العنوان (رجال ومواقف )اللواء مصطفى كامل أبو دومة مثال للشرف والأمانة والقوة في الحق
الكاتب رشاد محمد البيومي
تاريخ النشر السبت 05-سبتمبر-2009
مشاهدات 121
نشر في العدد 1868
نشر في الصفحة 28
السبت 05-سبتمبر-2009
الرجل هو اللواء
مصطفى كامل عطية أبو دومة. بلده: قرية أم دومة
بصعيد مصر. عمله أثناء الحدث: كان برتبة النقيب - وكيلا لسجن أسيوط ١٩٥٧ - ١٩٥٨م.
لا نستطيع الحكم
على أمر ما إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار الظروف التي أحاطت به.. كما لا يمكن تقويم أداء أبطال الحدث إلا إذا كنا
مدركين لطبيعة وظروف الجو المحيط بهم.
كان ذلك في أواخر
العقد السادس من القرن الماضي.. تلك الفترة المعتمة المفعمة بالسواد الحالك.. فالكل يشك فيمن حوله، ولا يملك الفرد أن يثق في ولده أو أبيه، فالجدران
تسمع، والكل جاد كتابة التقارير
الأمنية تقربًا وتزلفًا.
محطات الانتقام
وكان لعبد الناصر
صـولاته وجولاته ومؤامراته في العالم العربي.. فقد كان يدبر مؤامرة ضد الملك الحسين بن طلال
ملك الأردن.. وكان للأخ
المجاهد كامل الشريف دوره في إحباط هذا المخطط.
ولم يجد
عبدالناصر ما ينفث فيه جام غضبه وينتقم لفشل مؤامرته إلا الإخوان في السجون.. وكانت أولى محطات الانتقام في «طره»، حيث استشهد فيها ٢١ من الإخوان، وجرح ۲۸ فأمر بمواصلة الحملة في سجني أسيوط والواحات. وتشكلت الحملة الأولى من العميد «عبد المنعم موسى» لسجن أسيوط.. والثانية بقيادة اللواء «همت» ومساعده الصول «لاشين».
أما الكتيبة
الثانية فما أن وصلت الواحات حتى أصيب اللواء «همت» بـ «دوسنتاريا» حادة أفقدته وعيه .. ولم يجد من يعالجه إلا أطباء الإخوان.. وصرف اللـه بـذلـك عـن إخوان الواحات ما دبر لهم
..
أما كتيبة الشر
الأولي، فقد وصلت إلى سجن أسيوط.. وكنا دائما نكلف أحد الإخوة الذين تطل زنازينهم على حوش السجن بملاحظة إذا
كان هناك حملات تفتيش حتى نستطيع مداراة ما يمكن إخفاؤه عن أعين حملات التفتيش.. وفي هذا اليوم أشار الأخ معلنًا بأن هناك حملة كبرى..
الاستعداد
للمواجهة
وفجأة فتح باب
العنبر، وعرفنا هذا من صرير الباب، وتلا ذلك صوت الأقدام على السلالم الحديدية.. وتوقفت الأقدام في الدور الثاني «مكان الإخوان»، وتتابعت حتى توقفت أمام الزنزانة التي أقيم
فيها، وفتح الباب ودخل النقيب مصطفى أبو دومة وكيل السجن آنذاك وأغلق الباب بظهره.. وبنبرة حاسمة جادة طلب مني أن أبلغ الإخوان أن
يحذروا من أي احتكاك أو إعطاء أي فرصة للمواجهة.. وخرجت مهرولا، وتم التنبيه على الإخوة وعدت إلى
الزنزانة.. وتم إغلاقها وانصرف.
لم تمض لحظات إلا
وقـوات السجن بكاملها وعلى رأسها العميد «عبدالمنعم موسى» والمأمور تهاجم الدور الذي به الإخوان، حيث يتم
إخراج الإخوة من الزنزانة .. وتتم الحلاقة «زيرو»، وتجمع جميع المتعلقات باستثناء برش وبطانية
وغيار واحد .. وتؤخذ المتعلقات
لتلقى في المحرقة المعدة في حوش السجن، وتمت سرقة كل ما خف حمله وغلا ثمنه .. لم نكن ندري سببًا لما حدث, فقد تبع ذلك منع المراسلات والزيارات, ولكن ما لفت النظر أن النقيب «مصطفى» كان الذي تولى «نوبتجية» فتح السجن
وإغلاقه لمدة أسبوعين متتاليين, وكان يحضر كل يوم صباحا إلى عنبر الإخوان، وينتحي على كرسي جانبًا حتى
يحين وقت إغلاق السجن فينصرف.. وقد يعود في بعض الأحيان ليلا .. ولم نعرف حقيقة ما حدث إلا بعد أن هدأت الأحوال نسبيًا.
الضرب في المليان: لقد عرفنا تلك
الصورة المأساوية التي إن دلت على شيء فإنما تدل على فجر الخصومة الذي يصل إلى هذا
الحد من التدني .. فقد وصل العميد «موسى» إلى السجن واجتمع بالمأمور وطلب منه قوة السجن كاملة بالسلاح داخل حوش
السجن «مع أن هذا يتنافى
تمامًا لائحة السجون التي تحرّم دخول السلاح إلى داخل السجن», واصطف الجنود حاملين أسلحتهم، ووقف بينهم سيادة
العميد خطيبًا، محرضا لهم: «عليكم بالضرب في المليان في الإخوان», وصمت الجميع, لكن صوتا قويا ثابتًا واثقًا في الله دوى في
المكان، وخرج من النقيب مصطفى محذرًا: «أنا الذي سأقتل من يتعرض لهؤلاء العزل .. ما ذنب هؤلاء»... وذهل الجميع، وحاول العميد والمأمور إثناءه عن
ذلك, دون جدوى, وكان مصطفى يستمد قوته أولًا من إيمانه بالله, وثانيا من قوة أسرته وأصالتها في الصعيد «عائلة أبو دومة»، ويعي الجنود هذا جيدًا، فإنهم كانوا بقدر حبهم
وتقديرهم لمصطفى يخشونه ويخشون عائلته بسطوتها وجبروتها.
انسحب الجميع.. وظل مصطفى يحرسنا مع رعاية الله ١٥ عشر يومًا .. ونجى الله الإخوان من شر هذا المخطط.
ومن المواقف التي
لا تنسى لهذا الرجل أنه رفض التصويت بنعم في أول استفتاء لعبد الناصر، رغم توسلات
رئيس لجنة الانتخابات خوفًا
على نفسه.
لقد أُعفي مصطفى
من منصبه وأحيل إلى التقاعد, ثم أعيد إلى سلك الشرطة برتبة اللواء حتى أنهى مدة خدمته نموذجًا للشرف
والأمانة والقوة في الحق.
([*] ) عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين