; إلام ندعو.. وكيف؟ حقيقة التوحيد | مجلة المجتمع

العنوان إلام ندعو.. وكيف؟ حقيقة التوحيد

الكاتب محمد سلامة جبر

تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1973

مشاهدات 10

نشر في العدد 138

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 20-فبراير-1973

﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّاۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ* رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: 8-9).

كل دليل في القرآن على التوحيد، فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد، ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد، قال ابن عباس رضي الله عنه: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه وتوحيده. شفاء العليل لابن القيم الباب الثالث عشر.

«الله غايتنا»

أي: توحيده..

فالتوحيد غايتنا.. يعني: «لا إله إلا الله» هي الغاية..

والتوحيد لب العبادة.. فإذا خلقنا للعبادة فإنما خلقنا للتوحيد..

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56) أي ليوحدون وقيل: ليعرفون.. والمعنى واحد..

﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران: 83) أي: له خضع من في السماوات والأرض، فخضع له بالعبودية، وأقر له بإفراد الربوبية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية. هكذا قال الطبري في تفسير الآية..

فإذا كانت هذه هي الغاية، فكل ما عداها مما يبدو أنه غايتنا فليس إلا من وسائلنا..

وإذا كان العمل للغاية لازمًا، ففهمنا لحقيقتها ألزم..

وإذا كانت الدعوة لها واجبة، فإدراكنا لكنهها وأسرارها أوجب..

إذ العمل فرع الاعتقاد.. والجهاد يتلو المعرفة..

«الذين آمنوا وعملوا الصالحات» وليس الذين عملوا الصالحات ثم آمنوا..

ورحم الله من قال: «عمل بلا علم جنون، وعلم بلا عمل لا يكون»

والعلم بمجرده قربة إلى الله تعالى بينما كثرة العمل بغير علم لا تبلغ بصاحبها منازل المقربين فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم قوله «فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي» رواه الترمذي وقال حسن صحيح.

وشرف كل علم بشرف معلومه، فليس العلم بطب الحيوانات كالعلم بطب الإنسان، وليس العلم بطب الأجسام كالعلم بطب القلوب، إذ الفائت بمرض البدن سعادة الدنيا، بينما مرض القلوب يفوت سعادة الأبد ونسأل الله المعافاة من كليهما..

إذا اتضح هذا فالعلم بحقيقة التوحيد أشرف العلوم، لأنه العلم بالله سبحانه وحسبك بذلك شرفًا ورفعة..

وقد انتهيت في العدد الماضي من تقرير معنى «ألا كل شيء ما خلا الله باطل» وهو بعض معاني «لا إله إلا الله» واليوم أشرع بعون الله في بيان معنى «لا فاعل إلا الله»

«لا حول ولا قوة إلا بالله»

كل حركة في الكون فهي «حول»..

وكل «حول» مُفتقر إلى قوة تحدثه وليس في الكون حركة حادثة ولا قوة محدثة.. إلا بالله.. فلا حول ولا قوة إلا بالله..

وهذه الكلمة جزء معنى «لا إله إلا الله» ومعناها كما قررته محل إجماع الأمة بلا خلاف إلا من شذ وابتدع من الطوائف المعروفة في تاريخ العقيدة الإسلامية.

قال الإمام ابن القيم في تقرير هذا المعنى: وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي موسى الأشعري: «ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله» وقد أجمع المسلمون على هذه الكلمة وتلقيها بالقبول وهي شافية كافية في إثبات القدر وإبطال قول القدرية وفي بعض الحديث: «إذا قالها العبد قال الله تعالى أسلم عبدي واستسلم» وفي بعض «فوض إلى عبدي».

