العنوان طلاقــة القــدرة الإلهيــــة وقبح العنصرية الصليبية!
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الأربعاء 01-مارس-2023
مشاهدات 81
نشر في العدد 2177
نشر في الصفحة 20
الأربعاء 01-مارس-2023
موقف الغرب كان مائعاً وكأنه يشمت في صمت حتى فضحته «شارلي إيبدو»!
الزلازل تعبير عن قدرة الله تعالى ووحدانيته المطلقة
أ.د. حلمـي القاعـود
سورة «الزلزلة» تتحدث عن يوم القيامة، وكأنها تشير إلى الزلزلة الدنيوية التي شهدناها ونتابع آثارها، وربما هي صورة مصغرة من زلزلة الآخرة: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا 1 وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا}(الزلزلة)، هذا ما رأيناه بصورة مصغرة في تركيا وسورية قبل أيام، وما زالت توابعه وآثاره تتحرك من حين لآخر، وتضع العالم كله في دائرة رد الفعل والتأمل والتفكر، مشهد من القيامة حين تضطرب الصورة اضطراباً شديداً، وترتجف الأرض الثابتة ارتجافاً، وتزلزل زلزالاً، وتنفض ما في جوفها نفضاً، وتخرج ما يثقلها من المحتويات والأموات، مشهد يخلع القلوب، ويهز الثوابت.
إن الزلازل مع ألوان التقلبات الطبيعية الأخرى تعبير حي وعملي عن قدرة الله غير المحدودة، في إظهار هيمنته على العالم، ووحدانيته المطلقة، وأنه فوق كل قوة ترى في نفسها قوة لا تقهر، وكأنه يقول لهم: كلا، إياكم والغرور ونسيان من خلق الكون، الذي سخره للإنسان وذلل له مخلوقاته الأخرى، وهو في كل الأحوال يذكّر من ينسى، وتخويف من لا يخاف: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} (الإسراء: 59)، وَسبحانه يعلم أن بعضهم بعد تخويفه يزداد طغياناً كبيراً؛ {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} (الإسراء: 60).
وأياً كان الأمر، فالأحداث الكبرى في أمتنا والعالم، ومنها الزلازل، تنبئ عن دروس وعبر شتى، تفيد منها الأمة والإنسانية، ولعل أول هذه الدروس وأهمها هو التضامن العربي والإسلامي والدولي مع الشهداء والمصابين والمشردين، وقد عبر كثير من العرب والمسلمين على المستويين الشعبي والرسمي عن تعاطفهم واستعدادهم للتطوع في عمليات الإنقاذ والمساعدة لمن أصابهم الزلزال في تركيا وسورية.
وكذلك، من الدروس المهمة ارتباط عمليات الإنقاذ بالإيمان والتسليم بقدر الله عز وجل، وقد شاهد العالم تكبير المنقذين وهم يعثرون على طفل حي أو إنسان ما زال يتنفس، وكان صوت «الله أكبر» علامة مميزة للهوية الإسلامية على مستوى العالم، المسلمون في كل مكان مشدودون إلى أماكن الزلزال يترقبون إنقاذ روح، ويتابعون على مدار اليوم والليلة ما يجري في البلدين المنكوبين!
ومن الدروس المهمة، أيضاً، أخذ الحيطة والحذر والاستعداد لمثل هذه الأحداث، ولم يعد توفير المعدات وتجهيز أطقم الإنقاذ، وتخزين البدائل لإيواء المشردين، وأماكن الإسعاف والعلاج؛ ترفاً أو مسألة يمكن تأجيلها لحين وقوع الحدث، ويرتبط ذلك بمدى قدرة الدولة واهتمامها برعاية مواطنيها، وقد حققت تركيا في هذا السياق تقدماً ملحوظاً، فقد خرج المعنيون من أكبر مسؤول إلى أصغر موظف، لمتابعة الحدث من أول لحظة.
وقال الرئيس التركي «أردوغان»: من مات لا نستطيع إحياءه، لكن ما تهدم في المدن العشر سوف نعيد بناءه في عام واحد على أحدث نظم البناء، ويتم تسليمه دون تحمل ساكنه ليرة واحدة، وقد خصصنا 100 مليار ليرة (5.26 مليارات دولار) دفعة أولى، تحت تصرف مؤسساتنا للمساعدات الطارئة وأنشطة الدعم، ولن نسمح باستمرار بقاء المواطنين في الشارع أو الخيام، وقد تعاقدنا مع عدد من الفنادق في عدة مدن لاستضافة المنكوبين لحين تجهيز مساكنهم.
