العنوان نص المقابلة الصفية مع الأستاذ أبي الأعلى المودودي.. حول مشكلة بنجلاديش
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1973
مشاهدات 5
نشر في العدد 134
نشر في الصفحة 13
الثلاثاء 23-يناير-1973
- الهندوس
عززوا الاتجاه الإقليمي في باكستان الشرقية
- لو
تأنى مجيب الرحمن لأصبح زعيما لباكستان الشرقية والغربية
- الإجراء
العسكري في باكستان الشرقية لم يكن ليصدر من عقلية عسكرية صحيحة ولا من عقلية
سياسية متزنة
(وجهت جريدة «جسارت» اليومية في كراتشي
(باكستان) مجموعة من الأسئلة حول كارثة باكستان الشرقية وما يسمى «بنغلاديش» إلى
قائد الحركة الإسلامية الأستاذ أبو الأعلى المودودي. وفيما يلي أسئلة الجريدة
وردود الأستاذ المودودي عليها- المترجم).
ما أسباب سقوط باكستان الشرقية في
نظركم؟
السبب الرئيسي لسقوط باكستان الشرقية هو: أن
المسؤولين نبذوا وراء ظهورهم واجب تطبيق وتغذية الفكرة الإسلامية التي أنشئت عليها
باكستان من أول يوم. بل عملوا على توهين قواعدها طيلة هذه الفترة، وأتاحوا للأعداء
أن يتابعوا المحاولات لاجتثاث شأفتها بصورة منظمة ودائبة. وليس بخاف على أحد أنه
كان يعيش في باكستان الشرقية عدد كبير من الهندوس وكانوا على رصيد كبير من القوة
والكرامة، وعز عليهم قيام باكستان فلم يتركوا فرصة للقضاء على كيانها ومحوها من
الوجود. وكان من بين الطبقة المثقفة من المسلمين عدد لا يستهان به من تلامذة الهندوس
ومن كانت أذهانهم مشبعة بتعاليم الأساتذة الهندوس وبمؤلفات الكتاب الهندوس وكانت
الهند تعلم جيدا أن الجناح الشرقي من باكستان هو أضعف أعضائها وبإمكانها توجيه
الضربات على الفكرة التي تقوم على استقلال القومية الإسلامية من القومية الهندسية،
وهي نفس الفكرة التي قامت عليها باكستان. ولتحقيق هذا الهدف بدأت المؤلفات
الهندوسية تصدر من كلكوتا (بالهند) وتهمر على دكا متضمنة مواد غزيرة تركز على قلع
جذور هذه الفكرة إذ أن الكتاب الهندوس وأتباعهم من المسلمين القوميين كانوا
يستهدفون من وراء ذلك أن يجعلوا من المسلمين البنغاليين والهندوس البنغاليين أمة
موحدة تجمعها اللغة البنغالية والعنصرية البنغالية ثم يبثون في هذا الخليط سموم
الكراهية والعداء ضد المسلمين غير البنغاليين وسكان باكستان الغربية.
لم يدرك حكام باكستان خطورة هذه المحاولة
الناشئة في يوم من الأيام وبالتالي لم يفكروا في منعها وأصبح هذا السم الذعاف يسري
في المعاهد التعليمية والصحافة والوسائل الإعلامية. ولكن المسؤولين في بلادنا لم
يعنوا بإصلاح نظام التعليم والتربية ولم يلتفتوا إلى الفئة القريبة من الأساتذة
الذين كانوا يتولون مهام التدريس في المعاهد التعليمية ويعملون فكرة القومية
المختلطة في أذهان الطلبة ولم يلتفتوا إلى أي طراز من الطلبة تخرجه هذه المعاهد
كما لم يشعروا بالخطر الذي كان يكمن في الأفكار التي كانت تحملها تلك الكتب
والرسائل والصحف البنغالية وانتشارها في كافة الأوساط.
وما تم أن قامت في باكستان الشرقية دعاية
تقول: إن باكستان الغربية أعملت يدها في نهب باكستان الشرقية. وقام جماعة من
الأذكياء فعلا بجمع الإحصائيات لدعم هذه الحجة ونشرها على أوسع نطاق. وصار طلاب
الجامعات والمثقفون الجدد وموظفو الحكومة يرددونها كالببغاء. حتى الأطفال الصغار
كانوا يحفظونها بظهر الغيب. ولم يوجه إلى واحد منهم السؤال عن هذا الموضوع إلا هو
إعادة هذه الإحصائيات جملة وتفصيلا وكم من مرة استرعينا انتباه حكومة باكستان إلى
هذا الأمر وقلنا لها إما أن توضح حقيقة تلك الإحصائيات الشائعة وتبادر إلى حسم
شكاوى إخواننا البنغاليين في مجال الاقتصاد إن كانت هذه الإحصائيات صادقة أو ترد
عليها وتنشر الإحصائيات الصحيحة إن كانت كاذبة ولكن لم يصدر من قبل الحكومة حتى
آخر لحظة شيء يستند إلى الحجة والبرهان ضد هذه الدعاية الغاشية.
ثم أعقبت ذلك أحداث غريبة في سياسة البلاد كطرد
السيد/ ناظم الدين المرحوم و(كان السيد ناظم الدين بنغاليا وكان مسلما ملتزما
ومؤمنا بالفكرة الإسلامية ومصمما على تطبيق الدستور الإسلامي في باكستان) من رئاسة
الوزراء وإهانة محمد علي بوغرا رئيس الوزراء الأسبق (وكان أيضا مسلما بنغاليا ووضع
دستورا إسلاميا لم تسمح المؤامرات لتطبيقه)، وإلغاء الجمعية التأسيسية قبيل
مصادقتها على دستور 1954م. وما إلى ذلك من الأحداث التي تركت بحكم الطبيعة في قلوب
العناصر السياسية والمثقفة في باكستان الشرقية القناعة التامة بأن أهالي باكستان
الغربية هم المسيطرون على الحكم كليا. وعاد جناحها الشرقي مجرد مستعمرة للغرب وعمق
هذه القناعة الانقلاب العسكري الذي قام به أيوب خان والحكم الدكتاتوري الذي مارسه
هذا الرجل طيلة عشر سنوات متتالية.
وكان مبدأ الانتخاب المختلط خطوة كبيرة وحاسمة
نحو الانفصال. لو كان الدستور الذي التقت في وضعه جميع الأحزاب السياسية عام 1956م
وكان يتبنى إقامة الحكم على أساس الإسلام لو كان هذا الدستور نال فرصة القيام
بدوره الحاسم لكان من المحتمل الحيلولة دون الأسباب التي كانت تدفع باكستان إلى
الانفصال. ولكن السيد/ حسين سهروردي رئيس وزراء باكستان آنذاك، وإسكندر ميرزا حاكم
باكستان آنذاك استصدرا من البرلمان المركزي قانون الانتخاب المختلط، القانون الذي
فتح ثغرة في الدستور لم يستطع معها هذا الدستور أن يلعب دوره في المحافظة على وحدة
باكستان وقد بذلنا جهودا كبيرة في إقناع القوم بأن الانتخاب المختلط يأخذ بباكستان
إلى الدمار المحقق ولذلك يجب الإبقاء على مبدأ الانتخاب غير المختلط المطبق فعلا
في كل الأحوال. بل لا يكون هو الآخر من طراز القانون الذي كان الاستعمار الإنكليزي
وضعه في أيام حكمه في الهند وكان ينبني على تقسيم السكان إلى قسمين فيضع المسلمين
وحدهم في كفة والشعوب غير الإسلامية في كفة أخرى ليكون في صالح طبقة الأشراف من
الهندوس بل يجب أن توزع الدوائر الانتخابية بين المسلمين وبين سائر الأقليات غير
الإسلامية المتكونة من الهندوس الأشراف والهندوس آدي باسي والمسيحيين، والبوذيين.
