العنوان التجربة الرائدة من فم صاحبها.. الشيخ المحلاوي: عودة الروح والنشاط إلى المسجد
الكاتب محمد عبدالفتاح
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1973
مشاهدات 9
نشر في العدد 138
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 20-فبراير-1973
وددنا لو تعرف مجلة «المجتمع» التعرف على شخصكم؟
أحمد عبدالسلام المحلاوي
-نشأت في قرية ريفية في محافظة كفر الشيخ.
دراستي: تعلمت
في كتاب القرية مبادئ القراءة، وحفظت كتاب الله، وحصلت على الشهادة الابتدائية من
معهد دسوق الديني، والثانوية من معهد طنطا الديني، والعالمية من كلية الشريعة
الإسلامية، وإجازة التدريس من كلية اللغة العربية بالأزهر الشريف. العمل:
إمام وخطيب ومدرس لمسجد سيدي جابر بالإسكندرية.
إن المتابع لاهتمامات الجماهير في مصر يجد أن
الشعور الديني في الفترة الأخيرة في تزايد؛ حتى أنه ليكون ظاهرة ملحوظة، فما تحليل
فضيلتكم لدوافع هذه الظاهرة والآن بالذات؟
ظاهرة النشاط الديني في هذه الفترة ترجع إلى جملة
أمور:
- التدين
فطرة، قد يطغى عليه ما يخفيه بعض الوقت، ولكنه لا بد أن يظهر ويمتد.
- إن
المسلمين أحسوا أخيرًا بنوع من الحرية؛ فانطلقوا يزاولون نشاطهم الديني.
- إن
المسلمين قد غرقوا في الشهوات حتى ملوها، ثم زهدوا فيها، بعد أن أحسوا بأنها
لم تسعدهم.
- إن
المسلمين قد انساقوا وراء تيارات وأفكار وتقاليد زُينها لهم المستعمر وألقى
في أذواقهم أنها ستنهض بهم وتحل مشاكلهم، ولكنهم ازدادوا تخلفًا وأحسوا أنها
لن تصل بهم إلى أغراضهم.
- إن
الهزائم المتوالية للمسلمين في أكثر الميادين تقريبًا، ولا سيما بعد النكسة
في عام 1967، جعلت الأمة تراجع نفسها وتبحث عن السبب الحقيقي وراء تلك
الهزائم المتكررة، ولعلها قد عرفت أن السبب الأول هو جهلها بدينها وتنكرها
لمبادئها وانسياقها دون وعي وراء المستعمر فكرًا وتقليدًا.
أنت إمام وداعية لجمعية بمسجد سيدي جابر.... فما هو
تصوركم لوظيفة المسجد الحقيقية؟
وظيفة المسجد الحقيقية هي تربية الفرد الصالح،
وبناء الأمة المؤمنة القوية التي تقود العالم إلى الحرية والعدالة والمساواة،
وتقيم حضارة مادية روحية؛ تلك باختصار هي وظيفة المسجد، فإذا قصر دونها فلن يكون
جامعًا، وذلك كان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة؛ فالمعروف أن الرسول
قبل أن يستقر به المقام بنى المسجد ليصنع فيه المسلمين، فكان معهد العلم، وميدان
التدريب، ونادي الشورى، ومجلس القضاء، وتأصلت فيه قواعد الدين، والدين في مفهوم
الإسلام هو الحياة بشتى مرافقها.
وأنا أرجو للمسجد في هذا العصر أن يعود إلى سيرته
الأولى، وأن يكون المكان الذي يلتقي فيه الحاكم بالمحكوم لقاء الأخوة التي لا
تعرفها المناصب والرتب، ولا يحول دونها المكاتب والحجاب، وأن تنطلق فئات الشعب
جميعًا من المساجد.
ووظيفة علماء المساجد، كما تحددها الوزارة، هي
إمامة الناس في الصلاة، وخطابة الجمعة، وتدريس الدين فيما بين المغرب والعشاء. أما
عمل الإمام كما أتصوره -ولا أقول وظيفة الإمام -فهو أن يكون الرائد للناس، والقدوة
للجماهير، والمصلح لما بينهم من خلاف. يجب على الإمام كما أتصور أن يشارك الناس
أفراحهم وأحزانهم، وأن يكسب ثقتهم ليحل مشاكلهم، وأن يكون الصلة بين الغني
والفقير، وبين الراعي والرعية. ومن واجب المسؤولين أن يضعوا تحت يد الإمام
الإمكانيات الواسعة ليؤدي واجبه على الوجه الأكمل، وليفهم الناس أن الدين هو
الدنيا وهو الحياة الكاملة، وذلك فضلًا عما يؤديه مما يسمى وظيفة الإمام.
إن دور المسجد وجمعيتها لعظيم الأثر فعلًا.. ولكننا
نسأل عن العقبات التي واجهت الجمعية؟!
العقبات التي واجهت قيام الجمعية كانت يسيرة، ولكن
العقبات الكثيرة كانت تقف أمام النشاط الذي أدخلناه على وظيفة المسجد الروتينية،
وأذكر من هذه العقبات:
أولًا:
المعارضة الشديدة التي لقيناها من الجماهير؛ فهم لم يألفوا مثل هذا النشاط،
وخصوصًا دخول الفتيات المسجد ودخول الأطفال، وتدريس الإنجليزي والرياضة.
ثانيًا: العقبات
التي واجهتنا من الشباب أنفسهم؛ فلأول مرة يدخلون المسجد بهذه الكثرة، ولأول مرة
يجتمع الفتية بالفتيات في مكان كالمسجد، وأكثرهم لم يكن يعرف شيئًا من حرمة المسجد
ولا يدري ما يدور فيه، ولا يخفى ما يحدث بينهم من شغب ومقاجرات أحيانًا.
ثالثًا:
المشرفون الذين ينظمون دخول وخروج الدارسين وجلوسهم في المسجد، ونوع المعاملة التي
يعاملون بها الدارسين، ويحفظون النظام ويوفرون الهدوء.
رابعًا: أكثر
الدارسين لا يعرف الصلاة ولا الوضوء، ورغم تعليمهم وتدريبهم فقد كان بعضهم يخرج من
الصلاة أو يضحك أو يأتي بحركات تبطل الصلاة، ولم نكن نستطيع التصرف معهم إلا بعد
الصلاة لأننا جميعًا نكون في الصلاة.
خامسًا: واجهتنا
بعض المشاكل من المسؤولين عن المسجد؛ خوفًا منهم على حرمة المسجد وتلويث فراشه بما
يحمل الأطفال معهم من طعام وسواه.
سادسًا: ضيق
المكان بالدارسين الذين أقبلوا من جميع أنحاء الإسكندرية طلبًا للعلم وحبًا في
المسجد كنوع جديد من الدراسة.
سابعًا: لم تكن
الإمكانيات على ما نحب في بعض النواحي. والعقبات التي ما زالت قائمة أننا نحب أن
نستوعب جميع الدارسين، ولكن المسجد لا يحتمل، وكذلك ما زالت هناك سلبيات لبعض
الذين يمكنهم المساهمة في إبراز دور المسجد وتمكينه من القيام برسالته نحو كل
الجماهير؛ ومن ذلك مثلا العثور على المشرفين الذين يتولون النظام والفئات التي
تخدم الأغراض الأخرى من النواحي التي أدخلناها على وظيفة المسجد كالعلاج والتدريب
على الصناعات والتأهيل المهني وغير ذلك.
إن الأمل والتفاؤل من صفات المؤمن.. والتفاؤل قوة
وعزة نفس، والتشاؤم ضعف ووهن... ومن التفاؤل ينبع الأمل... ومع الأمل نتساءل: ما
هو المطلوب في المرحلة الحالية للعمل الإسلامي... هذه المرحلة التي نحياها بعد
الفتنة والقيود والغياب من واقع الأمة والمأساة التي تحياها؟
ما المرفوض؟ وما المطلوب؟
- ليس
المطلوب قائدًا يقود الأمة... ولكن المطلوب رجل يجعل من الأمة قادة.
- ليس
المطلوب رجلًا تقع عليه كل الأضواء وتعيش الأمة في شبه القفل... ولكن مطلوب
رجل يعمل في الخفاء وتعيش الأمة في الضوء...
- لا
نحتاج إلى الزعامة والقيادة؛ فعصرها قد فات وولى، ولكن نحتاج إلى مصانع تخرج
الرجال، وكل الرجال قادة وزعماء...
- لا
نحتاج إلى طفرة يتحملها رجل وخلفه أنصاف رجال؛ فالطفرة مميتة رغم ما تثيره من
انبهار وذهول... ثم نقول: هل تناسى القوم مأساة الأمة العربية ولهثها جريًا
وراء القائد والزعيم؟
• في نشرة الجمعية هناك فقرة تقول إن من أهداف
الجمعية البعد عن الجدل السياسي.. فما هو المقصود؟ وهل يعني هذا في تصوركم بعد
الدين عن السياسة مثلًا؟
◘ من المعروف عن الإسلام أنه
عقيدة وشريعة، دين ودولة، وأنه يسيطر على زمام الحياة بجميع أنشطتها ويوجهها إلى حيث
ينظم ويشرع مما توحي به العقيدة الراسخة؛ فليس معنى هذه الفقرة (الجمعية لا تدخل العمل
السياسي) عزل الدين عن الدولة أو عزل المسلم عن السياسة، وإنما المعنى البعد عن الحزبية
التي تفرق ولا تؤلف، وعن الجدل العقيم الذي يضر ولا ينفع، والفقرة تقول: الجدل السياسي،
ولا تقول: السياسة، وذلك حرصًا منا على تأليف القلوب، وتوحيد الصفوف، وربط الناس بالإسلام.
وتلك النعمة الكبرى كما جاء بها القرآن الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ
إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103).
• ما أهم القضايا التي ترون أن الشباب المسلم في
أمس الحاجة إليها.. من خلال تجربتك؟
◘ المفاهيم الإسلامية هي قضايا
الإسلام التي يجب أن يعرفها المسلمون وما أكثرها! وأنت تعرف يا أخي العزيز أن المستشرقين
لا يصيبون من الإسلام نقصًا ولا يجدون فيه عيبًا، وإنما يستغلون غفلة المسلمين وجهلهم
بدينهم ليقوموا بتزييف حقائقه، ولقد كنت أسمع العجب في نقاشي مع الشباب من طلبة الجامعات،
وهم الطبقة المستنيرة في البلد، وكم كان آسفي بالغًا عندما كنت أحس فراغهم العقائدي
وجهلهم بأبسط قضايا الإسلام، وعندما كنت أرى للدين في نظرهم صورة تائهة، وكانت محاسن
الإسلام في نظرهم - كما صورها الاستعمار - مساوئ، ولعلك تلمس ذلك من تهافت الشباب
على التقليد وتركهم لقيمهم وأخلاق دينهم.
• ما النشاطات التي يقوم بها الشباب في الجمعية؟
وهل خرجت الجمعية إلى البيئة المحيطة بها؟
◘ الشباب المتردد على المسجد
في تزايد مستمر يبشر بنهضة طيبة، والشباب عندنا برغم كل شيء لبنة طيعة، ولعلك تلمس
فيما تشاهده من الإقبال على المحاضرات الدينية والقرآنية توعية الشباب المسلم، والعدد
الذي يتردد للدراسة كان يزيد على الألف دارس حسب الإحصائيات المسجلة بالمسجد، وكذلك
يؤم المسجد عدد لا يحصى للتزود بهدايات الدين، ويقدمون من أطراف المدينة ليشاركوا في
هذه التجربة الرائدة. ولعلك تلمس في ارتداء الفتيات للزي الإسلامي برغم أنهن جامعيات
في الإسكندرية سرعة الاستجابة للتوجيه. وإلى الآن لم يتم الترابط الذي أرجوه وأنشده،
ولكن مع ذلك فهناك بدايات له؛ فهناك المعسكرات التي تجمع العديد منهم ويتولاها
مشرفون وأشارك أنا في أكثرها حسب وقتي، وتكون صورة طيبة للتعاون والتعارف
والمشاركة، كما تكون تدريبًا على السلوك الديني والجماعي، وكذلك من الشباب جماعات
للكشافة (الكشاف المسلم)، وكذلك تعقد ندوات للمحاورة في موضوعات حية بين فئات
معينة، وفي المناسبات الدينية يصوم الشباب ثم يفطر إفطارًا جماعيًا في صحن المسجد،
ومن الشباب مشرفون للتعرف على احتياجات زملائهم ورغباتهم المادية وغيرها، وجماعات
تقوم بالتدريس مما يقوي الصلة بينهم. وأيضًا من الروابط التي رأينا أنها سوف تمتد
لتشملهم حتى بعد تخرجهم صندوق الطلبة؛ إذ يدفع القادرون كل شهر مبلغ عشرة قروش على
أن يقوم الصندوق بتغطية حاجاتهم العلمية والمعيشية للمحتاج منهم، ونجمع التبرعات
من الأثرياء حتى يغطي نفقات الطلبة، ونعتقد أن الطلبة بعد تخرجهم وبعد أن تتيسر
مواردهم المادية سيسهمون في دعم هذا الصندوق، ولكننا نترك هذا الأمر لهم ولا نفرض
عليهم شيئًا بعد تخرجهم.
• شجعت مجلة «المجتمع» في العام الماضي دور
المسجد.... وبالفعل تبنت وزارة الأوقاف وجمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت هذا
الدور.. فما تجربتكم؟
◘ نحيي بأصدق التحية «المجتمع»،
ونحيي وزارة الأوقاف الكويتية وجمعية الإصلاح الاجتماعي.. والذي أنبه بالعناية به وأوصي
بالاهتمام بشأنه هو التعريف بالإسلام، وتجلية عقائده وقواعده، حتى يرى الناس جوانب
العظمة والحياة في هذا الدين، والاهتمام باللغة العربية وفروعها وآدابها، وبهذين العنصرين
تلتقي أمة الإسلام في الشرق والغرب على دعائم قوية متينة.
أرجو أن يكون واضحًا في ذهن المصلحين أننا نبدأ
الإسلام من جديد، وأن المسلمين ليس في نفوسهم ولا في مخيلتهم ولا في سلوكهم من
تعاليم الإسلام شيء، وذلك يقتضينا أن نعود إلى نفس الطريق التي سلكها رسول الله
لغرَس الإسلام وتكوين المجتمع الإسلامي، كما يقتضينا الأناة والصبر، والتغلب على
المشاكل العديدة التي تواجه المصلحين. وأرجو أيضًا ألا نيأس أو ننتظر الثمرة بين
عشية وضحاها، وكم أتمنى أن يتبادل المضطلعون بالإصلاح والقائمون بالنهضات
الإسلامية الزيارة والأفكار والخبرات والتجارب، وكم أرجو أن ييسر المسؤولون في
وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية هذه اللقاءات بين العاملين في هذا الحقل، وكم
أود أن أزور المسلمين في كل بلد، لا سيما في الشقيقة الكويت، وكم أضيق ذرعًا
بالقيود المضروبة والإجراءات المعقدة التي تحول دون لقاء الإخوة بإخوتهم في كل
بلد.
أرجو أن يهتم المسؤولون الاهتمام كله بالمسجد، والعودة به إلى وظائفه المتعددة؛ فإنه في جو المسجد الطاهر تلين القلوب وتخشع النفوس، ويستطيع المربي أن يغرس ما يشاء، وما أسمى المظهر الإسلامي في صفوف المصلين خلف إمام واحد! وما أجمل اللقاء الذي يتم بين طبقات الشعب المختلفة على تعدد مراتبهم ومناصبهم في جو أخوي كريم!