وأقامت الحكومة التركية آلاف الخيام لإيواء الذين فقدوا مساكنهم، وعشرات المستشفيات الميدانية للإسعافات والعلاج، وتوفير وسائل النقل البري والجوي لنقل من تستدعي حالتهم العلاج في المستشفيات.
وعلى الصعيد الشعبي الإسلامي، فقد بذل الأفراد والجمعيات جهوداً ليست هينة، ونشرت الوكالات صورة لمواطن بسيط من أذربيجان يقود سيارته نحو الأماكن المتضررة (2000 كم)، وقد حمل السيارة ما تستطيع من أغطية وملابس وطعام ليقدمه إلى المتضررين، كما نشرت صورة أخرى لصاحب محل كبير في إسطنبول وهو يتبرع بمحتوياته الغذائية وأدواته المنزلية لمن أصيبوا في الزلزال، ومن ذلك كثير.
أما على الجانب السوري، فكانت الحالة سيئة للغاية، حيث وجه النظام الحاكم في دمشق المساعدات الخارجية إلى المناطق التي يسيطر عليها، وترك المناطق الأخرى التي تضررت، وعاشت محنة مزدوجة بين قسوة البرد والثلوج والأمطار من ناحية، وعذابات الدمار والخراب والعيش في الخيام المهترئة من ناحية أخرى.
بصفة عامة، كان موقف الغرب العملي -بعيداً عن التصريحات الإنشائية- مائعاً ومتراخياً، وكأنه يشمت في صمت، ولكن مجلة «شارلي إيبدو» فجّرت الصمت الصليبي، وكشفت قبحه الوحشي، وهمجيته الرخيصة، حين صاغت كاريكاتيراً ساخراً من الزلزال والشهداء والمصابين والمشردين، فقد نشرت المجلة الفرنسية، عبر حسابها الرسمي في «تويتر»، صورة تُظهر بناءً مدمّراً، أرفقته بعنوان «زلزال في تركيا.. لا داعي لإرسال الدبابات»، في سخرية من الدمار الذي لحق بالبلاد بسبب الزلزال!
لقد أثار منشور «شارلي إيبدو»، ردود فعل غاضبة حول العالم، تنتقد ما أقدمت عليه المجلة الفرنسية بذريعة حرية الرأي والتعبير، وانتفض أصحاب الضمير الحي في الغرب الصليبي لانتقاد ما أقدمت عليه المجلة الفرنسية العنصرية، ووصفت وسائل إعلام ووكالات عالمية، أبرزها «الأناضول» التركية، ما نشرته «شارلي إيبدو» بأنه جريمة كراهية، كما رأى مغردون بأن المنشور فيه سخرية وشماتة بحق تركيا، ويشكل استفزازاً للمسلمين.
ورأت الكاتبة كاريل فلانسي أن الكاريكاتير مخزٍ؛ لأنه يسخر من معاناة آلاف الأشخاص، وقال الكاتب البريطاني حمزة تسورتزيس، في تغريدة على «تويتر»: إن ما فعلته «شارلي إيبدو» دليل جديد على موت الحضارة في فرنسا العلمانية، كما قال الشاعر والروائي العراقي سنان أنطون: إنّ «شارلي إيبدو» الفرنسية معروفة بعنصريتها، وأكد أن هذا الكاريكاتير يسخر من ضحايا الزلزال بكل حقارة، ووصف د. علي القره داغي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ما قامت به المجلة بأن هذه هي أخلاق الإنسانية التي يتبجحون بها، لا نقابل جهلهم بجهل، ولا نشمت أو نبتهج بموت أو مصيبة حلت بمن لا يؤمن بديننا.
في حين أدان أدان مرصد الأزهر لمكافحة التطرف الرسومات غير الإنسانية الساخرة التي نشرتها مجلة «شارلي إيبدو» تعليقاً منها على كارثة الزلزال في تركيا، وأكد المرصد أن تلك الرسومات تُعدُّ نوعاً من أنواع خطاب الكراهية التي تحرمها وتجرمها الأديان كافة والمواثيق والأعراف الدولية.
وأشار المرصد إلى أن الاستهزاء بآلام المنكوبين والتلاعب بالمشاعر الإنسانية لا يمت بصلة لحرية التعبير.
ومهما يكن من أمر، فإن واجب المسلمين الاستيقاظ من الغفلة، والإعداد للطوارئ، والاعتماد على الله تعالى ثم على أنفسهم في مواجهة تقلبات الأيام.