; بشار الأسد.. والتركة الثقيلة | مجلة المجتمع

العنوان بشار الأسد.. والتركة الثقيلة

الكاتب زهير سالم

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-2000

مشاهدات 64

نشر في العدد 1405

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 20-يونيو-2000

يحمل الواقع الذي خلفه الرئيس الأسد في طياته تناقضات ثلاثين عامًا من الكبت والرهق اللذين كانا الملمح العام لسياسته... ومن هنا نجد خلطًا واضحًا عند كثير من المحللين السياسيين بين مفهومي الاستقرار والاستمرار.. حقًا لقد استمر الرئيس السوري في حكم سورية ثلاثين عامًا.. ولكن سورية لم تنعم قط بالاستقرار بالمفهوم السياسي لهذه اللفظة.. فلا يمكن للاستقرار أن يبنى أبدًا تحت سطوة الأجهزة الأمنية أو بسياسة الذراع الحديدية.

يتساءل المراقب اليوم عن الوارث للقصر الجمهوري في دمشق!! أي تركة سيرث وأي واقع مترد متشابك سيواجه وهل سيكون في مكنته أن يخرج من مستنقع المتناقضات قويًا منتصرًا وباي أسلوب سيحقق ذلك..

واقع سورية اليوم.. يذكر بالواقع الذي خلفه تيتو يوم رحل عن يوغسلافيا، أو جورباتشوف بعد تجربته في إعادة البناء.

ولنبدأ ببشار الأسد.. يقولون والعهدة عليهم إن الشاب مثقف ثقافة عصرية، وأنه منفتح على الغرب من خلال حياته في بريطانيا، وأنه مقبل على الحياة بعقلية طبيب العيون الذي يعالج بدقة ورقة فيلتقط القذاة، أو يصل الشبكية محافظًا على لحمة الملتحمة، لأن في التحامها حفظ العين وصيانتها!!

ويلمز بعضهم هذا الجانب في الرجل أو الفتي، فيرون الواقع السوري، بكل تعقيداته أقسى وأصعب من أن يقاد بيديه الطريتين.

في حديثنا عن التحديات التي تواجه الشاب الرئيس، سنقف عند بيت الحكم نفسه (بشار) و (ماهر) و (مجد) و (بشرى آصف شوكت) حيث تناقلت الأخبار أن الخلاف قد امتد بين الأبناء منذ أقل من عام مما دفع ماهرًا إلى إطلاق النار على الصهر اصف، والذي عولج في باريس على مرأى العالم منذ أشهر وتمت (الصلحة( المعروفة التي يخفى فيها أكثر مما يظهر.

وفي دائرة بيت الحكم نفسه، سنجد (رفعت) و (جميل وأولادهم المنزرعين على كل مدرجات الخلاف السلطوي، سنتذكر أيامًا قريبة كان فيها سومر الأسد يتوعد في قناة (ANN) التليفزيونية التي يملكها عمه وابن عمه منددًا بالاستبداد، وذلك على أثر تصفية الجيوب العسكرية لأبيه على الشاطئ السوري، ويقال إن عمليات مكافحة الفساد، ما هي إلا استئناف لملاحقة الموالين للعم رفعت في أجهزة الدولة... وربما نتذكر أن نعيد قراءة القصيدة العصماء التي نشرتها جريدة المحرر على لسان دريد رفعت الأسد.. يتهم فيها أخاه سومر بما نعف عن ذكره في هذا المقام.. وكان إلى «جانب رفعت - على خلاف بينهما - جميل الأسد» صاحب جمعية المرتضى.. التي هوجمت أكثر من مرة، وكذا الصدامات الساحلية المحدودة التي كانت تجري بين أولاد العمومة تحت شعار مكافحة الفساد.

ونخرج من بيت الحكم إلى قاعدته سنصطدم أولًا بزمرة من عتاة الرجال الذين يعتقدون أن حظهم من التركة لا يجوز أن يقل عن حظ رفيق دربهم (حافظ) بل يزعم بعضهم أنه هو الذي حمى النظام وغطاه يوم انكشف سنة ۱۹۸۰م وانتقل به من سياسة المهادنة الحكيمة، إلى سياسات العنف الثوري. وفي هذا الإطار سنواجه أسماء مثل: علي دوبا، وعلي حيدر وعلي الصالح، وعلي الصافي، وعلي أصلان، ومحمد الخولي و.... ولكل واحد من هؤلاء مرتكزاته واتباعه ومناصروه العسكريون والسياسيون والعشائريون.