لكل أقلية دائرتها الانتخابية. ويتم تمثيلها في المجالس النيابية حسب نسبتها
المئوية في السكان ولكن المسؤولين كانوا لا يستهدفون في جميع خطواتهم السياسية إلا
العرقلة في سبيل قيام الحكم الإسلامي في باكستان وجعلها دولة لادينية في النهاية.
ولذلك برغم المعارضة العنيفة من المسلمين في غربي باكستان وشرقيها استصدروا قانون
الانتخاب المختلط. وهذا القانون مبدئيا كان إجراء خطيرا بالنسبة لباكستان كلها إلا
أن ضرره المباشر كان منصبا على الباكستان الشرقية وبالتالي كان لا بد من أن تتأثر
باكستان بجميع أقاليمها.
ومرد ذلك كله أن باكستان الشرقية تقطن فيها
جالية كبيرة من غير المسلمين تتمتع بنفوذ وقوة كبيرتين. وأسفر قانون الانتخاب
المختلط عن نتيجتين واضحتين أولاهما أن هذا القانون وضع المسلم وغير المسلم في كفة
واحدة وجعل منهما قاعدة مشتركة للقومية الجغرافية وثانيتهما: إنه تكفل لدعاة
اللادينية بالفوز في الانتخابات وصعب على حماة الفكرة الإسلامية هذه المهمة. لأن
الآخرين اقتصر فوزهم على أصوات المسلمين بينما اختصت لدعاة اللادينية نسبة ما بين
20 و30% من الأصوات غير الإسلامية بصورة قاطعة. ثم توزعت أصوات المسلمين إلى
قسمين: قسم يؤيد الإسلام، وقسم يحاربه. وهذا الانقسام صار في صالح دعاة اللادينية
ولا يغيبن عن بالكم في هذا المقام أن بقاء وحدة باكستان كان موقوفا على نجاح أصحاب
الفكرة الإسلامية في الانتخابات، لأن دعاة اللادينية كانوا في سائر الأحوال يفضلون
العصبية البنغالية على الوحدة الباكستانية.
وعلى هذا فإنه بمجرد صدور قانون الانتخاب
المختلط انقلب أمر الأحزاب السياسية في باكستان الشرقية رأسا على عقب فالأحزاب
التي كانت لا يهمها إلا الفوز في الانتخابات تخلت عن شعار الإسلام حتى تجنبت
ترديده باللسان.. لماذا؟
لكي لا تحرم من أصوات غير المسلمين، ولما نشأت
حركة مضادة لحكم أيوب خان عام 1966م قام الشيخ مجيب الرحمن ينادي بمبادئه الستة
المشهورة التي كانت تتضمن صراحة فصل باكستان الشرقية(1).
وإزاء ذلك قامت الحركة الديمقراطية
الباكستانية التي تكونت من معظم الأحزاب المعارضة بما فيها عناصر من حزب مجيب
الرحمن: رابطة عوامي. وطرحت هذه الحركة الديمقراطية خطة إصلاحية جديدة متألفة من
ثمانية مبادئ (2) وهذه الخطة كانت تحمل سياسة متزنة: تطالب بحقوقها الاقتصادية
والمدنية أكثر مما تنادي بها نقاط مجيب الرحمن.
إلا أن حكومة أيوب خان لأجل مجرد تفريق صفوف
المعارضة شجعت سياسة مجيب المتمثلة في النقاط الست، وقامت لنشرها بدعاية كانت تبلغ
من القوة مبلغها حيث أصبحت خطة الحركة الديمقراطية الباكستانية تتضاءل أمامها.
وصار عامة الناس في باكستان الشرقية يرون- لاشعوريا- في سياسة مجيب طريقا وحيدا
لإنقاذهم من الظلم الذي لحق بهم من باكستان الغربية والأصح من حكامها. واستخدمت
كلمة (اللاشعور) لأن الذي جربناه وشاهدناه بأم أعيُننا عدم إدراك المثقفين في
باكستان الشرقية فضلا عن عامة الناس حقيقة النقاط الست وأبعادها على تأييدهم لها
بصورة مدهشة. وإنما كان هناك سحر من الدعاية يأخذ بلب الجماهير ويشل وعيهم. وإذا
ناقشنا أي رجل ذي ثقافة وعلم وبصرناه بالفارق بين نقاط مجيب الست ونقاط الحركة
اعترف بأفضلية خطة الحركة الديمقراطية وأكثرها فعالية في إعطاء الشرقيين حقوقهم المهضومة.
ولما اشتدت وطأة حركة المعارضة على أيوب خان
وتكون من التقاء الأحزاب الثمانية مجلس سمي المجلس الفعلي الديمقراطي عرضت تلك
الأحزاب على الحكومة مطلبين أساسيين باتفاق الكلمة: الأول أن يلغى النظام الرئاسي
ويقام مقامه النظام البرلماني. والثاني: أن يجري الانتخاب العام في البلاد بطريق
مباشر وعلى أساس تصويت البالغين وتلغى الديمقراطيات الأساسية التي تستأثر وحدها
بحق التصويت. وهذان المطلبان شملهما الرأي العام في البلاد بالتأييد البالغ من
خلال التظاهرات والاحتجاجات، واضطر أيوب خان إلى عقد مؤتمر الطاولة المستديرة وسلم
في هذا المؤتمر بهذين المطلبين، وأعلن عن إدخال التعديلات المستعجلة في دستور عام
1962م عن طريق البرلمان المركزي. ولو تحقق هذا الأمر في ذلك الوقت لتخلصت باكستان
من التمزق الضياع ولعادت المياه إلى مجاريها. ولكن كانت في داخل مؤتمر الطاولة
المستديرة وخارجها عناصر قامت بنشاط مشبوه ونجحت في إحباط المؤتمر. وأدى الأمر إلى
فشل الحركة الديمقراطية وإعلان الحكم العرفي في مارس 1969م الذي تولى زمامه يحيى
خان ولفيف من مستشاريه العسكريين والسياسيين لم تعرف البلاد بعد هوايتهم.
وبدأت سلسلة طويلة من حماقات يحيى خان انتهت
بدفع البلاد إلى الدمار والهلاك. مع أنه طلب من يحيى خان في بداية حكمه أن يسرع في
بعث دستور 1956م (الذي كان أيوب خان ألغاه) وإجراء الانتخابات العامة بموجبه وأن
يتحاشى تجربة جديدة من وضع دستور جديد في هذه الظروف المكهربة إلا أن هذا الرجل لم
يخضع لهذا الرأي وأصر على وضع دستور جديد. ثم إنه تولى بنفسه إقرار بعض المسائل
الدستورية الهامة منها إلغاء مبدأ التساوي بين باكستان الغربية والشرقية بجرة قلم.
مع أن هذا المبدأ كان وضعه قادة الجناحين:
الشرقي والغربي بالإجماع وبعد مفاوضات طويلة وتفكير عميق إلى ما قبل سنوات.
ثم ظل هذا الرجل متهاونا في تطبيق الحكم
العرفي في باكستان الشرقية طيلة عام 1969م إلى حد ضياع هيبة الجيش وهيمته على
الموقف واستغلت هذا الأمر العناصر الهدامة وكانت ماضية تتحدى الأحكام العرفية
واستيقنت في النهاية أنها إذا قامت بالتمرد العام فليس هناك من شيء يمنعها من ذلك.
وفي بداية عام 1970م أعلن يحيى خان عن موعد
الانتخاب العام وفق (الإطار القانوني للعمل) الذي أصدره هو نفسه، كما أصدر المادة
رقم 60 من مواد الحكم العرفي لحصر النشاط الانتخابي في حدود الإطار القانوني ولكن
وللأسف لم تطبق المادة المذكورة في خلال النشاط الانتخابي الذي دام سنة كاملة على
أحد من المخربين ولم يعمل على إخضاعه للإطار القانوني. وإن برنامج مجيب الرحمن
بنقاطه وبتفيشيه كان يخرق حدود الإطار القانوني ومع ذلك سمح له بالاستمرار في
الحملة الانتخابية فاستخدم مجيب الرحمن جميع الوسائل غير المشروعة للفوز في
الانتخابات ولكن الحكومة الإقليمية والحكومة المركزية بقيت كلاهما تتفرج على الوضع
دون أن تتخذ ولو صوريا إجراء تجعل الانتخابات نزيهة وعادلة. ونفس الأخطاء اقتُرفت
في باكستان الغربية. الأمر الذي أكد نجاح الأحزاب الإقليمية بصورة صارخة ونجاح
الأحزاب الإقليمية كان يعني استحالة بقاء باكستان موحدة متضامنة. لو أن مجيب الرحمن
استمر في إثارة الكراهية والضغط ضد باكستان الغربية خلال حملته الانتخابية لدرجة
أنه إذا خرج من الانتخابات فائزا لم يستطع أن يحتل مكانة الزعامة لباكستان شرقها
وغربها.
وبسبب تلك الحماقات والأخطاء المتتالية لما
جرت النتاج الانتخابية في شهر ديسمبر 1970م في نفس الشكل الذي تستلزمه تلك
الحماقات أفرزت حلقة جديدة من الحماقات التي انتهت بالانقسام على وحدة باكستان في
نهاية عام 1971م وأريد أن أذكر لكم الأخطاء الكبيرة في تلك التي أدت بنا إلى هذا
المصير القائم، مغمضًا النظر عن الأخطاء الصغيرة:
1. بعد أن ظهرت نتائج الانتخابات التي أجراها يحيى خان
نفسه فمهما كانت تلك النتائج معاكسة لآماله كان يجب عليه دعوة البرلمان الجديد
بأقصى السرعة ليتم وضع الدستور في داخل البرلمان. وفي هذه الصورة كان من المحتمل
أن يتبع كل فريق طريق الاتزان والتفاهم ويتخلى عن الموقف المتطرف متخذا مبدأ
«الأخذ بشيء مقابل إعطاء شيء» في المناقشات العلنية، ولكن ما اختير هذا الطريق وياللأسف،
وشرعت سلسلة المفاوضات والمساومات خارج البرلمان في الغرف المغلقة، هذه المفاوضات
لم تكن لها علاقة بحل المسائل الدستورية إلا قليلا. وإنما كانت تتركز في معظمها
على المساومة في تحقيق المآرب الأخرى.
2. وأخيرا وبعد حيص بيص حدد يحيى خان موعدا لعقد جلسة
البرلمان المركزي الجديد. ثم أجله لأجل غير مسمى تجاوبا مع رغبة زعيم حزب واحد في
هذا التأجيل (أي ذو الفقار علي بوتو: زعيم حزب الشعب) دون زعماء الأحزاب
البرلمانية الأخرى وكان هذا غلطة جسيمة، وأمرا لم يكن له مبرر أبدا.
3. بل نفس الزعيم الذي أجل موعد جلسة البرلمان طالب
يحيى خان بأحد الأمرين: إما التأجيل، أو الإلغاء شرط مائة وعشرين يوما لوضع
الدستور (أي كان الإطار القانوني للعمل اشترط على البرلمان الجديد أنه إذا لم
يتمكن من وضع الدستور في خلال مدة مائة وعشرين يوما يلغى تلقائيا، وينتخب بعد ذلك
مجلس جديد بنفس الطريقة)، ولكن يحيى خان عوضا عن أن يقبل الرأي الثاني المعقول فضل
التأجيل لأمد غير مسمى ولم يفهم أحد من ذوي العقل والرأي سبب تفضيله على الرأي
الثاني في ذلك الوقت، ولا يفهمونه اليوم أيضا.
4. نيران العصبية البنغالية ونزعة الانفصال التي
أثارها مجيب الرحمن تفاقم خطبها لحد أن مجيب الرحمن نفسه لم يعد قادرا على الوضع
ومتحكما فيه كما يشاء. بل أصبحت العناصر الأخرى من الهندوس والشيوعيين والهدامين
هي الآن سيدة الموقف، وما أن أعلن يحيى خان تأجيل البرلمان حتى ثارت تلك العناصر
وأعلنت التمرد العام.