إلى أن قال رحمه الله: العالم العلوي والسفلي له تحول من حال إلى حال وذلك التحول لا يقع إلا بقوة يقع بها التحول، فكذلك الحول، وتلك القوة قائمة بالله وحده ليست بالتحويل، فيدخل في هذا كل حركة في العالم العلوي والسفلي وكل قوة على تلك الحركة، سواء كانت الحركة قسرية أو إرادية أو طبيعية، وسواء كانت من الوسط أو إلى الوسط أو على الوسط، وسواء كانت في الكم أو في الكيف أو في الأين، كحركة النبات وحركة الطبيعة وحركة الحيوان وحركة الفلك وحركة النفس والقلب، والقوة على هذه الحركات التي هي حول فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولما كان الكنز هو المال النفيس المجتمع الذي يخفى على أكثر الناس، وكان هذا شأن الكلمة، كانت كنزا من كنوز الجنة فأوتيها النبي صلى الله عليه وسلم من كنز تحت العرش، وكان قائلها أسلم واستسلم لمن أزمة الأمور بيديه وفوض أمره إليه. (شفاء العليل الباب السادس عشر).

ثمرة هذا التوحيد

إذا تمكن هذا التوحيد من نفس المؤمن، واستيقن به قلبه، وعلم أنه لا فاعل إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أثمر هذا الاعتقاد في قلبه إسلامًا لربه وتوكلًا عليه، وثقة به سبحانه ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم﴾ (هود: 55- 56) ثم علل هود عليه السلام هذا التوكل بقوله: ﴿مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56).

ومما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدعاء قوله: «اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت» والتوكل يمنح المؤمن قوة لا يعرفها إلا من توكل على الله حق توكله.

وهذا سر قوة الصديق رضي الله عنه وإصراره على إنفاذ بعث أسامة وحرب المرتدين ومانعي الزكاة على السواء، لأنه رضي الله عنه كان في أعلى مقامات التوكل والثقة بوعد الله بنصر دينه وإعلاء كلمته، حتى لو وزن إيمانه الأمة لرجحهم كما قال عمر رضي الله عنه.

ويقول الإمام الغزالي في تقرير هذا المعنى:

فإن ثبت في نفسك بكشف أو باعتقاد جازم أنه لا فاعل إلا الله - كما سبق - واعتقدت مع ذلك تمام العلم والقدرة على كفاية العباد، ثم تمام العطف والعناية والرحمة بجملة العباد والخلق وأنه ليس وراء منتهى قدرته قدرة، ولا وراء منتهى علمه علم، ولا وراء منتهى عنايته بك ورحمته لك عناية ورحمة، اتكل لا محالة قلبك عليه وحده، ولم يلتفت إلى غيره بوجه، ولا إلى نفسه وحوله وقوته، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله كما سبق في التوحيد عند ذكر الحركة والقدرة، فإن الحول عبارة عن الحركة، والقوة عبارة عن القدرة، فإن كنت لا تجد هذه الحالة من نفسك، فسببه أحد أمرين: إما ضعف اليقين بإحدى هذه الخصال الأربع، وإما ضعف القلب ومرضه باستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بسبب الأوهام الغالبة عليه، فإن القلب قد ينزعج تبعًا للوهم وطاعة له عن غير نقصان في اليقين، فإن من يتناول عسلًا فشُبّه بين يديه بالعذرة ربما نفر طبعه وتعذر عليه تناوله، ولو كلف العاقل أنه يبيت مع الميت في قبر أو فراش أو بيت نفر طبعه من ذلك، وإن كان متيقنًا بكونه ميتًا وأنه جماد في الحال.

إلى أن قال رحمه الله: ومع أنه لا يشك في هذا اليقين ينفر طبعه عن مضاجعة الميت في فراش أو الميت معه في البيت ولا ينفر عن سائر الجمادات، وذلك جبن في القلب وهو نوع ضعف قلما يخلو الإنسان عن شيء منه وإن قل وقد يقوى فيصير مرضًا حتى يخاف أن يبيت في البيت وحده مع إغلاق الباب وإحكامه، فإذن.. لا يتم التوكل إلا بقوة القلب واليقين جميعًا إذ بهما يحصل سكون القلب وطمأنينة فالسكون في القلب شيء واليقين شيء آخر فكم من يقين لا طمأنينة معه كما قال تعالى لإبراهيم عليه السلام ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (انتهى بنصه: الإحياء ح-4 ص 254).

فإن قلت: قد فهمنا أن من معاني «لا إله إلا الله» لا فاعل إلا الله. وأن «لا حول ولا قوة إلا بالله» تؤدي هذا المعنى، ولكن.. ما يمنع أن يكون المعنى أن الله أودع في الأشياء خصائصها وآتاها القدرة على الفعل والتأثير فهي فاعلة بما أودع الله فيها من قوى وهذا كما نرى لا يتعارض مع كون الله خالقًا للكل كما لا يتعارض مع كلمة «لا حول ولا قوة إلا بالله»؟!

قلت: هذا يا أخي من تلبيس إبليس فاحذر، فإن العقائد إنما تؤخذ بالتلقي وليس للعقل إلا رؤيتها في ضوء ما ورد به الشرع وليس بعد بيان الشرع بيان وأمر آخر..

إن ما نص عليه الشارع من أمر العقيدة خاصة، وفهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه معين، وتابعهم على ذلك الفهم سلف الأمة الصالح، فليس لأحد من بعد أن يزعم أن له رأيًا خاصًا به وفهمًا يطمئن قلبه إليه يخالف به إجماع سلف الأمة الراشد وخلفائها المهديين..

وقد انعقد الإجماع على أن الأحداث تقع بقدرة الله لا بما أودع الله في الأشياء من قوى بل لا قوة لشيء أصلًا إلا بالله، فالله سبحانه وتعالى المتفرد بالخلق والإيجاد لا شريك له في ذلك البتة، وفي هذا يقول صاحب الجوهرة:

ومن يقل بالطبع أو بالعلةِ                                        فذاك كفر عند أهل الملةِ

ومن يقل بالقوة المودعةِ                                            فذاك بدعي فلا تلتفتِ

والمعنى أن من زعم أن النار مثلًا تحرق بطبعها أو أنها علة مباشرة للإحراق وليس لله من ذلك شيء فقد كفر لأنه نسب التأثير بالكلية لغير الله وهو قول الدهريين من الفلاسفة الذين يقولون ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾.

أما من يزعم أن النار وكافة الأشياء إنما تؤثر بما أودع الله فيها من قوى فذاك مبتدع فلا تلتفت لما يقول وهذا معنى قوله:

ومن يقل بالقوة المودعة                                            فذاك بدعي فلا تلتفت

والذين قالوا بالقوة المودعة هم المعتزلة ومن رافقهم من بقية الفرق الضالة أما إجماع أهل السنة فعلى خلافهم والحمد لله فتنبه.

وأحب أن أختم كلمتي بهذا القول الجامع للإمام الغزالي يقرر فيه ما سبق ذكره فيقول في باب حقيقة التوحيد من الإحياء حـ4 ما نصه:

وحاصله أن ينكشف لك أن لا فاعل إلا الله تعالى وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك مما ينطلق عليه اسم فالمنفرد بإبداعه واختراعه هو الله عز وجل لا شريك له فيه وإذا انكشف لك هذا لم تنظر إلى غيره بل كان منه خوفك وإليه رجاؤك وبه ثقتك وعليه اتكالك فإنه الفاعل على الانفراد دون غيره وما سواه مسخرون لا استقلال لهم بتحريك ذرة من ملكوت السماوات والأرض وإذا انفتحت لك أبواب المكاشفة اتضح لك هذا إيضاحًا أتم من المشاهدة بالبصر وإنما يصدك الشيطان عن هذا التوحيد في مقام يبتغي به أن يطرق إلى قلبك شائبة الشرك. (انتهى بنصه).

قلت: ولعلنا الآن ندرك حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم «من قال لا إله إلا الله صادقًا من قلبه دخل الجنة» ولا نستكثر على من قالها مؤمنًا بها دخول الجنة فما هي بالشيء الهين ولا بالأمر اليسير غير أنه يسير على من يسره الله عليه.

﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَّبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: 8-9) اللهم آمين.

الرابط المختصر :