العنوان تأثير القرآن الكريم في مجال اللغة والحضارة (1 من ١٠)
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2008
مشاهدات 59
نشر في العدد 1813
نشر في الصفحة 42
السبت 02-أغسطس-2008
من المؤكد أن القرآن الكريم بإعجازه المبهر، وبلاغته الفريدة، وبيانه القوي قد أحدث انقلابًا في مجال اللغة العربية، لم تتوقف آثاره عند العرب وحدهم، ولكنه امتد ليشمل الإنسانية كلها بما أعطته هذه اللغة -بفضل القرآن الكريم- للعالم من علوم متعددة ومتنوعة، حملتها إليهم في شتى بقاع الأرض، وبها عصارة الفكر الإسلامي والعالمي، مؤلفًا أو مترجمًا أو معربًا أو مضافًا إليه.
وقد تحدث عدد كبير من الباحثين العرب والأجانب في فضل القرآن الكريم على اللغة العربية، وتوسع بعضهم ليجعل القرآن الكريم وما حمله من قيم ومعان وتشريعات وتنظيمات فضلًا عربيًا على الإنسانية كلها، كما نرى في كتاب جوستاف لوبون مثلًا الذي حمل عنوان «حضارة العرب»، وفيه إشادة وتقدير بالقرآن الكريم، وما أعطاه للبشرية من فضل.
- فضل القرآن على اللغة
وفي حدود المتاح لهذه الدراسة من حيز ضيق يمكن أن نوجز الحديث عن فضل القرآن الكريم على اللغة العربية من خلال ثلاثة مباحث:
أولها: فضل القرآن على اللغة العربية بوصفها أداة تفاهم وتوصيل
ثانيها: فضل القرآن على العرب بوصفهم متلقين للغة القرآن المعجز وتأثرهم به على المستوى الإنساني والوجود الحضاري.
ثالثها: فضل القرآن على العلوم بصفة عامة على أساس أن اللغة العربية أداة بحث ووسيلة تعبير عن الأفكار والمنجزات العقلية التي تأثرت بالقرآن الكريم، وتفاعلت معه.
- حفظ الأمة
ويمكن القول بصفة عامة إن القرآن الكريم حفظ اللغة العربية، والأمة العربية جميعًا، وبقي حارسًا عليهما منذ بدء البعثة المحمدية حتى يومنا هذا، وإلى يوم الدين بإذنه تعالى ولسبب ما، فإن أعداء الإسلام وخصومه كانوا في محاولاتهم العدوانية لاستئصال الإسلام أو زعزعته في النفوس يعملون على إضعاف اللغة العربية، والتشكيك في قدراتها في مجالات العلوم والفكر، ويدعون إلى الانسلاخ عنها، وإحلال لغات أو لهجات أخرى مكانها مما تناوله كثير من المنصفين وخاصة في مجال الدعوة إلى العاميات بدلًا من الفصحى، وللدكتورة «نفوسة زكريا» جهد مشكور في هذا السياق من خلال كتبها ومقالاتها ومحاضراتها، وقد أشرت إلى جهدها المبارك في كتابي «مدرسة البيان في النثر الحديث» مع جهود آخرين.
والغاية من كل ذلك، هي إزاحة الإسلام عن الحياة العربية للتمكن منهم وتدميرهم لقد مرت اللغة العربية والأمة بمحن عديدة، وخاصة اللهجات والاجتياحات الاستعمارية والوحشية قديمًا وحديثًا ولولا القرآن الكريم لذهبت اللغة العربية إلى حيث لا عودة، وقد رأينا محاولات أكثر شراسة لاستئصال اللغة العربية في بعض البلدان العربية التي تعرضت للغزو والاستباحة منها على سبيل المثال: بلاد المغرب العربي وخاصة الجزائر، وفلسطين ولبنان وجنوب السودان.
ولولا القرآن الكريم ما قاومت هذه البلدان اللغة الفرنسية واللغة العبرية واللغة الإنجليزية وكان من الملاحظ أن أمتنا كلما تعرضت لداهية من دواهي الاستعمار والاجتياح واستكانت للجهل والأمية كان القرآن الكريم هو الذي يوقظها، وهو الذي يجدد فكرها وتصوّرها، ويبعثها من تحت الركام لتبدأ من جديد، وتشارك في الحضارة الإنسانية.
وقد رأينا على سبيل المثال ما تعرضت له اللغة العربية وآدابها عبر مرحلتي الحكم المملوكي والحكم العثماني في مصر وبلاد الشام، حيث تراجع الأدب، وتجمدت اللغة وضعفت وأصابتها أمراض الركاكة والحوشية والعجمة والانحلال ولكن القرآن الكريم من خلال حفاظه ودارسيه استطاعوا أن يعيدوا إلى اللغة العربية نضارتها وبهاءها .
- مجالا التأثير
وقد كان تأثير القرآن الكريم في اللغة العربية بصفة عامة ممتدًا في مجالين:
المجال الأول: مجال التعبير، فقد كان المستوى البياني المعجز لبلاغة القرآن الكريم نموذجًا يقتدي به الكتاب والشعراء العرب في كل مكان، مما أحدث نقلة نوعية في أساليب النثر والشعر بصفة عامة. وكان حافظ القرآن الكريم، من أكثر الناس قدرة على البيان والفصاحة إذا اشتغل بالأدب والتعبير، ففي أدائه وبيانه نماذج رائعة يحتذيها الخطيب والكاتب والشاعر والحكيم، والفيلسوف، والباحث وكل صاحب صلة بالكتابة والإنشاء.
المجال الثاني: مجال الفكر والتصور وفي القرآن الكريم معانٍ غير مسبوقة، وأفكار استجدت على الإنسانية تقودهم إلى العمل والإتقان والتفكير والتدبر، وقيم ومثل تحض على عمل الخير ومقاومة الشر وتنظيمات وأساليب تحقق لهم حياة فيها السلامة والأمان والرضا بقدر الله، والقناعة بما يحصلون عليه، وتحثهم على الإبداع والتفنن بما يجلب المصلحة لأفرادهم وعمومهم.
- لا طفولة ولا شيخوخة
في كتابه عن «الإسلام في الأندلس» ينقل المستشرق المعروف رينهاردي دوزيه رسالة للكاتب الإسباني «الفارو» يعبر فيها عن حزنه الشديد بسبب ما أصاب لغة «اللاتين والإغريق» في إسبانيا: لأن الإسبان أقبلوا على لغة المسلمين، بعد أن سحر رنين الأدب العربي أرباب الفطنة والتذوق، فاحتقروا اللاتينية وراحوا يكتبون بلغة قاهريهم دون غيرها .
والسر في ذلك واضح، وهو تأثير القرآن الكريم في اللغة العربية بجمعه لشتات الفكر الإنساني والرقي به إلى أسمى منازل التقدم والنهوض، حيث تمتلك السلاسة والموسيقى لدرجة أن تكلم بها غير العرب الذين أسلموا مثل هؤلاء الإسبان، وتركوا لغة آبائهم وأجدادهم (۱).
وفي كتابه تاريخ اللغات السامية يمتدح المفكر الأوروبي الأشهر «آرنست رينان اللغة العربية» ويرى أن أغرب سر صعب حله وفهم طبيعته هو انتشار اللغة العربية فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ ذي بدء، ثم ظهرت فجأة لغة كاملة سلسة كل السلاسة غنية إلى أبعد حد . إنها لغة -كما يرى رينان- ليست لها طفولة ولا شيخوخة. فقد ظهرت لأول أمرها تامة مستحكمة !!
ويبدو أن «رينان» لم يدرك جيدًا طبيعة القرآن الكريم، ولهذا لم يدرك السر في انتشار اللغة العربية الكامن في القرآن الكريم الذي يمثل لغة الدين والدنيا.. لغة الحياة والمجتمع (۲).
- الهوامش
(۱)انظر: محمد عبد الواحد حجازي أثر القرآن الكريم في اللغة العربية، معجم البحوث الإسلامية، القاهرة، ۱۳۹۱هـ - ۱۹۷۱م ص ٢٤٢.
(۲) السابق، ص ٢٤١.