والغريب أن هذه الاعتقالات الواسعة في وسط بعض الضباط والأفراد من الشعب التشادي لم تتحدث عنها وسائل الإعلام والمنظمات الدولية والدوائر الغربية المعنية بالإصلاح وحقوق الإنسان والديمقراطية بما فيها منظمة العفو الدولية ولم تشر إلى ذلك لا من قريب ولا بعيد، علمًا بأن أي فرد من النصارى في الجنوب إن اعتقل ولأسباب وجيهة فإن هذه المنظمات تقيم الدنيا ولا تقعدها كما هو حال بعض من اعتقلوا من الصحفيين. وكذلك فإن الأخذ والجذب بين أنصار الحزب الحاكم ومعارضي مدونة الأحوال الشخصية الجديدة من فئات الشعب التشادي المختلفة. والوعي الكبير الذي استطاع أن يحدثه أنصار معارضة قانون الأحوال الشخصية في وسط المجتمع التشادي الذي أحجم بعضهم عن التصويت لهذا السبب. كل هذه العوامل ساهمت في النتيجة الحالية للاستفتاء من ضعف المشاركة والمعارضة الشديدة التي تلقاها من قوى عديدة في داخل المجتمع، حتى تلك المناطق التي تعتبر مناطق مغلقة للحزب الحاكم لم يصوت فيها إلا أعداد قليلة جدًا ومعظمهم من تكوينات الحزب في تلك المناطق وليس من عموم الشعب.

أجندة علمانية 

وهكذا فإن هذا التعديل في الدستور لم يمر كما مر مشروع إقرار الدستور والذي حوى كثيرًا من الأجندة العلمانية وبعض هذه الأجندة كان السبب الرئيس في الحروب التي خاضها المسلمون في تشاد ضد الأقلية النصرانية الحاكمة في أوائل ستينيات القرن الماضي. ولكن بالتخطيط المحكم استطاعت الأقلية النصرانية- والتي لا تتجاوز 5% من مجموع السكان- أن تفرض دستورًا علمانيًا في بلد غالبيته العظمى من المسلمين وتمرره في غفلة كثير منهم! 

بعض المسلمين قد يكون أخذ العبر والدروس مما سبق، فكانت هذه المعارضة الحكيمة والرشيدة لكثير من القوانين والتعديلات الدستورية والتي تجحف حقوقهم أو التي تخالف عقيدتهم، إلا أن هناك فئة قليلة من أبناء المسلمين الذين ترتبط مصالحهم الشخصية وأهواؤهم بمصالح الدوائر الغربية لم تأخذ عبرًا ولا دروسًا من ماضيهم القريب ولا البعيد! وهذه المعارضة الرشيدة كانت خيبة أمل للكثير من الدوائر الغربية وخاصة الأمريكية منها، بما يوحي أن هناك فئة تعارض كل التوجهات الغربية سواء الفرنسية منها أو الأمريكية بما تمليه عليه عقيدته ومبادئه الإسلامية وليس مصالحه الشخصية فقط! 

موقف المعارضة التشادية:

أما عن الوضع العام للمعارضة التشادية فإن عددًا كبيرًا من المعارضين وخاصة الذين خارج البلاد لا يتحركون إلا بناء على توجيهات خارجية، وخاصة المعارضة النصرانية منها، فهي لا تتحرك إلا بناء على ما يملى عليها من قبل الدوائر الكنسية الغربية. أما المعارضة المسلمة فجزء منها يقيم في فرنسا ويخضع مرغمًا للسياسات الفرنسية.

وكما قال أحد الصحافيين في مقال له: «إن من يتنازل أكثر يحكم أطول»، فالحكومة التشادية تنازلت للحكومات الغربية وخاصة أمريكا وفرنسا كثيرًا، لذا لا تأبه بتلك التحركات للمعارضين السياسيين، إلا التحرك العسكري الذي تخشاه كثيرًا وهذا ما جعلها تعتقل عددًا كبيرًا من كبار الضباط في الجيش وبعض الشباب الذين كانوا على وشك تكوين معارضة عسكرية مسلحة أو السعي للانضمام إلى المعارضة العسكرية في شمال البلاد وكذلك فإن المعارضة العسكرية في شرق البلاد كان لها تأثير واضح على الحكومة مما حدا بها أن تعد العدة على الجبهة الشرقية من البلاد. وبما أنها تقدم التنازلات ليس للأمريكان فحسب بل حتى إلى الإسرائيليين فإنها حتمًا ستصبح ضمن الدول التي ستُمنح وسام العدالة والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان من قبل الإدارة الأمريكية، كما نالها عدد من الدول المشاركة معها في التحالف ضد الإرهاب في جنوب الصحراء الإفريقية على هذه الخطوات الجبارة في سبيل إرساء قواعد اللعبة الديمقراطية والحرية والإصلاح! 

هذه الشهادة إن لم يُشَر إليها بصورة واضحة فقد كانت واضحة للعيان من جهة أخرى من حيث عدم الاعتراض على نتيجة الاستفتاء أو حتى مبدأ الاستفتاء نفسه سواء من قبل فرنسا وأمريكا أو حتى من قبل تلك المنظمات التي عقدت قمة القادة والديمقراطية في إفريقيا في (باماكو) عاصمة مالي! حتى إن الأمين العام للمنظمة الدولية «كوفي عنان» الذي حث حكومات الدول الإفريقية في افتتاح القمة الثالثة للاتحاد الإفريقي في أديس أبابا في عام ٢٠٠٤م، على عدم التلاعب بالدستور للبقاء في السلطة، وعلى تناوب سلمي للحكم وإفساح المجال لجيل الشباب، لم يصدر منه ما يدل على رفضه للخطوات الأخيرة في تشاد اللهم إلا ذلك الشجب والتنديد الذي صدر من قبل الملتقى الإفريقي لحقوق الإنسان ومقره في داكار (السنغال)!

فهل هذا التعديل بداية لنهاية الحكومة الحالية أم أنه تحويل تشاد وكثير من دول المنطقة إلى دول شبه ملكية تحت شعار الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان وغيرها من الشعارات البراقة التي تطرح في العصر الأمريكي؟! الأيام القادمة جديرة بالإجابة !

الرابط المختصر :