; بعد مقابر صدام وبعث العراق «كابوس» المقابر الجماعية يلاحق البعث السوري | مجلة المجتمع

العنوان بعد مقابر صدام وبعث العراق «كابوس» المقابر الجماعية يلاحق البعث السوري

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 05-يوليو-2003

مشاهدات 51

نشر في العدد 1558

نشر في الصفحة 18

السبت 05-يوليو-2003

العفالقة يسابقون الزمن لإخفاء جريمتهم: إجراءات تحت جنح الظلام لإزالة المقابر الجماعية في منطقة «حمام الحلق».. والجرافات تنبش مقابر مدينة «تدمر» وتوزع رفاتها على المقابر العادية.

«حماة».. مذبحة العصر.. سقط فيها 25 ألف شهيد وسرهم يرقد هناك في المقابر الجماعية.. سر التعذيب والسحل في الشوارع وحرق البشر أحياء وقلع عيونهم وتكسير ضلوعهم قبل قتلهم!

صحيفة «لوماتان»: في سورية.. الإرهابي رقم واحد هو الدولة.

شارل بوبت: رأيت جثثًا تُجر من أرجلها وأخرى محمولة على الأكتاف.. أطفال تسيل منهم الدماء.. أجساد متفسخة وتنبعث منها رائحة قاتلة.


بعد أن كشفت تلال المقابر الجماعية عن دموية ووحشية النظام البعثي في العراق.... امتدت الأبصار إلى الأراضي السورية، حيث «بعث سورية»... منتظرة أن تخرج الأرض ما في بطنها, وتنطق بعد صمت طويل بما تحويه من مقابر مشابهة... لكن النظام يسابق الزمن لمحو آثار تلك المقابر بأية طريقة، وفي سرية تامة، وبمحايلات وتمويهات مكشوفة، عله يفلت من الفضيحة الكبرى.

فلم يكن عجبًا أن يصحو المواطنون في مدينة حماة ليجدوا أن مكان «حمام الحلق»، وهو حمام تركي في سوق الطويل, وسط مدينة حماة التاريخية، قد سور بليل، وبدأت فيه أعمال صيانة تحت جنح الظلام، ولا يسمح لأحد بالاقتراب منه، وكل ذلك يتم تحت شعار «إعادة تأهيل الحمام» لأنه يمثل معلمًا أثريًّا مهمًا... لكن السؤال الأهم، الذي يثور حول هذا الموضوع: أين كانت حمية الاهتمام بالآثار، والرغبة بإعادة التاهيل خلال العشرين سنة الماضية؟؟!

يقول الراوي: إن «حمام الحلق» موقع تاريخي مهم بالفعل، ولكنه لا يكتسب أهميته من كونه أثرًا، وإنما لكونه يمثل الشاهد الدامغ على جريمة العصر في سورية، ففي هذا الحمام ارتكبت مجزرة بشعة، وتحت أنقاضه مقبرة جماعية حيث هدم هذا الحمام على مئات من المواطنين الأحياء، ومن مختلف الأعمار، كانوا قد حبسوا فيه أثناء أحداث حماة عام 1982 م، وإن لم يكشف عنه إلا قبل أيام، وإن الرغبة في إزالة آثار الجريمة النكرة- بعد انکشاف المستور في العراق- هو السر الحقيقي وراء ما يسمى بأعمال الصيانة وإعادة التأهيل التي تجري اليوم في الحمام، ويفيد العديد من شهود العيان، أن أعمالًا مشابهة تجري في مدينة تدمر، حيث تنبش الجرافات المقابر الجماعية, وتوزع رفات من فيها على مقابر عادية، تحت جنح الظلام، وقد منع المواطنون من الاقتراب من هذه الأماكن.

هذه إنجازات البعث وحضارته التي ورثها الآباء لأبنائهم حيث قاموا بقتل الآلاف عام 1980م، وما تلاها من أعوام، ويأتي الأبناء اليوم ليحاولوا طمس جرائم الأب والعم، ولئن ظهر مستور البعث وإجرامه في العراق، فلسوف يأتي اليوم الذي تظهر فيه فضائحه وجرائمه في سورية التي هي بلد العروبة والإسلام، وليست بلد وحش طائفي متعصب حاقد.

وإلى أن تتكشف حقائق تلك المقابر الجماعية يومًا، نعود إلى سجلات التاريخ الموثقة لنسلط الضوء على تلك المجازر الجماعية التي ارتكبها النظام السوري عام 1982م، وما تلاه من أعوام، وهي المجازر المسطرة بأقلام وشهادات شهود العيان من السوريين والمراقبين الأجانب في التقرير الصادر عن التحالف الوطني؛ لتحرير سورية في فبراير 1982م، تحت عنوان: «مجزرة حماة... القصة الحقيقية بالأسماء والوقائع والأرقام والصور لأكبر مجزرة في تاريخ العصر الحديث».

حماة.. مذبحة العصر

في مساء الحادي عشر من شهر فبراير عام 1982 م، فغر آلاف المشاهدين على شاشات التلفاز في أنحاء العالم أفواههم دهشة لدى سماعهم خبرًا مقتضبًا يقول إن مذبحة تجري في مدينة صغيرة وسط سورية، منذ أحد عشر يومًا بالتحديد، وأن حربًا حقيقية تشنها القوات الموالية للحكومة على سكان تلك المدينة تدور رحاها هناك.. ودون أن يعلم بذلك أحد.

أحد عشر يومًا والمذبحة مستمرة، ولا خبر، لم يسمع سكان هذا الكوكب الذي نعيش عليه شيئًا، لولا تصريح عابر من مسؤول في دولة كبرى تلقفته وكالات الأنباء العالمية فرددت أصداءه في كل أنحاء العالم.

بعد مرور أحد عشر يومًا, إذًا بدأ بعض الناس يعون أن مذبحة رهيبة تجري وسط سورية، وفي مدينة حماة بالتحديد، مذبحة استمرت طبعًا بعد إذاعة النبأ حتى نهاية شهر «فبراير».

أيام قليلة فقط استمر حديث الصحف وشبكات التلفاز, عن الأحداث، ثم أسدل الستار من جديد- ستار الصمت والنسيان- على تلك الكارثة المروعة.

ولكن... كل ما قيل وما كتب حتى الآن حول هذه المأساة لا يمثل إلا جزءًا بسيطًا من الحقيقة المذهلة.

الحقيقة الكاملة، حملها معهم إلى القبور أولئك الذين قضوا تحت أنقاض منازلهم.. السر الكبير يرقد هناك في المقابر الجماعية: التعبير الفاجع عن «الحضارة الجديدة» للطغمة العسكرية الحاكمة في سورية، حقيقة الحصار والجوع والعطش, والخوف والتعذيب, والسحل في الشوارع, وحرق البشر وهم أحياء, وقلع العيون وكسر الأضلاع، لا يمكن أن يعبر عنها إلا من كابدها وعاناها- وهؤلاء لم يعودوا بيننا وهنا تكمن المأساة.

والحقيقة أيضًا حملها بعض من بقي من الأحياء ممن تيسر لهم أن يروا الأحداث عن كثب، وأن يعايشوها آلامًا ومرارة ومعاناة, عما سمعوه وعانوه ورأوه, وهي ستكون موضوع هذا التقرير.

ولكن... هل يمكن للكلمات أن تصور للقارئ ما جرى بالتحديد في تلك الليالي السود من شهر شباط؟

هل سمعتم بالطفل يذبح أمام والديه ويلقى به في حديقة المنزل وهو يستغيث ويتخبط بدمه- قبل أن يلفظ أنفاسه- ولا أحد من أهله يجرؤ حتى على الصراخ!؟

هل أخبركم أحد عن ذلك الأعمى الذي ظل يصرخ بعد أن ذبحوا سكان حيه وتركوه وحده يحترق في منزله، ورجع صداه ألسنة اللهب؟!.

هل نبئتم بخبر تلك الفتاة التي أتوا يطلبون أخاها فلما وجدوه قتلوه, وحينما صرخت جزعًا على أخيها «كوموها» قتيلة فوقه؟!.

شيء فوق الوصف... وفوق طاقة التعبير...!

هنا تتوارى البلاغة خجلًا أمام الوقائع الفظيعة.. وينتحر البيان؟

كان هنالك ستار حديدي مضروب حول المدينة طوال شهر الأحداث.

ولا صورة، ولا صورة حية تسربت.. فقط الأخبار.. ولكن أين سطوة الكلمة من سطوة الصورة؟

كل الصور التي تسربت، كانت بعد انتهاء المجزرة بزمن, بعد أن أخفت السلطة الجريمة، حيث قامت جرافات النظام بدفن كل القتلى والأموات في حفر جماعية، ولم يبق للصور والمصورين إلا أطلال المدينة والخرائب.

ماذا عن الشهداء؟

يقولون ستة آلاف قتيل ويقولون عشرة آلاف- والحقيقة أنهم تجاوزوا الخمسة وعشرين ألف شهید.

«ويقولون إن مزع الإنسان خليط في أكوام الردم, ويتحدثون عن صدى الأنين البشري من تحت الأنقاض, وعن الرعب في وجوه أطفال فارقت أجسادها بعيدًا في العراء».

إن مذبحة حماة سلسلة طويلة في حلقة بدأت من زمان «بالذبح المنفرد» وانتظمت في السلسلة مذبحة تدمر.

ولنعد قليلًا إلى الوراء لنتذكر مذابح أخرى قبل أن نواصل تفاصيل مذبحة حماة.

في 16 من تشرين ثاني / نوفمبر 1970م، بدأ عهد جديد في سورية مختلف نوعيًا عن كل العهود السابقة منذ الاستقلال حتى الآن.

وفي أول بيان للحركة التصحيحية التي قادها، تحدث الأسد عن برنامجه مغدقًا الوعود للشعب السوري: الديمقراطية، حرية المواطن، وحرية الوطن، جبهة وطنية تضم القوى السياسية الفاعلة، إعداد دستور دائم للبلاد, والاستعداد العسكري لاسترجاع الأراضي المحتلة... إلخ.

كان الإعلان عن هذه البنود محاولة ذكية، فهي تعبر فعلًا عن أماني الجماهير وتتبنى شعاراتها، ولكن كان ذلك شكليًّا فقط- ليسهل فيما بعد نسفها من الداخل- ونزلت الجماهير في المدن إلى الشوارع لتستقبل «المخلص» و «المنقذ» الجديد، بحماسة لا بأس بها.

وفي مدينة حماة بالذات- التي سيدمرها فيما بعد- حملته الجماهير على الأعناق ونحرت على قدميه الذبائح والقرابين، تعبيرًا عن الالتزام بهذه الأهداف المعلنة، وهذا دليل قاطع على أن جماهيرنا في سورية- وفي حماة بالذات- بعيدة عن الطائفية, وتنطلق في ولائها أو معاداتها للنظم على أساس سياسي بحت, وليس لأية اعتبارات أخرى.

سارت الأمور كيفما اتفق حتى حرب أكتوبر 1973 م.

لم ينفذ الأسد من وعوده شيئًا وما نفذه كان مفرغًا من المضمون، بدل الديمقراطية تضاعفت أعداد المخابرات، الدستور الدائم للبلاد كان هو أول من تخطاه ونسفه بالممارسات العملية، و«الجبهة الوطنية التقدمية» التي كونها كانت كرتونية وكاريكاتورية.

وبدأ إحساس غامض يخالج وعي الجماهير أن الحاكم الجديد يتمتع بصفة جديدة هي «الازدواجية»، له ظاهر وله باطن مختلفان عن بعضهما تمامًا، سرق شعارات الجماهير وتبناها شكليًّا ليسهل عليه- فيما بعد- نسفها من الداخل.

أيام قليلة بعد حرب أكتوبر, وتبدأ الخطوط, والخطوط المتشابكة تتكشف شيئًا فشيئًا.

13 أبريل 1975م، بداية الحرب الأهلية اللبنانية، هنا يبدو النظام السوري لأول مرة على حقيقته سافرًا تمامًا: لغم موقوت داخل الأمة، وحصان طروادة داخل حركة التحرر العربي، تحت أعذار واهية يدخل أسد قواته إلى لبنان لتتصدى للمقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، ولتنفذ أول مجزرة ضد الفلسطينيين في تل الزعتر، المجزرة رقم 1 للنظام السوري التي ستليها مجازر، كان كثير من القذائف التي تتساقط  فوق رؤوس المدنيين الفلسطينيين من النساء والأطفال من صنع معامل الدفاع السورية!!.

إن مجزرة تل الزعتر التي اشترك فيها حافظ أسد, مع اليمين اللبناني الفاشي, كانت «أول الغيث» في سلسلة المجازر التي سيرتكبها فيما بعد في لبنان والداخل السوري.

وفي سنة 1980م  حين حلت الذكرى السادسة عشرة لحركة الثامن من آذار/ مارس كانت المدن السورية كلها تقريبًا في حالة إضراب شامل ضد النظام، والحياة العامة في حالة شلل شبه كاملة.

ونزلت الجماهير إلى الشارع تطالب بالحرية وتحركت النقابات المهنية وبعثت بمذكرات إلى رأس النظام، تطالب بإنهاء الأحكام العرفية وقانون الطوارئ الجاثم على البلاد منذ سبعة عشر عامًا بالتحديد، وتحركت الأحزاب والقوى السياسية تطالب بإتاحة الديمقراطية للشعب وإنهاء التسلط الفردي والعسكري.

فماذا كان جواب النظام؟

بدل أن يستخلص أسد الدروس من هذا التحرك الشعبي الهائل، أتي الرد من قبله مزيدًا من القمع ومزيدًا من الطغيان.

وهكذا تحول عام 80 إلى عام مواجهة شاملة في المدن والأرياف بين الشعب والنظام، ولقد لجأ النظام إلى استخدام كل أسلحته في مواجهة الغضب الشعبي العارم، ولكن ذلك لم يجد فتيلًا.

وهنا لجأ إلى الحل الجنوني... فقد رج بقواته المسلحة في الداخل وتركها لتستبيح مدنًا بأكملها، ولترتكب أفظع المجازر في تاريخ سورية الحديث، وتتابعت الضحايا بالمئات، بل بالآلاف وأغرقت سورية في بحر من الدم والجريمة المنظمة.

لا يتسع المجال هنا للحديث عن كل آثام النظام وبالتفصيل... إن ذلك يلزمه مجلدات.

لذا سنكتفي هنا بالمرور سريعًا فوق الأحداث لنستعرض مع القارئ أهم إنجازات حافظ أسد, وطغمته في الميدان «الحضاري والإنساني»- وللذكرى فقط:

1- مجزرة جسر الشغور: قصفت المدينة بالطيران... عشرات الجثث تحت الأنقاض، وإعدامات ميدانية.

2- مجزرة سرمدا: قرية صغيرة في محافظة حلب أحاطت بها الوحدات الخاصة, وتم إعدام قسم من أهلها في مدرسة القرية بتهمة إيواء بعض رجال المعارضة الوطنية.

3- مجزرة حي هنانو في حلب: بحجة أن عيارًا ناريًّا انطلق من الحي, فأصاب أحد العناصر العسكرية... نزلت الوحدات الخاصة إلى هذا الحي، وجمعت كل من كان فيه وأعدمتهم جميعًا: 90 إنسانًا!.

4- مجزرة تدمر: وهي أخس المجازر وأشدها نذالة على الإطلاق، ووقعت بتاريخ 25 يونيو عام 1980 م، حين قام بعض ضباط الحرس الجمهوري بمحاولة اغتيال حافظ أسد، وفي اليوم التالي توجهت تحت إشراف شقيقه رفعت أسد 12 طائرة هيليكوبتر من مطار حماة إلى سجن تدمر العسكري تحمل كل منها 30 عنصرًا من سرايا الدفاع, فطوقت السجن وأخرجت الحراس منه، ثم طلبت إلى المعتقلين السياسيين أن يتجمعوا لتتأكد من وجودهم جميعًا، وبعد إجراء التفقد وإيهامهم أنها ستطلق سراحهم، فاجأتهم بإطلاق النار عليهم بكل وحشية ومن كل الجهات... وأنصبت عليهم نيران الرشاشات وقاذفات اللهب والقنابل الحارقة فسقط نحو «700» معتقل سياسي ضحايا من خيرة أبناء شعب سورية، فيهم الطبيب والمهندس والصيدلي والمحامي والطالب.

وبعد ارتكاب هذه المجزرة المروعة حفرت عناصر الغدر والإجرام حفرة «كبيرة» في واد شرق تدمر وحملت الجثث وألقتها فيها.

وبعد أن نفذت هذه العناصر مهمتها عادت بالطائرات إلى دمشق؛ ليستقبلهم معين ناصيف «صهر رفعت أسد» واصفًا عملهم «بالبطولة»، وموزعًا على كل واحد منهم «2000» ليرة سورية مكافأة على ما اقترفته يداه!!.

أعوام الحزن الثلاثة

ولنعد إلى حماة وهي مدينة عزلاء ذات طابع يجمع بين تطلعات الحضارة، و الاحتفاظ بكثير من ملامح الماضي، منذ سنوات ثلاث وهي تنام على وقع الحزن والخوف، تلملم نفسها وتنكمش على جراحها.

منذ السادسة مساء تقفر شوارعها إلا من عابر مسرع يتجه نحو بيته قبل أن تطبق عليه واحدة من الدوريات المسلحة المنتشرة «تحت أسماء شتى»، في كل الشوارع, والطرقات، فتشبعه ضربًا وركلًا وشتائم أو تقوده إلى مكان مجهول يبقى فيه حتى الموت ودون أن يعرف أهله عنه شيئًا.

المدينة منذ سنوات ثلاث تتحول في الليل إلى مدينة أشباح... لا شيء يوحي بحركة الحياة... والحياة هنا أصبح لها طعم الموت، إن لم يكن على يد الوحدات الخاصة فهناك سرايا الدفاع، وإن لم تكن هذه أو تلك فإن الكتائب المسلحة وعناصر المخابرات التي تملأ المدينة تتكفل بمتابعة المهمة، والهدف في كل الحالات حياة المواطن وأمنه وكرامته.

الليل في حماة له طعم خاص... ففي عتمته ارتكب زبانية حافظ أسد كل الجرائم، وفي عتمته ساق الجبناء رجال المدينة وذبحوهم وهم لا يزالون بثياب النوم، وتركوا جثثهم الممزقة والمشوهة ملقاة على المزابل أو على طرقات القرى.

وعبر سنوات العذاب الثلاث كانت حماة تموت رويدًا رويدًا وبطريقة عبثية، دائمًا... مزيد من القتلى، مزيد من المعتقلين، مزيد من البيوت المخربة، وبلا مبررات سوى التصميم على ذبح المدينة.

1- المدينة عام 79

السلطة تطوق المدينة باعتقالات جماعية كثيفة... ثم تقدم على إعدام بعض رجالها... وبينهم أطباء ومهندسون.. وتطور قمعها إلى أسلوب جديد حين تعمد إلى هدم بيوت المواطنين الفقراء- وفي أكثر الأحياء فاقة وبؤسًا- بحجة إيواء بعض مقاتلي المعارضة الوطنية.

2- المدينة عام 80

الحصار يشتد على حماة بعد الإضراب الذي شمل سورية في مطلع هذا العام ومئات من الشباب يزجون في المعتقلات، والبيوت بأكملها تحاصر وتفتش ويقتل عشرات الرجال على عتبات دورهم.

وهذا العام شهد أيضًا أولى عمليات الإعدام الجماعي بحق المواطنين، فقد أقدمت عناصر من الوحدات الخاصة على قتل أربعة من الأشقاء الفقراء المعدمين... من «ال جقيني» وتركت جثثهم المدماة في الزقاق الضيق في حي الوادي البائس, وعلى مرأى من الأم العجوز التي أصيبت بالجنون منذ ذلك اليوم.

وتستمر الحملة الشرسة بلا هوادة.. ويكفي أن نذكر أن ما أقدمت عليه السلطة الطائفية من عمليات القمع ضد أهالي المدينة قد بلغ في تلك السنة «تسعًا وعشرين عملية»، أي بمعدل ثلاث مداهمات أو اعتقالات أو موت جماعي في الشهر الواحد.

ومن الجرائم المروعة التي هزت مشاعر المدينة... وأثارت نقمتها على السلطة الجائرة ذلك العام نقف عند الصور التالية:

- صورة الدكتور عمر الشيشكلي نقيب أطباء حماة... الذي اقتادته السلطة الحاقدة من بيته, وعلى مرأى من زوجته وأطفاله، ثم ذبحته بعد أن اقتلعت عينيه, ورمت جثته في إحدى القرى القريبة.

- صورة الدكتور عبد القادر قندقجي الذي اختطفه الجنود من مستشفاه، وتركوا جثته مقطعة مشوهة مربوطة بالحجارة على طريق مصياف.

- صورة الشيخ الفاني ابن الثمانين عامًا خضر الشيشكلي الذي أحرقت جثته «وهو حي» ثم رميت على مزابل المدينة.

- صورة المواطن أحمد قصباشي الذي وجدت جثته مشوهة قرب أحد جسور نهر العاصي.

- صورة الدكتور طاهر حداد الذي سحبوه من فراشه وهو لا يزال بثياب النوم, وقتلوه حافيًّا على باب داره أمام زوجته وأطفاله الصغار.

وغيرهم كثيرون، وكلهم رجال آمنون, شغلتهم حياتهم المهنية عن الاهتمامات السياسية، ومع ذلك عوقبوا وذبحوا على هذا النحو المفجع على يد السلطة الطائفية.

3- المدينة عام 81:

سلم القمع يتصاعد سريعًا بحيث تصبح العمليات الدموية داخل المدينة أكثر شمولًا, وتتناول أكبر عدد ممكن من الأهالي الآمنين.

وكانت السلطة من جانبها لا تخفي هذا الهدف... عبر تهديدات «رفعت أسد» بالذات، من خلال الصحافة الرسمية أو من خلال الاجتماعات الحزبية عن ضرورة ممارسة العقاب الجماعي بحق المواطنين، حيث لا حياد مع السلطة، وكان هذا الإرهابي يضرب بسلوك جيش الردع في قصف أحياء بيروت مثلًا حيًّا.

لهذا يجمع عساكر السلطة في الشهر الأول من عام 1981م الآلاف من سكان الأحياء ويضعونهم داخل المدارس المفرغة, ويتركونهم رهائن لعدة أيام... يخضع الأهالي خلالها لأشد أشكال الإذلال الإنساني قساوة «المشي فوق الظهور- الضرب على الرأس بأعقاب البنادق- استخدام الجنازير في الضرب على الرأس والبطن- العض والنهش كالكلاب- الوقوف على قدم واحدة... إلخ»، ويستوي في المعاملة الشيخ الفاني, والطفل الصغير، والشاب، والمراهق.

بعد يومين أو ثلاثة يفك الأسر عن الآلاف من المضطهدين أبناء المدينة الصابرة، يعود أكثرهم إلى بيته منهكًا مريضًا... أما ما تبقى فتحجزه السلطة بحجة متابعة التحقيق... وهؤلاء سيختفي أثرهم كليًا بعد ذلك.

طوال أشهر أربعة من بدء ذلك العام لا تنتهي قصص العذاب... لا يمر أسبوع دون حادث ما... تنتهك فيه كرامة مواطن بضربه وإذلاله على مرأى من الناس, وفي عرض الشارع، أو يهدم واحد من البيوت القديمة الفقيرة... أو يقتل شاب اشتبه فيه... أو يعتقل عشرات من طلاب الجامعات... وهكذا يصبح القمع والإرهاب الخبز اليومي لشعب المدينة الأبي الصامت على جراحه.

«ربيع الدم»

ويطل نيسان... في هذا الشهر من السنة يكون الربيع على ضفاف العاصي رائعًا... لكن المدينة التي نسيت لون الفصول، لم تر من ربيع 1981 سوى لون الدم.

فقد اتخذ القمع الطائفي فجأة قفزة نوعية جديدة, تناولت هذه المرة شوارع وأحياء كاملة، حيث عمدت السلطة إلى إبادة كل سكانها الآمنين دفعة واحدة ودون استثناء ودون تمييز... وكان الهدف ترويع الأهالي, وتسعير الأحقاد الطائفية بالإقدام على قتل أكبر عدد ممكن من الرجال، في عملية صاعقة لا تتعدى الساعات، تدخل خلالها كتائب- من فرق الموت التابعة لسرايا الدفاع- وتنفذ عمليات الإعدام الفوري، استنادًا إلى خرائط میدانية مقدمة لها تحدد الأحياء والشوارع التي تقرر حذف البشر منها، وحين تنتهي المهمة, ويجب ألا تستغرق أكثر من عشر ساعات- تعود فرق الموت كما جاءت على طائرات هيلوكوبتر خاصة... ليستقبلها «رفعت أسد» ويقدم لها المكافآت على بطولتها!.

هذه المذبحة تناولت أحياء شعبية تقع وسط المدينة, ومكتظة بالسكان البسطاء الآمنين «المحالبة- المشارقة- بستان السعادة- طريق حلب- سوق النحاسين».

وكانت حصيلة القتلى أكثر من مائتين تركت جثثهم تنزف في الشوارع حتى الموت, ودون أن يسمح لذويهم المفجوعين حتى بدفنهم.

وقد أشارت عناصر الشرطة التي كلفت بالدفن حينذاك إلى وجود بعض الجرحي بين القتلى... تركوا ينزفون حتى الموت... وكان يسمع أنينهم وهم محمولون مع باقي الجثث على سيارات النفايات من أجل دفنهم في الحفر الجماعية في مقبرة سريحين.

وشهود العيان من الأهالي يروون وسط الفجيعة والذهول، كيف كان المجرمون الساديون يمارسون عمليات القتل في أبشع صورة... كانوا يستخدمون البلطات والسكاكين في تقطيع أجساد الشهداء وهم أحياء، ثم يعلقون الجثث المذبوحة كالخراف على أبواب الدكاكين... وقد حدثت هذه الواقعة بالتحديد في «سوق النحاسين».

وروى الأهالي في أماكن أخرى أحاديث كثيرة عن الجند الجبناء، فقد عمدوا في أحياء المحالبة والمشارقة إلى ضرب الشهداء في ظهورهم- كانوا يطلبون منهم العودة إلى بيوتهم- وحين يستديرون يعاجلهم الرصاص من الخلف.

الشهيد المحامي حاتم جحا... طلب منه جنود سرايا الدفاع هويته الشخصية، فأعطاهم إياها ثم أمروه أن يدخل بيته وحين استدار انهالوا عليه بالرشاشات في ظهره, فخر صريعًا على الفور.

وفي هذه المجزرة أبيدت عائلات بأكملها «الأب والأبناء جميعًا».

عائلة الشامي فقدت أحد عشر شهيدًا من الأخوة.

عائلة رزوق الحمصي فقدت الأب مع أبنائه جميعًا.

عائلة أحمدو: قتل الأخوة جميعًا وعددهم ستة، ولم يبق في البيت المهدم سوى النسوة والأرامل والأطفال اليتامي.

والأمثلة كثيرة جدًا... لا يسع المجال لذكرها جميعًا.

لكن نيسان الدامي لم يكن الخاتمة... بل كان المؤشر العملي لدخول السلطة القامعة مناخ التطبيع الطائفي، وصولًا إلى شباط / فبراير شهر المأساة.

ولنترك الصحافة الدولية التي عاينت الأحداث والمجازر تدلو بدلوها:

في سورية، الإرهابي رقم واحد هو «الدولة».

20,000 سجين سياسي، و 10,000 قتيل في حماة، و 600,000 شخص موضوعون على اللائحة السوداء!.

هنالك على الأقل 20 ألف سجين سياسي «وربما وصل العدد إلى 80 ألفًا» في سورية، حيث العنف والإرهاب السياسي هما اليوم عملة رائجة. إن جهاز القمع التابع للنظام مدهش للغاية: سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، سرايا الصراع بقيادة جميل الأسد، الوحدات الخاصة بقيادة علي حيدر، المخابرات العامة،... وقد اشترت وزارة الداخلية مؤخرًا من شركة فرنسية عقلًا إلكترونيًا يمكن له أن «يفيش» «أي يضع على اللوائح السوداء» 500 ألف شخص دفعة واحدة.

... «إنها أكبر مجزرة في العصر الحديث»، على حد قول دبلوماسي سوفييتي، لا يمكن طبعًا أن يشك بعدائه أصلًا للنظام، «لقد كان هناك على الأقل عشرة آلاف قتيل، ولكن مصادر أخرى تتحدث عن ثلاثين ألفًا، وهو رقم قريب من الواقع، إذا تذكرنا أنه, لكي يقضي على الانتفاضة فقد زج النظام بآلاف من سراياه، كما أنه قصف المدينة بالطيران فوق سكانها المدنيين، مما أدى إلى هدم أجزاء كبيرة من المدينة».

«صحيفة لوماتان الفرنسية رقم 1606- 24 أبريل- 1982 م»

«وكان القمع مميتًا»: ... المدفعية الثقيلة تطلق قذائفها على الآمنين، وطوال أربع وعشرين ساعة، تساقطت آلاف القذائف والصواريخ على حماة، كل مجمع سكني وكل منزل كان مستهدفًا.

يقود دبلوماسي غربي وصل مؤخرًا من دمشق: «إنه أعنف قصف حدث منذ حرب سورية عام 1941 م بين أنصار حكومة فيشي من جهة، وأنصار فرنسا الحرة والبريطانيين من جهة أخرى».

وأخيرًا وحوالي منتصف الأسبوع الماضي، استطاعت الدبابات اختراق المدينة وطوال أيام كاملة، كانت المعركة مستمرة وبشدة، من بيت إلى بيت، أو بالأحرى من أنقاض إلى أنقاض، هذا وتتكتم الدولة على عدد القتلى والجرحى من الجانبين.

ويضيف الدبلوماسي الغربي قائلًا: «ولكن الطلب على الدم في المراكز الطبية كان كثيرًا وكثيرًا» مثل أيام «حرب أكتوبر» التي سببت في سورية آلافًا من القتلى والجرحي.

ويختتم الدبلوماسي حديثه قائلًا: «يمكن القول إن ما جرى في الأسبوع الماضي في حماة هو «فرصوفيا أخرى» أي مثلما حدث لفرصوفيا أثناء الحرب العالمية الثانية... «إنه, فعلًا، موت مدينة».

«مجلة الـ V.S.D الفرنسية «الفيزد» عدد مارس 1982 م».

«أهوال حماة»

إن القصة الحقيقية لما جرى في شهر شباط في مدينة حماة الواقعة على بعد 120 ميلًا شمال دمشق العاصمة لم تعرف بعد, وربما لن تعرف أبدًا، لقد مر شهران قبل أن تسمح الحكومة السورية للصحفيين بزيارة خرائب المدينة التي استمرت تحت قصف الدبابات والمدفعية والطيران ثلاثة أسابيع كاملة، ونتيجة لذلك، فإن قسمًا كبيرًا من المدينة القديمة القائمة في وسط البلد قد محي تمامًا وسوي مؤخرًا بواسطة الجرافات.

حماة مدينة بها حوالي 200 ألف نسمة، وقد كانت دائمًا مركز معارضة وطنية للحكومات السورية المتعاقبة.

... إن عدد القتلى يرتفع إلى أكثر من 30 ألف شخص، ولا يأخذ بعين الاعتبار الأناس الذين دفنوا دون أن يدخلوا المستشفى، لم يترك القصف لا المساجد ولا الكنائس، «في حماة يعيش نحو 8000 مسيحي مع طوائف مختلفة, ومنذ قرون وهم يعيشون بسلام كامل وتأخٍ حقيقي مع أكثرية الشعب السنية المسلمة».

إن الوحشية التي تم بها قمع انتفاضة حماة يجب أن تعزى ليس فقط للرعب الذي أصاب الحكومة؛ لرغبتها في جعل حماة درسًا لمن يفكر في انتفاضات أخرى محتملة، وإنما لكون القوات العسكرية التي نزلت إلى المدينة مؤلفة فقط من الأقلية العلوية، إن العلويين الذين يسيطرون داخل حكومة الرئيس أسد كانوا دومًا يشعرون أنهم يضُطهدون من الأكثرية السنية في سورية، إن هذا الشعور سوف يولد في المستقبل ثارات متبادلة ولزمن طويل قادم.

«مجلة الإيكونومست- عدد 15- 21 مايو/ آيار- 1982 م»

تحقيق خاص «10,000 قتيل في حماة»

«شارل بوبت» صحفي فرنسي محرر في صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية استطاع أن يدخل إلى قلب مدينة حماة أثناء الأحداث.

إنه الصحفي الوحيد من بين كل الصحفيين العرب والأجانب الذي تمكن من الدخول إلى هذه المدينة وبحيلة ذكية.

يقول: ننتقل من بيت إلى بيت، ومن فوقنا تمر طائرة هيلكوبتر، وأمامنا عائلات بأكملها تبكي، جثث تجر من أرجلها أو محمولة على الأكتاف، أجساد تتفسخ وتنبعث منها رائحة قاتلة، وأطفال تسيل منهم الدماء وهم يركضون لاجتياز الشارع، امرأة ترفض أن تفتح لنا منزلها- إنها ليست زيارة متفقًا عليها- إنني غير مرغوب في مثل هذه الساعات، ونهيم على وجوهنا أنا ومرافقي- أحد أبناء المدينة الذين تطوعوا بهذا العمل- لكن كنا محتاجين لأن نبقى ضمن المنطقة، وأخيرًا تستجيب المرأة لتوسلات مرافقي وتفتح لنا، إنها تخبئ زوجها، ها هو هذا أمامنا مسجى على الأرض، دونما رأس، ميتًا منذ 5 فبراير!! وهكذا فإن كثيرًا من الناس يخبئون جرحاهم خشية أن تجهز عليهم القوات الحكومية، أما الأموات فإن أهاليهم يدفنونهم بسرعة إذا أمكن, فيما أصبح يطلق عليه اليوم مقبرة الشهداء في الزاوية الكيلانية، «التي تم نسفها كليًّا فيما بعد».

بضع طلقات نارية صوب الجنوب تتبعها رشقات قوية، وخلال عشر دقائق كانت القذائف تتساقط  كالمطر أينما كان، وحيثما تسقط كنت تسمع صرخات الرعب ونداءات التوسل إلى الله، على بضعة أمتار منا، شاهدنا رجلًا يتمزق تمامًا، ويسقط فوق جدار كما لو أنه هيكل عظمي، ولم أصدق عيني ولكن عندما ظهرت الطائرات من جديد فوقنا دفعني مرافقي إلى تحت منزل صارخًا: «ها هم يعودون».

في الطريق يصادفنا رجل يقدمه مرافقي لي.

إنه طبيب... وبكل سرعة يناولني الطبيب هذا بضعة أوراق ويكتب لي أسماء ضحايا: «كم قتيلًا» سألته... أجاب: لا أعرف، ليس أقل من 8.000 أو 10.000 لقد رأينا ضحايا في كل مكان، «امسك، حتى يعرف العالم كله الحقيقة.. سجل: مصطفى شاميه، طارق عبد النور، أديب السبع، أحمد الشلبي» وبإشارة مني أفهمه أنه لا فائدة من الاستمرار، لأنني لا أستطيع أن أسجلهم كلهم، ولكنه يستمر وبكل عصبية ويطلب مني بطريقة الأمر أن أسجل: «إبراهيم الطرقجي، فؤاد جودت، غسان جلوسي، ورفعت دهيمش»، أترك «حماة» بمزيج من الرعب والفزع ... الفزع حين أتذكر أنه ولا مرة واحدة خلال هذه الأيام والليالي التي قضيتها هناك سمعت صوت المؤذن يدعو المؤمنين إلى الصلاة، كما لو أن المآذن نفسها قد انكمشت على نفسها تلقائيًا.

شارل بوبت: ليبرالسيون - الاثنين 1 آذار / مارس عام 1982 م.

الرابط المختصر :