العنوان العدد.. والوزن النسبي
الكاتب سمير شطارة
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
مشاهدات 65
نشر في العدد 1425
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
ثمة أفكار تتدافع وتتصارع عند التفكير في المسائل الرياضية والحسابات العقلية وإنزالها على الواقع المادي الحياتي، إلا أن شيئًا من الارتياح سيسود عقول السالكين لتلك العمليات لا لأنها تصب في مصلحتهم، بل لأنها في الغالب ستكون قطعية الثبوت والدلالة، فلذلك تعامل المولى عز وجل في محكم تنزيله مع عقل المسلم بتلك الحسابات المادية، ولم يغفل سبحانه وتعالى عنصر الروح في تلك الأرقام المجردة، فبعد وصف حالة المسلمين وإيمانهم العميق قرر أن عشرين من المسلمين الصابرين يغلبون مائتين من المشركين.. إنها عملية حسابية سهلة، الواحد بعشرة أشخاص، عملية تمزج بين المادة والروح.. فالمشركون آنذاك يتفوقون على المسلمين من حيث الكم والمادة، لكن عنصرًا جديدًا دخل المعادلة الحسابية ليؤثر على مجرياتها ونتيجتها ويخرجها من منطقيتها للوهلة الأولى.
إلا أن الله تعالى وبعلمه المسبق في حال الإنسان وكشفه مكامن الضعف والعجز خفف عن المسلمين وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 66)، وبالتالي أصبحت الأرقام الخاضعة في المعادلة بسيطة التناول والحساب.. فالواحد باثنين، وبقيت هذه السنة الإلهية والمعادلة الربانية هي الغالبة في وصف حال المسلمين مع الإقرار مسبقًا بتفوق المشركين في العدد والعدة.
وجاءت آيات القرآن الكريم منسجمة ومتناسقة مع «المعادلة الربانية»، وأكدت أن المؤمنين الصابرين على قلة عددهم هم المنصورون، وأضحى قول مؤمني القلوب، قال تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249)، قانونًا وناموسًا كونيًا تتوقف عنده جميع أجهزة الحاسوب، وتتعطل إزاءه العقول البشرية القاصرة.
إن الناظر في حال العالم الإسلامي اليوم والذي ينتشر في أكثر من 55 دولة ويبلغ تعداد أتباعه مليارًا وربع المليار مسلم في أرجاء المعمورة - قريب من ثلث سكان الأرض - تتقاطع عنده الأمور، وتتشابك في عقله النتائج، وفي أحسن حال تختلط عنده الأوراق.. بالطبع؛ فإن ثلث سكان الأرض قادرون على فرض السيطرة وسيادة العالم، ولكن ثمة ظاهرة خبيثة دبت في صلب الأمة وفي مستويات عدة بدءًا بالبيولوجيا.. وانتهاء بالحضارة.. ومرورًا بغياب المناخ الحر وتجميد «العقل الجمعي» وبروز الثقافة الفردية، فالمسلمون لا يعانون من قلة الأذكياء وأصحاب الملكات والكفاءات العالية، ولكنهم ورطوا أنفسهم في أمراض نرجسية أسهمت في عبادة الذات الفانية، وفي مثل هذه الأجواء من التشرذم والأحادية التي لا تسمح ببزوغ العبقريات الجماعية: تعملقت الاستبدادات الفردية وأدخلت الأمة بأسرها في عقدة «الكمال».. وعقدة «النقص».. وعقدة «العدد».. ولذلك قلبت المعادلة رأسًا على عقب، فالكافر الواحد بعشرة مسلمين، والعشرون يغلبون مائتين..
وتحسبًا لما سيقع به المسلمون من عقد فسيولوجية مزمنة - كما هو الحال الآن - تعامل الإسلام بمصادره كافة «القرآن والسنة» بحكمة بالغة، وبمنطقية رياضية واقعية، ومزجها بعناصر أخرى مثل «الصلاح، التقوى، الصبر، الطاعة، نصرة المسلمين»... لتكون أدوات في تلك المعادلة الرقمية، وغض الطرف بشكل تلقائي عن عقدة «الكثرة والقلة»، وأكد على الأدوات الجديدة التي دخلت المعادلة الرياضية.
ولقد فهم الرعيل الأول «الذكي» تلك المعادلة بوضوح تام، ولذلك تساءل أحد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند استشراف الرسول لمستقبل المسلمين ووصفه حالة الهوان والذل والانهزام، قائلًا: أو من قلة يومئذ نحن يا رسول الله!! «وهذا السؤال استنكاري أكثر من كونه استفهاميًا، حيث إن الصحابة الأقل عددًا انتصروا على الكثرة الكاثرة من المشركين» فقال له صلى الله عليه وسلم: لا.. بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل.