; من أسباب المغفرة في رمضان.. قيام ليلة القدر وصيام الشهر وقيامه كاملًا يكفر ما قبله من الذنوب | مجلة المجتمع

العنوان من أسباب المغفرة في رمضان.. قيام ليلة القدر وصيام الشهر وقيامه كاملًا يكفر ما قبله من الذنوب

الكاتب د. حمدي شلبي

تاريخ النشر السبت 14-أكتوبر-2006

مشاهدات 78

نشر في العدد 1723

نشر في الصفحة 60

السبت 14-أكتوبر-2006

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وعنه أيضًا قال ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» رواهما البخاري ومسلم.

     فدل حديثا أبي هريرة على أن هذه الأسباب الثلاثة كل واحد منها مكفر لما سلف من الذنوب وهي صيام رمضان، وقيامه وقيام ليلة القدر، فقيام ليلة القدر بمجرده يكفر الذنوب لمن وقعت له سواء، كانت في أول العشر، أو أوسطه أو أخره، وسواء شعر بها أو لم يشعر، ولا يتأخر تكفير الذنوب بها إلى انقضاء الشهر.

-وأما صيام رمضان وقيامه فيتوقف التكفير بهما على تمام الشهر، فإذا تم الشهر فقد كمل للمؤمن صيام رمضان وقيامه، فيترتب له على ذلك مغفرة ما تقدم من ذنبه بتمام السببين، وهما صيام رمضان وقيامه، فإذا كمل الصائمون صيام رمضان وقيامه فقد وفوا ما عليهم من العمل، وبقي ما لهم من الأجر وهو المغفرة، فإذا خرجوا يوم عيد الفطر إلى الصلاة قسمت عليهم أجورهم، فرجعوا إلى منازلهم وقد استوفوا الأجر واستكملوه، ومن نقص من العمل الذي عليه نقص من الأجر بحسب نقصه، فلا يلوم إلا نفسه، قال سلمان-رضي الله عنه-: الصلاة مكيال، فمن وفى وفي له، ومن طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين، فالصيام وسائر الأعمال على هذا المنوال من وفاها فهو من خيار عباد الله الموفين، ومن طفف فيها فويل للمطففين، أما يستحي من يستوفي مكيال شهواته، ويطفف في مكيال صيامه وصلاته، غدًا توفى النفوس ما كسبت، ويحصد الزارعون ما زرعوا، إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساء فبئس ما صنعوا، وكان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من رده، وهؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (سورة المؤمنون: 60)، وروي عن علي -رضي الله عنه- قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله -عز وجل- يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة المائدة: 27) وعن الحسن -رضي الله عنه- قال: إن الله جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون.

أسباب أخرى للمغفرة:

      تفطير الصوام، والذكر ومنه الاستغفار، ودعاء الصائم يستجاب في صيامه وعند فطره، ومنها استغفار الملائكة للصائمين حتى يفطروا، فلما كثرت أسباب المغفرة في رمضان كان الذي تفوته المغفرة فيه محرومًا غاية الحرمان.

* إذا استكمل الصائمون صيام رمضان وقيامه فقد وفوا ما عليهم، وبقي ما لهم من الأجر.

*كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله، ومع ذلك يخافون من رده.

في آخر الشهر الكريم يعتق الله من النار من أوبقته الأوزار:

     فمتى يغفر لمن لا يغفر له في هذا الشهر؟ متى يقبل من رد في ليلة القدر؟ متى يصلح من لا يصلح في رمضان؟ متى يصح من كان فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان؟ كل ما لا يثمر من الأشجار في أوان الثمار فإنه يقطع ثم يوقد في النار، من فرط في الزرع في وقت البذار لم يحصد يوم الحصاد غير الندم والخسار.

العتق من النيران:

      وأما آخر الشهر فيعتق فيه من النار من أوبقته الأوزار، واستوجب النار بالذنوب الكبار، فإذا كان يوم الفطر من رمضان اعتق الله فيه أهل الكبائر من الصائمين من النار، فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار، ولما كانت المغفرة والعتق من النار كل منهما مرتبًا على صيام رمضان وقيامه أمر الله -سبحانه وتعالى- عند إكمال العدة بتكبيره وشكره، فقال -تعالى-: ﴿لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة البقرة: 185) فشكر من أنعم على عباده بتوفيقهم للصيام، وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم به، وعتقهم من النار، أن يذكروه ويشكروه ويتقوه حق تقاته.

      يا من أعتقه مولاه من النار إياك أن تعود بعد أن صرت حرًا إلى رق الأوزار، أيبعدك مولاك عن النار وأنت تتقرب منها؟ وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها؟ فينبغي لمن يرجو العتق في شهر رمضان من النار أن يأتي بأسباب توجب العتق من النار، وهي متيسرة في هذا الشهر ففي صحيح ابن خزيمة، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله، والاستغفار، وأما اللتان لا غناء لكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار.

     فهذه الخصال الأربع المذكورة في هذا الحديث كل منها سبب للعتق والمغفرة، فأما كلمة التوحيد فإنها تهدم الذنوب وتمحوها محوًا، ولا تبقي ذنبًا، ولا يسبقها عمل، وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار.

     وأما كلمة الاستغفار فمن أعظم أسباب المغفرة، فإن الاستغفار دعاء بالمغفرة، ودعاء الصائم مستجاب في حال صيامه وعند فطره، وأنفع الاستغفار ما قارنته التوبة، فمن استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود وعزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد الشهر ويعود فصومه علیه مردود، وباب القبول عنه مسدود، وأما سؤال الجنة والاستعاذة من النار، فمن أهم الدعاء، وقد قال النبي ﷺ: حولهما ندندن، (رواه ابو داود وابن ماجة). 

ليلة القدر:

      رمضان أوشك على الرحيل، فمن أحسن فيه فعليه التمام، ومن فرط فليختمه بالحسني، قال -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (سورة القدر: 1-3) وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ أنه قال: «شهر رمضان فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» (رواه أحمد والنسائي). 

      وقال الإمام مالك: بلغني أن رسول الله ﷺ: «أري أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرًا من ألف شهر» وأما العمل في ليلة القدر فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة، وقد أمر عائشة بالدعاء فيها أيضًا.

      قال سفيان الثوري الدعاء في تلك الليلة أحب إليَّ من الصلاة، ومراده أن كثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لا يكثر فيها الدعاء، وإن صلى ودعا كان حسنًا. وقد كان النبي يتهجد في ليالي رمضان، ويقرأ قراءة مرتلة، لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل، ولا بأية فيها عذاب إلا تعوذ، فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر، وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها.

      وقالت عائشة -رضي الله عنها- للنبي ﷺ: أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». والعفو من أسماء الله تعالى، وهو المتجاوز عن سيئات عباده، الماحي لآثارها عنهم، وهو يحب العفو، فيحب أن يعفو عن عباده، ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض، فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه، وعفوه أحب إليه من عقوبته.

     وكان النبي ﷺ يقول: «أعوذ برضاك من سخطك، وعفوك من عقوبتك»، (رواه مسلم). وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرون لأنفسهم عملًا صالحًا ولا حالًا ولا مقالًا، فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر.

وأخيرًا وداعًا رمضان:

      عباد الله إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، فمن منكم أحسن فيه فعليه التمام، ومن كان فرط فليختمه بالحسنى، فالعمل بالختام، فاستمتعوا منه فيما بقي من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعوه عملًا صالحًا يعيد لكم به عند الملك العلام، وودعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام، یا شهر رمضان ترفق دموع المحبين تتدفق، قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى وقفة الوداع تطفى من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو من الصيام كل ما تحرق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يطلق، عسى من استوجب النار  يعتق، عسى رحمة المولى لها العاصي يوفق. 

 

الرابط المختصر :