ومجيب
الرحمن أيضا انجرف في هذا التيار رضي به أم أبى لأنه سد على نفسه جميع أبواب
الخروج من المأزق بحماقاته العديدة، أو بتسليمه الموقف للأيدي الهدامة، التي لم
ترد أبدا أن تتيح لباكستان الشرقية لتحكم باكستان كلها بل أرادت بترها من باكستان
الغربية بأي ثمن. ولو كان مجيب الرحمن على شيء من الحنكة والبصيرة أو كان هو سيد
الموقف لكان له أن يصبر على إجراء تأجيل البرلمان ولو كان معه التزام جانب الأناة
والصبر ولو قليلا لما كان ليحيى خان من مناص في نهاية المطاف من تجديد جلسة
البرلمان وفي نفس الشهر حتما. واضح أن مجيب الرحمن هو الذي كان مرشحا في هذه
الصورة لأن يتسلم زعامة باكستان كلها بحكم كونه زعيما لأكبر حزب في البرلمان.
5. إن الأحداث التي حدثت من أول مارس لغاية 25 مارس
1971م ليست أحداثا غامضة المعالم وليست معظمها في طي الكتمان. وكل من درسها ونظر
فيها اعترف بأن المفاوضات التي أجريت بين المثلث السياسي: يحيى ومجيب وبوتو كانت
تدفع البلاد دفعا إلى التمزق والانقسام: أن يكون لبلد واحد حزبان كلاهما يوصف
بالأغلبية، وأن تكون لبلد واحد جمعيتان تأسيسيتان، وأن يكون لبلد واحد رئيسان
للوزارة، ثم الشعار القائل: «لكم الشرق ولنا الغرب» (أطلق بوتو هذا الشعار في تلك
الأوضاع الحرجة) هذه وأمثالها من المقترحات التي طرحت في مفاوضات المثلث السياسي
كانت تنطوي على تشطير باكستان بدون ما ريب. ولكن المعضلة التي لم تكن لتنحل في هذه
المفاوضات هي كيف لهذا البلد أن يبقى بلدا موحدا حتى بعد الانشطار.
6. وفي خلال تلك المفاوضات فوجئنا من قبل يحيى خان
باتخاذ الإجراء العسكري في باكستان الشرقية. ولا ندري من ذا الذي أشار عليه في هذا
الباب. ولعله كان يضمر في نفسه هذا الإجراء بمجرد أن بدأ التمرد من أول مارس.
ولكنه تابع المفاوضات لغاية 25 مارس منه لإعداد العدة لتنفيذ هذا الإجراء.
وأستطيع
أن أقول عنه بكل ثقة: أنه لم يكن ليصدر من عقلية عسكرية صحيحة ولا من عقلية سياسية
متزنة وكان عدد القوات الباكستانية في باكستان الشرقية آنذاك يكاد لا يتجاوز عشرة
آلاف جندي وبعد إعلان الإجراء بدأوا بنقل القوات الأخرى والعتاد الحربي إليها برا
وبحرا.
ولكن
الهند منعت مرور الطائرات الباكستانية في الأجواء الهندية إلى باكستان الشرقية في
شهر فبراير من نفس العام. ولذلك اضطرت الطائرات الباكستانية إلى أن تأخذ طريق سيلان
المطول وإذا كان من الميسور بهذه الطريقة إرسال القوات اللازمة إلى دكا فلم يكن من
الميسور إرسال العتاد الحربي بقدر يكفي لمواجهة الحرب الكبيرة. ثم كان على
المسؤولين أن يقدروا جيدا أن الهند لن تتورع أبدا من التدخل العسكري في باكستان
الشرقية في مرحلة من المراحل. وسيكون الدفاع عنها أمرا مستحيلا عند نشوب الحرب مع
الهند. لأنه من المستحيل تزويد القوات المحاربة بالمعونة العسكرية من القطر الغربي
خلال الحرب.
