; الصوم منهج تربوي هدفه التطهير والتحرير | مجلة المجتمع

العنوان الصوم منهج تربوي هدفه التطهير والتحرير

الكاتب محمد عبدالحميد أحمد

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1975

مشاهدات 23

نشر في العدد 266

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 09-سبتمبر-1975

الصوم منهج تربوي

في صوم رمضان تربية بالحرمان، وفي هذا الحرمان عطاء أي عطاء.. وتربية بالألم، وكم في طي الآلام من لذات ومغانم! وهل عطاؤك المال إلا حرمانك هذا المال؟ وهل الشرف الرفيع إلا بذل الروح وإراقة الدماء؟

ولقد غفل كثير من عامة المسلمين -ممن يعيشون لبطونهم، ويقيسون اللذة بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة- عن هذا السر القدسي وذلك الأفق الرفيع؛ فيضيقون ذرعًا برمضان؛ لأنه حال بينهم وبين ما يشتهون...

ويتمنون له الجلاء الناجز السريع كأنه محتل غاصب فرض عليهم فرضًا، والحق أن هؤلاء الناس ضاق بهم رمضان وما كان لهم أن يضيقوا برمضان، وذلك لأنهم لم يحسنوا قراه كما يريد بل قروه كما يريدون...

أكلوا باسمه شهي الطعام ولم يطعموه شهي القيام، ومنحهم الرياحين والورود فأكلوها ولم يشموها... وأعطاهم القرآن فغنوه ولم يتدبروه، وأهداهم الدواء فمجوه وأراقوه!

فليحسن هؤلاء القوم استقبال رمضان كما ينبغي ليستمتعوا بابتسامته ومواهبه اللطاف، وليجلسوا إليه تلاميذ مخلصين يستمعون إليه أستاذًا جليلًا يتلقون عنه دروس الحياة والحرية، وليصبروا على محنة تجاربه ومرارة علاجه ليظفروا بجمال منحه وحلاوة شفائه... وإذا كان الدواء مرًا فإن الداء أَمَرُّ... لكن حلاوة الشفاء تُنسي المرارتين! إن للصيام فلسفته وله أهدافه، وليس من فلسفته أن نجوع ولكن هدفه أن نصبر، وليست غايته أن نتألم ولكن غايته أن نتأمل... وليس هدفه أن نقاد إلى البطالة، ولكن هدفه أن نمضي إلى البطولة!

فالجوع قد يتحمله الناس عاجزين مغلوبين على أمرهم... ولكن الجوع الذي له أهدافه التربوية -والذي يفرضه المسلم على نفسه بإرادة وعقيدة- هو تدريب على قيادة النفس والشهوات، وهو إيحاء نفسي تربوي للصائم يرفع مستواه الروحي إلى المثل الأعلى...

رمضان صيانة دورية للجهاز الإنساني، وكل جهاز في حاجة إلى ضبط وإحكام على فترات تتقارب وتتباعد.. فالسيارات والأجهزة المختلفة تحتاج من حين إلى حين إلى كشف دوري وقطع غيار وإصلاح ما بين الشهور والأعوام حسب قيمها واستعمالها...

والنفس الإنسانية تحتاج كذلك إلى مثل هذه الصيانة، وأساليب العبادة في الإسلام من صلاة وصيام وحج تتولى هذه الصيانة على فترات...

فالصلاة ضبط يومي دوري متجدد للجهاز الإنساني يعالج النفس خمس مرات فأكثر بجرعات روحية في التكبير والركوع والسجود... فهي معراج قدسي ومعهد تربوي مكين يحوي أساليب التربية جميعًا من روح وفكر وجسم... وفي المسجد يتسع المجال التربوي والإصلاح الاجتماعي بما توحيه الجماعة في صفوف الصلاة من ترابط ونظام وتعارف... فالمسجد مركز اجتماعي للتربية الأساسية.

وقد تتراكم -رغم هذا الضبط اليومي- رواسب وشوائب خلال العام، فيتولى الصيام دور الصيانة السنوية التي تستغرق شهرًا كاملًا، ويتولى نظامه الخاص تغيير عادات الإنسان في ألصق حاجاته بالحياة وأقوى دوافعه البشرية التي لها علاقتها بحفظ النفس والجنس... فالصلاة تزكية وتطهير، والصوم تجريد وتحرير.

ويأتي بعد ذلك صيانة العمر... فيأتي الحج فينزع الإنسان من موطنه ومن ثيابه وهو يقصد البيت الحرام ملبيًا تلبية العبد المحب الذليل للرب العظيم الجليل.. مستجيبًا للنداء القدسي المأثور: "لبيك اللهم لبيك" يردده نشيدًا جميلًا من أعماق قلبه إذا صعد أو هبط أو غفا أو استيقظ أو أكل أو شرب؛ فالحج مؤسس -كما يقول ابن القيم- على التوحيد المحض والمحبة الخالصة، وهو استزارة المحبوب لأحبابه ودعوتهم إلى بيته ومحل كرامته... ويؤدي الإنسان في الحج طائفة من الشعائر والمناسك هي عمليات تربوية ربانية لها أسرارها وأنوارها وقدسيتها، متى أحكمت واستقامت كما أرادها الله سبحانه عاد منها الإنسان وقد تجددت نفسه واستنارت روحه، ورجع بعد هذه الصيانة القدسية كيوم ولدته أمه طاهرًا نقيًا مجردًا من شوائب الإثم وشهوات النفس، كما يشير الشاعر:

تجرد من الدنيا فإنك إنما ** أتيت إلى الدنيا وأنت مجرد

والتجرد في الحج حقيقة بارزة، ورحلتك إلى الحج كرحلة الموت نقبل عليها كأنما نودع الحياة ونستقبل الآخرة في ثوب متواضع كأنه الأكفان، يستوي في لبسه الغني والفقير، والأحمر والأسود، والعمالقة والصعاليك.

ولنتأمل سر قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وسر قوله صلى الله عليه وسلم: "الصوم جنة..."؛ فالتقوى التي وردت في الآية الكريمة، والجنة التي وردت في الحديث النبوي ما هما إلا الوقاية أو الصيانة التي من أجلها شرع الصوم، وهي الغاية التي يستهدفها... وهو الحرية في معناها الأصيل كما يشير الشاعر:

حريةُ نفسِكِ معناها ** أن تملكَ نفسَك وهواها

ويتمثل الإسلام بعناصره الروحية والاجتماعية والعسكرية في رمضان؛ فرمضان الروحي يتمثل في قيام الليل وتلاوة القرآن والاعتكاف، فهو بذلك مسجد وخلوة... ورمضان الاجتماعي يتمثل فيما يوحيه الصيام من معاني التراحم والإحساس والبر والإنسانية، فهو بذلك معهد للخدمة الاجتماعية...

ورمضان العسكري يتمثل في تربية الإرادة، وتعود الإنسان الصبر على البلاء وخوض الآلام وجهاد النفس الذي هو ذخيرة المجاهدين وزاد الميادين، ولأمر ما كانت غزوة بدر في رمضان.. فليس رمضان جامعة خيرية فقط، وليس معهدًا اجتماعيًا فحسب ولا تربية عسكرية وكفى... بل هو -الإسلام بعناصره جميعًا- لتفيض بالقوة وتجيش بالحيوية وتزخر بالانطلاق في كل أفق وميدان في البر والبحر والسماء والأرض...

وسلبية الصيام في ظاهرها ليست إلا منهجًا تربويًا وخطة محكمة لتجديد النفس وإعدادها لصراع الحياة وتحريرها من أسباب الضعف والعجز، وذلك بفرض الحرمان عليها بالصوم ساعات معدودات في شهر واحد؛ فهو يحرمها الغذائية ليعطيها الدواء والصفاء، ويسلبها التراب ليهديها اللباب، ويجنيها الشهوات ليكسوها الرحمات والعزمات!

فالصوم وإن كان في ظاهره سلبيًا فهو يحقق معنى الضبط في نفس الفرد والمجتمع، وإذا كان الفرد أو المجتمع في حاجة دائمة إلى حوافز للعمل فهو في حاجة كذلك إلى ضوابط، والعلاقة بينهما هي التي تحدد قيمة العمل المطلوب...

وإذا كانت الحوافز تدفع إلى الإنتاج فإن الضوابط تحول دون الانحراف، وتقيم في النفس رقابة ذاتية تتكامل مع الرقابة الاجتماعية، وتدعم روح الجماعة في الفرد؛ فالصوم إرادة تتحول عند الفرد إلى عادة يسمو بها الإنسان في حياته فلا يذل ولا يشقى..

وبهذه التربية في الصوم وسائر العبادات قامت خير أمة أخرجت للناس: أمة بلال وأبي عبيدة وخالد وصلاح الدين.

وعلى المسلمين أن يعودوا إلى ربهم وعقيدتهم بفكر سليم وعقل قرآني سديد ونهج نبوي قويم؛ ليعودوا إلى مكانهم في قيادة العالم وإصلاح الحياة: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ...﴾.

رمضان في معناه القرآني طهور من رجس العام، وهدنة ربانية في معركة القوت، وروح وريحان في ضجيج الحياة، وأنفس الملائكة في عالم الظلمات والأطماع، وعبير الجنة في سعار الحياة وجحيم الصراع.

وقد توهم الجاهلون لروح الإسلام وفلسفته من صرعى الحضارة الغربية -ومن بينهم للأسف بعض حكام الدول العربية- في رمضان مظهرًا سلبيًا لا يدعو إلى العمل بل بوجه إلى ترك العمل... وحقًا إن الصوم ليس كالعبادات الأخرى في أسلوبها التربوي؛ فالصلاة عمل فيه الكلمات والحركات، والحج كذلك رحلة وأعمال، والزكاة بذل وإصلاح، ولكن الصوم لا يدعوك إلى عمل ظاهر بل يدعوك إلى ترك الطعام والشراب والشهوات. وظن هؤلاء السفهاء أن الصوم تعطيل للمواهب وإخماد للهمم وتضييع للمصالح وتقليل للإنتاج في الدولة!

وهذه نظرة لا تتجاوز الصورة إلى الحقيقة، ولا تعدو السطحية إلى الأعماق... وما كان الله سبحانه ليفرض على عباده ما لا يحفزهم إلى العمل ولا يدفعهم إلى الإنتاج والتعمير والإصلاح، وأن طبيعة الإسلام في جميع توجيهاته...

استدراك

في العدد الماضي نشر مقال بعنوان "من مذكرات معتقل"، وقد نشر المقال بدون اسم صاحبه.. وصاحبه هو الأستاذ محمد عبد الحميد أحمد كاتب هذه الكلمة عن الصوم؛ لذا لزم التنويه.. والاعتذار.

 

الرابط المختصر :