العنوان حطم القيود (6) التفاؤل
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 10-أبريل-2004
مشاهدات 66
نشر في العدد 1596
نشر في الصفحة 66
السبت 10-أبريل-2004
albelali@bashaer.org
عندما تقلب صفحات التاريخ في القديم والحديث لا تكاد تخطئ الملاحظة بأن جميع العظماء والناجحين يملكون صفة بارزة، وهي «التفاؤل» لذلك جاء «التفاؤل» كأحد تعريفات القوة، وصفة لازمة للأقوياء؟
ما التفاؤل؟
انشراح قلب الإنسان، وإحسانه الظن، وتوقع الخير بما يسمعه من المتكلم الصالح أو الحسن أو الطيب (۱).
قال الماوردي: «فأما الفأل ففيه تقوية للعزم، وباعث على الجد، ومعونة على الظفر، فقد تفاءل رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته وحروبه، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع كلمة فأعجبته، فقال: أخذنا فألك من فيك».
فينبغي لمن تفاءل أن يتأول بأحسن تأويلاته، وألا يجعل لسوء الظن إلى نفسه سبيلًا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن البلاء موكل بالمنطق» (۲).
توقعوا الخير
من يتوقع الخير يحصل عليه، ومن يتوقع الشر يحصل عليه أيضًا، هذه قاعدة إيمانية، فقد أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم رواية عن ربه في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله» (۳).
فقد شاء الله تعالى أن يعطي الإنسان على قدر ما يظن فيه، ويمنع عنه بقدر ما يسيء الظن فيه، لهذا السبب فإن المتشائمين لا يجنون إلا الشر، لأنهم يتوقعونه على الدوام.
يقول الحكيم الترمذي: إذا أراد الله بعبد خيرًا أعطاه حسن الظن بأن يزيده نورًا يقذفه في قلبه ليقشع ظلمة الصدر كسحاب ينقشع عن ضوء القمر، ومن لم يمنح ذلك فصدره مظلم لما أتت به النفس من داخل شهواتها، والعبد ملوم على تقوية الشهوات من استعمالها فإذا استعملها فقد قواها، ككانون: «كلما ألقيت فيه حطبًا ازداد لظى ودخانًا». (٤)
القائد المتفائل
ولأن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم قائد ناجح، فإن صفة التفاؤل لم تغادره أبدًا مهما اشتدت عليه الأزمات، بل إنه يوصي أتباعه بهذه الصفة حتى يكونوا ناجحين في الدنيا والآخرة، ويجعلها من مكملات الشخصية الإيمانية، فيقول: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»(٥)، فهو لا ينزعج أبدًا مادام يستشعر دائمًا أن كل ما يصيبه مقدر من الله تعالى، والله لا يقدر إلا الخير.
هكذا كانت حياته صلى الله عليه وسلم في كل شؤونه، ومما يرويه عنه الصحابي الجليل بريده صلى الله عليه وسلم قوله: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه: فإذا أعجبه اسمه فرح به، ورؤي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رؤي كراهية ذلك في وجهه، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه اسمها فرح بها، ورؤي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رؤي كراهية ذلك في وجهه» (٦).
رايات المتفائلين:
للمتفائلين رايات يرفعونها في حياتهم، كلما مشوا تلمسوا هذه الرايات، وعادوا إلى الجادة تارة أخرى.. هذه الرايات تذكرهم بمنهجية التفاؤل التي تسبب لهم الارتقاء والنجاح في الدارين. ومن هذه الرايات:
- وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم: فإذا ما أصابتهم مصيبة، واشتدت عليهم كريات الدنيا، وضاقت عليهم تطلعوا إلى السماء فرأوا راية مرفوعة كتب عليها ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216).
فكم نتضايق من بعض ما يقدر لنا، ثم يكون في نهاية الأمر خيرًا لنا، وكم نحرص أشد الحرص، ونحب أن يقدر الله لنا بعض الأمر ثم نكتشف أن ذلك الأمر كان شرًا لنا، وما قصة موسى عليه السلام والرجل الصالح إلا نموذج من هذا القدر يتذكر به المؤمن طريق التفاؤل.
- ما يصيب المسلم من وصب: وكلما تكاثرت عليهم المصائب تذكروا ما ينالونه من الأجر، وتفاءلوا بالخير الكثير.. فرايتهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (۷).
ففرحوا بذلك أشد الفرح لأنهم علموا بعدما أطلعوا على تلك الراية، أن هذا البلاء طريق إلى تكفير السيئات، ورفع الدرجات، فاطمأنت بذلك قلوبهم.
فإن مع العسر يسرًا
والراية الثالثة عند نزول البلاء بهم مكتوب عليها قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5- 6)، فيستقر في نفوسهم أن الفرج قادم وأنه لا يغلب عسر يسرين، وأن الفجر قريب بإذن الله، أليس الصبح بقريب؟ هؤلاء هم الأقوياء، وهذه صفاتهم.
الهوامش
(۱) نضرة النعيم ١٠٤٦/٣.
(٢) أدب الدنيا والدين ٢٠.
(۳) رواه أحمد وصححه الألباني ص ج ص ٤٣١٥.
(٤) فيض القدير ٤٩١/٤.
(٥) رواه الإمام أحمد وصححه الألباني ص ج ص ۳۹۸۰.
(٦) رواه أبو داود وصححه الألباني ٧٦٢..
(۷) رواه أحمد وصححه الألباني ص ج ص ۵۸۱۸.