وننتقل مع ألوان الطيف درجة أخرى، ومازلنا في قاعدة الحكم نفسه لنجد أمامنا .. مجموعة صلاح جديد وأتباعه وأنصاره القائد الذي مات في سجن الرئيس الأسد، كما سنجد أنصار «محمد عمران المقتول غيلة في لبنان، والذي ما يزال أتباعه يتحينون الفرص للثأر له.. وستسمع من (الجزائر) صوت إبراهيم ماخوس ومجموعته الذين ما زالوا في كهفهم منذ الستينيات يؤكدون دائمًا حقهم في السيادة العليا على الدولة والمجتمع والجيش.

وفي إطار قاعدة الحكم.. سنجد مجموعة من المثقفين المتنورين الذين يؤمنون بالوطن، وبالشراكة فيه، ولا تستبد بهم نعرة الاستعلاء السلطوي ويكمن هؤلاء خلف ستور الكبت أو وراء جدران الصمت، وفيهم من شرق وغرب ينتظر فرصة حقيقية ليشارك في صنع خلاص حقيقي للوطن.

وإذ نخرج من قاعدة الحكم إلى إطاره فسنلتقي بمؤسسات الدولة، والحزب، والجبهة حيث سنجد مجموعة من البيروقراطيين الذين نشأت لهم مصالح وعلاقات، والذين يتربصون اللحظة باللحظة لتثبيت مواقعهم، أو حماية مكتسباتهم، ولاسيما بعد أن رأوا رأس (الزعبي) المقطوع.

كل هذه المتناقضات التي كانت بالأمس في جيب الرئيس تدعمه وتقويه، أصبحت اليوم أمام الرئيس الجديد تكيد له، وتتربص به.. إن كل ما ذكرناه حتى الآن إنما يمثل التحديات الداخلية في دائرة السلطة ذاتها.. هذه الدائرة التي كان الرئيس الأسد يرتكز عليها .. أو يركن إليها ...

أما التحديات الحقيقية التي تنتصب بإلحاح على جدول أعمال الشاب الرئيس) فهي:

أولًا: أن يكون قادرًا على أن يثبت نفسه (رئيسًا للجمهورية) بكل ما تعنيه العبارة من معنى، وألا يقنع بأن يكون (مقدم) فئة) أو (أمينًا عامًا للحزب.. وأن يكون المرء رئيسًا لجمهورية له معانيه العميقة التي لا تخفى عن العقلاء.

ثانيًا: أن يكون الرئيس الشاب ابن القرن الحادي والعشرين، إذ لابد أن يدرك من يمسك بمقاليد الأمور الفرق الواضح بين معطيات عام ۱۹۷۰ م - ومعطيات عام ۲۰۰۰م، ربما يجدر أن يكون أقدر على سبر وعي الجماهير، وإرادة الشعب الحقيقية.. وأن يكون قابلًا بأن يشار إليه أو يستدرك عليه.

ثالثًا: أن ينجح الشاب الرئيس في تحقيق صيغة وطنية، تحفظ كرامة المواطن وأمنه، وتشعره بمعنى الشراكة في وطنه، وذلك في إطار من الحريات العامة وسيادة القانون، والاعتراف بالآخر الآخر المكمل، لا الآخر التابع.

إن تجربة أصحاب المليارات الماثلة أمام أعين الجميع، لم تكن وليدة ساعة غفلة، وإنما كانت نتيجة نهج وسياسة غيب فيها الأخيار، واستقطب فيها الأشرار.

وربما من المفيد أن نهمس في هذا المقام ناصحين.. إن الذين بدلوا أمن المواطن خوفًا ... واستنزفوا دموعه واستعذبوا تعذيبه وسجنه وتشريده هم أخطر بكثير من الذين سرقوا رغيف خبزه أو عرق جبينه.. من يستطيع أن يرد على أم معذبة بعض لوعتها ؟! أو على إنسان قضى في أعماق الزنازين بعض سنوات عمره؟!

ومن هنا ومن نافذة نصح إيجابية، مع تحفظنا على كل الإجراءات التي تملأ قلوبنا بالإشفاق على وطن وشعب وتاريخ وحضارة ندعو إلى مواجهة وطنية صادقة لعب المرحلة.. بروح الجد والصدق.. وما أكثر الجادين والصادقين في هذا الوطن.

ويوم يلتحم الوطن بأبنائه على أسس سليمة وقويمة لن يكون مجال للحديث عن تحديات التركة الاقتصادية أو السياسية.. لأن وطننا بتوظيف صادق لقواه المذخورة سيكون قادرًا على تحقيق الكثير.. إذ لابد من تحرير الإنسان.. لنحرر ما هو أكثر من الجولان.

(*)كاتب ومحلل سوري

الرابط المختصر :