7. واستطاع الجيش الباكستاني التحكم في الموقف والقدرة
على المتمردين خلال بضعة أسابيع فقط. واستتب الأمن. ولكن الحكومة المركزية بعد ذلك
فاجأت بإعلان العفو العام عن المتمردين. وبعد هذا الإعلان الغريب ظل يتسرب إلى
باكستان الشرقية لا المتمردون البنغاليون فحسب، بل عصابات متدربة من الهند،
وجماعات من الجيوش الهندية في اللباس المدني أيضا بكثرة كاثرة وبأحدث سلاح وأجوده.
وانشغل
الجيش الباكستاني في الاشتباكات معها. ولما شعرت الهند بأن قوات ما يسمى «الموكتي
باهني» لا تستطيع مواجهة جيش باكستان النظامي شنت الهجوم السافر على باكستان
الشرقية بدون الإنذار في 22 من نوفمبر 1971م. وهنا يطرح هذا السؤال نفسه: من كان
هذا العاقل الحكيم الذي أشار على الحكومة أن تعلن العفو العام عن العناصر
المتمردة؟
8. ثم إن يحيى خان لم يفتح الجبهة من باكستان الغربية
على رغم العدوان الهندي السافر على باكستان الشرقية، بل بقي ينتظر هجوم الهند على
باكستان الغربية إلى أن بادرت الهند إلى الهجوم عليها أيضا لترى العجب العجاب من
الجنرالات الباكستانيين الذين اقتصروا على الحرب الدفاعية فقط، وأضاعوا فيها ألوفا
من الأميال المربعة من المساحة في باكستان الغربية. ثم لما أعلنت الهند عن وقف
القتال بعد سقوط باكستان الشرقية في ديسمبر 1971م سارع يحيى خان أيضا وفي اليوم
التالي إلى وقف القتال مع أن الفكرة التي كانت تسود حينذاك هي أن الدفاع عن الجبهة
الشرقية لا يتحقق إلا من الجبهة الغربية، وأن الهند إذا هجمت على الشرق يهجم عليها
من الغرب بقوة ترغمها على تخفيف الوطأة على الشرق. ولكن الله يعلم فقط لماذا تنبع
هذه الفكرة العتيدة في هذه الحرب. ولكن الذي هو واضح وضوح الشمس في رابعة النهار
أن باكستان لم تدخل الحرب من الجبهة الغربية متعمدة.
9. والأمر الأخير الذي كان يستطيع أن يحول دون سقوط
باكستان الشرقية واستسلام مائة ألف نفر من الجيش الباكستاني هو قبول القرارات التي
تقدمت بها روسيا وبولندا في الأمم المتحدة. إذ كان من المحتمل بموجب هذه القرارات
أن تقف الحرب بالتدخل الدولي وأن تنسحب جيوش البلدين من الجبهتين: الشرقية
والغربية إلى حدودهما، وأن تقرن القضية بحل من الحلول السياسية ولكن نائب رئيس
الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني آنذاك: السيد/ ذو الفقار علي بوتو مزق هذه
القرارات وهو في قاعة الأمم المتحدة وأمام ممثلي العالم.. موقف في منتهى الغرابة.
والعقوبة التي ذقناها نحن الباكستانيين من جراء هذا الموقف هي: أن الهند فتحت
باكستان الشرقية عنوة وأسرت الجيش الباكستاني عن آخر جندي منه وقبضت على آلاف
مؤلفة من الموظفين المدنيين ونتساءل: هذه العاقبة الوخيمة التي نالتها باكستان
نرجع بها إلى سفاهة من أو إلى حصافة من؟
ويتضح من هذا البيان الموجز أن سقوط باكستان
الشرقية لم يكن بغتة أو صدفة بل ثمرة حتمية لأخطاء وغلطات تتابعت حلقاتها منذ قيام
باكستان في كل مرحلة من مراحل تاريخها. دفعت بنا في النهاية إلى هذا اليوم العصيب
والدور الذي لعبه كل خطأ من تلك الأخطاء يتضح من البيان الإجمالي الذي سردته آنفا.
(البقية في العدد القادم)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل